عملية "إتغار": أميركا اختبرت أسلحة بقصف إسرائيلي في مصر

عملية "إتغار": أميركا اختبرت أسلحة بقصف إسرائيلي في مصر
غولدا مئير وضباط إسرائيليون عند قناة السويس (تصوير الجيش الإسرائيلي)

شنت إسرائيل عملية عسكرية تحمل اسم "إتغار" (تحدي)، بهدف تدمير الصواريخ السوفييتية التي نصبتها مصر في منطقة قناة السويس، بواسطة طائرات "فانتوم" أميركية ومزودة بأجهزة إلكترونية حديثة، تعهد الأميركيون بأنها ستشل الصواريخ في مصر. وبدأ الجيش الإسرائيلي هذه العملية العسكرية في 18 تموز/يوليو العام 1970.

واشترط الأميركيون أن يتحرك الطيارون الإسرائيليون بشكل ثابت أثناء القصف، خلافا للتدريبات التي تلقوها، التي كانت تقضي بأن يناوروا لمنع إصاباتهم بصواريخ المضادات الجوية، حسبما ذكر الدكتور غاي لارون، المحاضر في قسم العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، في مقال نشره في صحيفة "هآرتس"، يوم الجمعة الماضي. وأسفرت إحدى الغارات عن مقتل طيار إسرائيلي بسبب الشرط الأميركي، "والأجهزة الأميركية لم تعمل".

في تلك الفترة كانت تدور حرب الاستنزاف، في منطقة قناة السويس. وكان هدف إسرائيل في هذه الحرب الحفاظ على الوضع الناشئ في أعقاب حرب حزيران/يونيو العام 1967. وتصاعدت رشقات المدفعية المصرية، من قناة السويس، في ربيع العام 1969، وسقط عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات الإسرائيلية، وفي تموز/يوليو 1969 قُتل 25 جنديا وأصيب 93 آخرون.  

وأضاف لارون أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارا، في كانون الثاني/يناير 1970، يقضي بقصف أهداف مصرية في قناة السويس وفي عمق الأراضي المصرية. وفي آذار/مارس وصل لواء الدفاعات الجوية في الجيش الأحمر السوفييتي إلى الإسكندرية، مزودة بعشرات بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات، وقد نجحوا بنشرها، حول القاهرة وفي منطقة دلتا النيل، وصولا إلى الضفة الغربية لقناة السويس. ووفر ذلك مظلة جوية بعمق 10 كيلومترات لأية قوة مصرية تحاول عبور القناة. "هكذا نشأت الظروف التي ستمكن الجيش المصري، بعد ذلك بثلاث سنوات، من شن حرب يوم الغفران (تشرين الأول/أكتوبر 1973) بعملية العبور".

وأشار لارون إلى أن "بذور مأساة تشرين الأول/أكتوبر 1973، زُرعت في آب/أغسطس 1970، عندما انتهت حرب الاستنزاف. ورغم سلسلة عمليات عسكرية ناجحة، انتهت حرب الاستنزاف بهزيمة بالنسبة للجيش الإسرائيلي، فيما نجح المصريون والسوفييت في تحقيق أهدافهم".

سجال أميركي - إسرائيلي

أدى فشل عملية "إتغار" إلى سجال بين الاستخبارات الإسرائيلية والاستخبارات الأميركية، وقال الأميركيون إن القرار الإسرائيلي بقصف عمق مصر كان خاطئا، وأدى إلى تعميق التدخل السوفييتي في المنطقة، فيما ادعى الإسرائيليون أن الاتصالات بين المصريين والسوفييت بدأت قبل القصف في عمق مصر وأنه لا علاقة لهذا القصف بقدوم قوات سوفييتية.

وقررت إسرائيل شن غارات في عمق الأراضي المصرية بعد حصولها على طائرات "فانتوم" الأميركية، في نهاية العام 1969. فقد كان بإمكان هذه الطائرات حمل قنابل كبيرة ولمسافات طويلة وقادرة على مواجهة طائرات "ميغ" المصرية. وكانت الولايات المتحدة أجرت تجارب ناجحة على طائرات "فانتوم" في فيتنام. ووفقا للارون، كانت هناك قناعة لدى سلاح الجو الإسرائيلي بأن "بحوزته بطاقة رابحة بإمكانها كسر الإصرار المصري وإخضاع (الرئيس المصري جمال) عبد الناصر".

