"أمان" تتراجع؟: إيران لا تتجه لقنبلة نووية وإنما لاستئناف المفاوضات

"أمان" تتراجع؟: إيران لا تتجه لقنبلة نووية وإنما لاستئناف المفاوضات
الرئيس الإيراني في المنشأة النووية في بوشهر (أرشيف - أ.ب.)

ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية، يوم الثلاثاء الماضي، على أن التقييم السنوي لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ("أمان")، يتحدث عن قدرة إيران لصنع قنبلة نووية في غضون عامين. لكن أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين أفاد اليوم، الجمعة، بأنه ليس هذا ما قصدته "أمان". وأشار محلل آخر، اليوم أيضا، إلى أن هذا التقرير السنوي أهمل الحلبة الفلسطينية والتطورات المتوقعة فيها.

ووفقا للمحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، فإنه "بالإمكان الحصول على انطباع خاطئ من قسم من العناوين بأن إيران استأنفت توجهها السريع نحو النووي. ليس هذا ما يحدث فعليا. والحقيقة هي، وهي تنعكس في التقرير السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي تقديرات أمان، أن الإيرانيين يراكمون خروقات. وبعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، في أيار/مايو العام 2018، وبشكل أكبر بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية، في أيار/مايو العام 2019، بدأت طهران بخرق الاتفاق بصورة منهجية وتدريجية".

وأضاف هرئيل أن "هدف إيران، حسب أمان، هو تجميع كنوز استعدادا لاستئناف المفاوضات، في حال عاد الأميركيون إلى المباحثات من أجل التحدث عن صيغة بديلة للاتفاق. وهذه الخطوات مدعومة أيضا بهجمات وعمليات تخريبية ضد مواقع النفط وطرق دول الخليج لتصدير النفط، في محاولة لإقناع إدارة ترامب بالتنازل". (لكن لأن نص تقرير "أمان" ليس متاحا، فإنه ليس واضحا ما إذا "أمان" تراجعت عن التقارير من يوم الثلاثاء الماضي، أم أن استبعاد توجه إيران لصنع سلاح نووي كان موجودا فعلا في هذه التقييمات).

وتابع هرئيل أنه "في نيسان/أبريل المقبل، عندما يجمع الإيرانيون كمية كافية، حوالي 1.3 طن، سيكون بإمكانهم الارتقاء نظريا إلى مستويات أخرى من التخصيب. ومن هذه الكمية، سيتمكنون في وقت لاحق من العام الحالي تصفية قرابة 40 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 90%، وهذا كاف من أجل صنع قنبلة نووية واحدة. وخلال سنتين من اليوم سيكونوا قادرين على استكمال العملية كلها والوصول إلى سلاح نووي، بواسطة صنع رأس حربي نووي بالإمكان تركيبه على صاروخ بالستي".

كوخافي توقع مواجهة مع إيران (الجيش الإسرائيلي)

إلا أن هرئيل أشار إلى أن رئيس "أمان" الأسبق، عاموس يدلين، "أوضح (يوم الثلاثاء الماضي) أن كل هذا متعلق بسلسلة قرارات. والعامل الأساسي هو قرار إيراني حاسم بصنع سلاح نووي". ونقل عن يدلين قوله إن "إيران امتنعت عن ذلك طوال سنين وفضلت تأسيس قدرات عتبة، تمكنها في المستقبل من اتخاذ القرار وتطبيقه. وثمة احتمال كبير أن إيران لم تتخذ بعد قرارا بصنع سلاح (نووي) ولذلك فإن العدّ التراجعي نحو سلاح نووي إيراني لم يبدأ بعد".

إرث سليماني واحتمالات الحرب

تطرق تقييم "أمان" السنوي إلى إرث قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي اغتيل بغارة أميركية، قبل أسبوعين. وحسب هرئيل، فإن "سليماني قاد منظومة تهريب أسلحة وتموضع عسكري في أنحاء الشرق الأوسط. هل من سيتولون مهامه بعده سيواصلون هذه الخطوات بالقوة نفسها؟ وكيف سترد إسرائيل؟".

ورغم أن تقارير إعلامية إسرائيلية قالت إن "أمان" توصي، قبل الاغتيال وبعده، بتشديد العمليات ضد إيران في سورية، وتوقع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، تصعيدا محتملا مع إيران في سورية، إلا أن هرئيل أشار إلى أنه "تكمن مصيدة معينة في توصية أمان. ورغم أن التقييم السنوي يتحدث عن احتمال ضئيل للمبادرة إلى حرب ضد إسرائيل، لكن في الوقت نفسه تدعي تزايد خطر اشتعال غير مخطط له، بسبب تبادل ضربات متصاعدة بين الجانبين".

