في أسباب "تمرد ليبرمان"

في أسباب "تمرد ليبرمان"
مناصر لليبرمان يعلّق منشورًا انتخابيا (أ ب)

في مقال تحليلي لنتائج الانتخابات الإسرائيلية وأسباب تمرّد رئيس قائمة "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، وبعد أن يكشف السر المعلن، كما يقول، وهو أن نصف المهاجرين الروس الذين يعيشون في إسرائيل ليسوا يهودًا، يطرح الباحث شلومو زاند سؤالا افتراضيا حول وحدة محتملة في المدى البعيد بين الجمهور غير اليهودي العربي الفلسطيني، الذي يعيش في إسرائيل ويشكل 20% من سكانها، وبين الجمهور غير اليهودي الروسي الذي يتجاوز النصف مليون إنسان؛ ودور هذه الوحدة في كسر يهودية الدولة وبلورة هوية إسرائيلية.

ويتوقف زاند عند الحقيقة اللافتة بأن رجل اليمين المتطرف، ليبرمان، هو الذي يقوّض سلطة اليمين التقليدي الذي حكم في إسرائيل طيلة السنوات الماضية، وذلك دون إنذار مسبق، وكيف أن سياسيًا عنصريًا وفاسدًا يفضل حكومة وحدة لبرالية علمانية على حكومة قومية – دينية كان جزءا من شبيهاتها طيلة السنوات الماضية.

إنّه ليبرمان، الذي خدم في العديد من حكومات اليمين والذي اقترح في السابق تفجير سد أسوان كوسيلة لحل الصراع، ودعم فكرة إجراء ترحيل (ترانسفير) للعرب والولاء مقابل البقاء، وشبه نشطاء السلام بـ"الكافو" الذين كانوا يتعاملون مع النازية، والذي لا يسكن في إسرائيل منذ سنوات، بل في مستوطنة نصفها من المتدينين ونصفها الآخر من العلمانيين، والذي شارك في العديد من الحكومات التي ضمت الحريديين.

المهاجر من مولدوفا الذي كان في العشرين من عمره لدى قدومه إلى إسرائيل وخدم سنة واحدة في الجيش، أمضاها في الحكم العسكري في الخليل واغتنى بطرق ملتوية وتحول إلى شخصية مليئة بالثقة في الساحة السياسية الإسرائيلية. ليبرمان، كما يقول زاند، لم يمر بتحول قيمي ضميري بواسطة عصا سحرية، "بل إنّ التغيير الإستراتيجي الذي مر به ليبرمان، الذي بدأت مقاعد قائمته تهبط بعد أن كانت قد وصلت إلى عشرة مقاعد، هو أنّه أدرك أن عليه توجيه بوصلته نحو رغبة سيده المتمثل بجمهور ناخبيه الذين ساروا خلفه".

هذا الجمهور، الذي تفاقمت معاناته بسبب تزمت "الحاخامية"، التي شددت على تسجيلهم بأنهم ليسوا يهودًا في وزارة الداخلية، ومنعت بكل طريقة ممكنة الزواج المختلط معهم، وأحكمت من سيادتها وسيطرتها على خطوط الفصل اليهودية، لكي تمنع تسلل اللاساميين إلى جسم "الشعب المختار".

لقد كان ردّ فعل الناخبين غير اليهود، كما يقول زاند، "ولادة" ليبرمان "الجديد اللبرالي العلماني، الذي صعد إلى مركز الساحة الانتخابية وقال نعم لتجنيد الشابات والشبان الحريديين للجيش، ونعم لتسيير المواصلات العامة أيّام السبت ونعم للزواج المدني، وهكذا تحول ما كان يعتبر راية اليسار المناهض لليهودية إلى راية ليبرمان، غير اليهودي تقريبا، الجديد".

ورغم أنّ ليبرمان لم يكف عن كونه عنصريا ويستكبر على العرب المحليين، ولم يبدأ باحترام المحكمة العليا كليبرالي قائم، لكنه تحول إلى زعيم النضال الجارف ضد الحريديين، والسؤال كم سيذهب بعيدا في هذا الدرب.

وبحسب زاند "إنّه يريد دولة أوروبية أو شرق أوروبية نظيفة من العرب، وبينما تعقد التناقضات التي تميز خطواته الساحة السياسية وتربكها اليوم، إلا أنّ مردودًا بالمدى البعيد على الطابع الإثني- الديني التقليدي للدولة سيكون إيجابيًا، في حين ستجيب الأيام إذا كان الروس سيساهمون في تعميق أسرلة الوعي الجماعي".

في السياق ذاته، أشارت وزيرة المعارف السابقة، يولي تمير، في مقال نشرته "هآرتس"، إلى انتباه ليبرمان قبل غيره لعملية "التديين" الجارية في إسرائيل، والتي انجلت بوضوح بعد تعيين الحاخام رافي بيرتس، وزيرًا للمعارف، وما يعانيه المهاجرون الروس بشكل خاص نتيجة لذلك.

وتقول تمير إنّ الأحزاب الروسية رغم كونها أحزابا قطاعيّة، إلا أنّ ممثّليها لم يفقدوا الرغبة في التأثير على المجتمع ككل والخروج من "الغيتو الروسي" واحتلال المركز الإسرائيلي، وليبرمان، نفسه، لديه هذا الطموح منذ سنوات، والآن تلاقى الهدفان في مسلك واحد تقف العلمانية في مركزه.

فهو يؤمن، كما تقول تمير، بالدفاع عن مصالح المهاجرين الروس، إلى جانب تحقيق رغبتهم في تعريف الهوية الإسرائيلية من جديد، وقد خطا ليبرمان على هذا الطريق خطوة حاسمة نحو الساحة السياسية المركزية وعرّف لها جوهر العلمانية المتمثلة بتجنيد الحريديين وتغيير ماهية السبت والدعوة لفرملة قوة الأرثوذكسية.

وتختم تمير بالقول، "ربما تتحقق الآمال التي علقها الآباء المؤسسون على مهاجري الاتحاد السوفييتي السابق، ونجد أنفسنا نعرّف، من جديد، الهوية الإسرائيلية، بشكل يوازن بين الدين والتقاليد والثقافة العلمانية وعندها سيتبين بعكس الرأي السائد بأن الانتخابات الأخيرة لم تكن زائدة".