سنودن: استخدام نتنياهو لمخزون الشاباك يذكر بسجلات النازيين

سنودن: استخدام نتنياهو لمخزون الشاباك يذكر بسجلات النازيين
كتاب سنودن على قائمة أكثر الكتب مبيعا هذا العام (أ.ب.)

انتقد العميل السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي (NSA)، إدوارد سنودن، الذي كشف منظومة تعقب الإدارة الأميركية لمواطنيها، بشدة الإسرائيليين لأنهم لم يحتجوا بتاتا على قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قبل ثلاثة أسابيع، باستخدام مخزون معلومات بحوزة جهاز الأمن العام (الشاباك)، الذي يطلق علية اسم "الأداة"، لتعقب المواطنين في إسرائيل، بادعاء رصد مصابين بفيروس كورونا وأشخاصا خالطوهم.

وقال سنودن، في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" نُشرت اليوم، الجمعة، إنه "يصعب عليّ حقا أن أفهم كيف لم يُثر لديكم هذا الأمر عاصفة كبيرة. وفاجأني جدا أن الجمهور الإسرائيلي لا يدرك تماما مدى شدة خطورة مخزون معلومات كهذا بأيدي الشاباك. ورغم أن إسرائيل في حرب دائمة، لكن ينبغي أن نتذكر أن قسما كبيرا من السكان عندكم موجود هناك نتيجة كارثة رهيبة، وفظائع متعمدة حدثت من خلال استغلال سيء لمنظومة السجلات التي وضعها النازيون في ألمانيا. وأقول للإسرائيليين: ضعوا مشاعركم تجاه نتنياهو أو تجاه خصومه في المعارضة جانبا، فهم أقل أهمية".

وأضاف سنودن أن "الأمر الأهم هو أن ما يفعله نتنياهو اليوم باستغلال مخزون الشاباك أخطر من فيروس كورونا. ولا ينبغي استخدامه أبدا. فالبشرية لم تواجه أبدا القدرات التكنولوجية لتنفيذ مراقبة شاملة للجمهور مثلما يحدث اليوم، وما نراه هو بنية تحتية لتنفيذ قمع حقوق إنسان بحجم هائل. وفكرة أن نتنياهو، أو أي حكومة، بمقدوره بكبسة زر أن يعثر على أفراد مرضوا بكورونا وإغلاق الأبواب عليهم أو نقلهم إلى مناطق خاصة، لا يحتمل".

ووصف سنودن استخدام مخزون معلومات الشاباك حول المواطنين بأنه "تدمير لاختيار الجمهور. فالديمقراطية برمتها مبنية على إجراءات يتناولونها من خلال النقاش، والاستيضاح والاختيار من جانب الجمهور، وهم يدمرون هذا الأمر".

ورفض سنودن الزعم أنه في حالة انتشار وباء كورونا، فإن "الحق بالحياة يتغلب على الحق بالخصوصية"، وقال إن هذه صورة الادعاء الأكثر كسولة، ويستخدمونها دائما لتبرير سياسية سيئة. وكالعادة، يقولون إنه إذا لم تمنحوني هذه الأداة، فإن مكافحة كورونا خاسرة. لكن لم تكن بحوزتنا أداة كهذه عندما انتشرت أوبئة سابقة. وانتصرنا عليها. انتصرنا على السارس، على سبيل المثال، من دون استخدام أجهزة الاستخبارات. والأمر الثاني، هو أنه كان بالإمكان القيام بذلك عن طريق المحكمة. وأنا متأكد أن أي قاض في أي دولة كان سيصادق على استخدام هذه المواد بواسطة أمر محكمة، ولكن سيكون ذلك تحت إشراف على الأقل".

وأقرّ سنودن بأنه عندما عمل في وكالة الأمن القومي، التي جمعت معلومات مفصلة جدا عن المواطنين، "كنت جزءا من هذا الانتهاك، وشريك في المخالفة. وحينها تساءلت: بخدمة من أنا أعمل؟ لمصالحة وكالة استخبارات أم بخدمة الجمهور ومبادئ وطني الأساسية؟ لمن واجب الولاء الأكبر لدي؟". وأجاب أنه "بالإمكان قياس حرية أمة وفقا للاحترام الذي توليه تجاه حقوق مواطنيها فقط لا غير".

نتنياهو خلال مؤتمر صحافي للإعلان عن تعليمات وقيود لمواجهة كورونا، الشهر الماضي (مكتب الصحافة الحكومي)

وقال سنودن إنه بدأ عمله في وكالة الأمن القومي بعد 11 أيلول/سبتمبر عام 2001. "كانوا يعلمون أنهم فشلوا في مهمتهم الأهم، وهي الدفاع عن أميركا، وسمحوا بحدوث أكبر هجوم، منذ بيرل هاربور. وعندها بذل رؤساؤنا جهودا كبيرة من أجل الحصول على ميزانيات عملاقة وصلاحيات غير مسبوقة، واستغلال تهديدات الإرهاب من أجل توسيع الوسائل التي بحوزتهم. وهم لم يتوجهوا أبدا إلى مواطني الولايات المتحدة ليطلبوا إذنا أو يسألوا عن رأيهم".