وأضاف هرئيل أن "الاستخبارات تقدر أيضا أن إيران وحزب الله سيردان على هجمات يُقتل عناصرهم فيها. وبكلمات أخرى: الجيش الإسرائيلي يقترح تشديد الهجمات، رغم أنه يعي خطورة أن خطوة كهذه ستقرب الأطراف نحو عتبة حرب. ورئيس أركان الجيش والضباط برتبة لواء لا يَبدون غالبا كمن يسعون إلى الحرب، لكن هذه نبوءات قد تحقق نفسها".

التصعيد يهدد الحلبة الفلسطينية كلها..

اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "معاريف"، طال ليف رام، أن تقييمات "أمان" بخصوص القدرات النووية الإيرانية أدت إلى إبعاد الحلبة الفلسطينية إلى هامش تقريرها السنوي. "لكن إطلاق أربع قذائف صاروخية باتجاه إسرائيل، هذا الأسبوع، وبعد ثلاثة أسابيع من الهدوء، يذكرنا جميعا بأن مشكلة غزة بعيدة عن نهايتها، وأنه إلى جانب جهود التهدئة، ليس متوقعا أن ينتهي إطلاق النار من القطاع، الأمر الذي يبقي احتمال التصعيد في مستوى عال".

غزة يوم الأربعاء الماضي، بدون كهرباء ومقومات حياتية أساسية (أ.ب.)

ووفقا لتقييمات "أمان"، فإن حماس متمسكة بالتهدئة، "لكنها ستستمر في تعريف نفسها كحركة مقاومة". وكتب ليف رام أنه "على الأرجح أن تتراجع حماس عدة خطوات إلى الوراء، في الأشهر القريب المقبلة، حتى بثمن تصعيد غير كبير. والاعتقاد في إسرائيل هو أن حماس ستلجم الجهاد الإسلامي جزئيا، بحيث يتوقع إطلاق قذائف صاروخية في الأشهر المقبلة، وسيكون من الصعب في واقع كهذا التوصل إلى استقرار أمني".

ولفت ليف رام إلى أنه منذ العدوان الأخير على غزة، الذي بدأ باغتيال القيادي في الجهاد بهاء أبو العطا، فإن "الغارات الإسرائيلية موجهة ضد أهداف لحماس فقط. وألحقت أضرارا اقتصادية كبيرة بحماس، التي خسرت أسلحة وورشات إنتاج. ورغم ذلك، إلا أن هذا لا يدفع حماس إلى استخدام القوة ضد من يطلق القذائف الصاروخية. والطريقة غير المباشرة التي تستخدمها إسرائيل، بمطالبة حماس بتحمل مسؤولية الحكم، تؤدي إلى نتائج جزئية وحسب".

وفيما يتعلق بالضفة الغربية، تحدث تقييم "أمان" عن تراجع حجم العمليات والمواجهات، لكن العمليات باتت معقدة ومتطورة أكثر. وكتب ليف رام أنه "على الرغم من الهدوء النسبي، ما زال التحذير قائما من أن الاستقرار الأمني سيتلقى ضربة كبيرة في اليوم الذي لن يجلس فيه أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) في كرسي الرئيس".

وأضاف أنه "في حالة القطيعة المطلقة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وفيما تدور معركة سياسية دولية تديرها السلطة ضد إسرائيل، لا تزال مكانة أبو مازن مستقرة، والتنسيق الأمني مستمر عمليا رغم الصعوبات وضعف مكانة السلطة في الشارع الفلسطيني".

ووفقا لليف رام، فإن "أبو مازن ما زال يُعتبر في جهاز الأمن ورقة هامة، تمنع تدهورا أمنيا. لكن الساعة الرملية أخذت تنفذ، حسب تقييم أمان. وهذا الإنذار الإستراتيجي موجود في إسرائيل منذ سنوات، لكنه لم يترجم إلى خطة عمل"، لافتا إلى أن "من دون حوار مع السلطة الفلسطينية، إسرائيل تتجاهل بالكامل الواقع الذي يقترب. وبعدم وجود حل سياسي في الأفق، مريح أكثر لكلا الجانبين عدم القيام بشيء وانتظار تغيّر الوضع. وحسب التقديرات فإنه لا يتوقع أن يتغير".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