(لاعام)

وأضاف لارون أن "الأميركيين وافقوا على بيع طائرات فانتوم لإسرائيل. لكن على ما يبدو رافق هذه الموافقة توقع بأن إسرائيل ستستخدمها. وكان الانطباع لدى السفير الإسرائيلي في واشنطن في حينه، يتسحاق رابين، أن الأميركيين أرادوا أن تستخدم إسرائيل الفانتوم ضد مصر. وكتب رابين مجموعة برقيات من واشنطن شجعت الحكومة على استخدام سلاح الجو بشكل متزايد. لكن نشر القوات السوفييتية دفع القيادة في إسرائيل إلى إعادة النظر في هذا الموضوع. هل يجدر بإسرائيل أن تقصف الوحدات السوفييتية، وتدخل في مواجهة مباشرة مع إحدى الدولتين العظميين الأقوى في العالم؟ وهنا تدخلت الإدارة الأميركية أيضا من أجل تشجيع حكومة غولدا مئير".   

وتابع لارون أن الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، سأل رابين، في 18 آذار/مارس 1970، "لماذا لا تدمر إسرائيل بطاريات الصواريخ التي جلبتها الفرقة السوفييتية معها إلى مصر، فيما فسّر رابين ذلك بأنه تلميح واضح لمواصلة القصف في العمق (المصري). ومن دون شك، شجع نيكسون وكيسنجر (مستشار الأمن القومي الأميركي حينذاك، هنري كيسنجر) إسرائيل على ضرب مصر لأنها كانت حليفة للاتحاد السوفييتي. لكن كانت هناك اعتبارات أخرى للإدارة".

حرب فيتنام

أشار لارون إلى أن "حرب الاستنزاف كانت جزءا من الصراع العربي – الإسرائيلي، بنظر إسرائيل. لكن بنظر الأميركيين، وفر الصدام في صحراء سيناء فرصة لاختبار قوة العتاد الأميركي مقابل السلاح السوفييتي. ورأى الأميركيون أمام أنظارهم الحرب في فيتنام. وعمليا، كلتا الحربين دارتا بصورة تناسبية: طيارون أميركيون وإسرائيليون يستخدمون الفانتوم نفسها من أجل التغلب على المنظومات الدفاعية السوفييتية التي تم نشرها في سيناء وفيتنام. وكان بالإمكان استخلاص العبر في جبهة واحدة (سيناء) من أجل تطبيقها في الجبهة الأخرى (فيتنام)".  

وتابع أنه "في ربيع 1970، سنحت فرصة ذهبية للأميركيين. فقد دخل سلاح جديد إلى منطقة المعارك، (صاروخ) سام 3، الذي تحول إلى منظومة دفاعية سوفييتية يصعب اختراقها. فهذا صاروخ أصغر وأسرع من شقيقه الأكبر، سام 2، الذي كان بطيئا وثقيلا. واعترف سلاح الجو الإسرائيلي بأنه ليس قادرا على التغلب على بطاريات الصواريخ السوفييتية، وأبلغ البنتاغون بصعوبات مواجهة سام 3. لكن رد الفعل الأميركي الأول كان انعدام الثقة بإسرائيل، لأن الاتحاد السوفييتي لم ينشر أبدا بطارية سام 3 خارج حدوده، ولا حتى في أوروبا الشرقية".  

لكن عندما اقتنع الأميركيون بأن الجيش الإسرائيلي محق، وفقا للارون، "انتهزوا الفرصة. وطوّر البنتاغون منظومة قتال إلكترونية تتمكن من شل عمل سام 2، لكن الأميركيين لم يعلموا ما إذا كان قادرا على مواجهة بطاريات سام 3 أيضا. وكان على البنتاغون توفير رد على ذلك قبل أن ينشر السوفييت هذه البطاريات في فيتنام الشمالية ويصعبون على الأميركيين ضرب العدو الشيوعي".

وتابع لارون أن الولايات المتحدة سعت إلى اختبار المنظومة التي تم تطويرها ضد "سام 2"، لاستخدامها ضد "سام 3" في مصر. وحضر ضباط أميركيون كبار وطاقم تقنيين حاملين الأجهزة المطلوبة إلى إسرائيل، في تموز/يوليو 1970، من أجل تدريب الإسرائيليين على استخدام المنظومة. وكانت النتيجة شن عملية "إتغار" العسكرية، وتبين أن المنظومة ليست قادرة على مواجهة "سام 3" وأنه يجب تطوير أساليب قتالية أخرى.