"الميزانيات السوداء"

أحد الوثائق التي كشفها سنودن تتعلق بـ"الميزانية السوداء"، وهي التمويل السري لأجهزة الاستخبارات، التي وصلت في العام 2013، أثناء ولاية الرئيس باراك أوباما، إلى 52.6 مليار دولار. وفي حينه، عندما كان سنودن في الـ22 من عمره، "كان عملي في صلب عمل وكالتي سي.آي.إيه. وإن.إس.إيه.، مثل أي عامل آخر. وكنت أحد المسؤولين عن ربط منظمات الاتصالات للوكالتين، أي أحد عشرات معدودة من الأشخاص الذين كان لديهم تصنيفا أمنيا يسمح بأن يطلعوا على المواد في الوكالتين".

وأضاف سنودن أنه عمل على إقامة منظومة حماية معلومات عالمية، وأن هذه عبارة عن "شبكة سرية عملاقة، تضمن أنه حتى في حال تعرض مقر قيادة إن.إس.إيه. لتدمير بقصف نووي، فإنه لن نفقد أي معطيات. وفي تلك الفترة لم أدرك أن بناء منظومة تكنولوجية ستخزن دائما توثيق حياة أي شخص، هي خطأ تراجيدي".

في حينه، اطلع سنودن على وثيقة سرية تحمل اسم "رياح الشمس" (STELLARWIND)، ووُصفت أنها أهم أسرار إن.إس.إيه. وكانت تنص، وفقا لسنودن، على "وصف كافة اتصالات المواطنين الأميركيين عبر الإنترنت بأنها غاية". ومن أجل تنفيذ هذه الغاية، طورت إن.إس.إيه. برنامجا خاصا باسم XKeyscore، الذي بإمكانه البحث مثل غوغل، ولكن داخل مجمل المعلومات التي أنشأها أي شخص. البريد الإلكتروني، الدردشات، المنشورات، الملفات الخاصة. وقال سنودن إن "هذا الأمر الأقرب للخيال العلمي الذي رأيته بحياتي". فقد سمح هذا البرنامج برؤية المتصفح أثناء تصفحه، وكأن شاشته هي شاشة رجل الاستخبارات.

قوات إسرائيلية عند باب الخليل في القدس المحتلة لفرض منع تجول، أمس (أ.ب.)

وأضاف أنه "بسبب المراقبة الشاملة، تحولنا إلى شفافين ليس فقط بالنسبة لدولنا، وللشاباك والموساد في أي دولة، وإنما بالنسبة لغوغل وفيسبوك أيضا، في إحدى المؤامرات الحقيقية الأكبر في عصرنا. وهذا بمثابة زواج بين قوة اقتصادية وحكومية، خلافا لمصلحة الجمهور. وهذه المسائل زرعت بي بذور الشك، التي تنمو من لحظة إلى أخرى".

وأشار سنودن إلى أنه "لم أرَ أحدا جمع أرباحا ماليا من ذلك، لكن كانت هناك ظاهرة باسم LOVEINT ("استخبارات الحب"). وقد استخدم رجال استخبارات هذه المنظومة من أجل جمع تفاصيل عن شابات أرادوا مغازلتهن أو عن أي شخص أحبوه أو عكس ذلك وأرادوا التنصت على هواتفهم أو قراءة بريدهم الإلكتروني. ولم تتم محاسبة أو محاكمة أي أحد، وبينهم شبان في سن 18 أو 19 عاما، فالجريمة الكبرى ترتكبها إن.إس.إيه.".

وقال سنودن إنه حتى لو يكن المواطن مجرما أو إرهابيا، فإنه "بإمكان الحكومة، في أي وقت، أن تبحث في اتصالات الماضي عن أي شخص تريد ملاحقته، بحثا عن جريمة. وتخيل أن ترامب، بوتين أو نتنياهو قرروا أنك لا تعجبهم، فسيعيدون عجلة هذه المنظومة إلى الوراء، لشهر أو ثلاثة، أو ثلاث سنوات أو 30 سنة، وبإمكانهم أن يروا أين كنت في أي لحظة، ومع من تحدثت، وماذا قرأت، وعن ماذا بحثت. وبوجود هذه المعلومات تكون لديهم قوة غير محدودة، وبإمكانهم أن يفعلوا بك ما يشاؤون".

إخفاق الحكومات

نفى سنودن الادعاء بأن مخزون معلومات كهذا عن المواطنين يمكن أن يساعد في محاربة الإرهاب. وأشار في هذا السياق إلى لجنة تحقيق شكلها أوباما، وقال رئيس إم.إس.إيه. الأسبق للجنة أن هذا المخزون منع 49 هجوما إرهابيا. وبعدما طالب صحافيون بتفاصيل هذه الهجمات، تبين أن هذه معلومات مزيفة. وقال سنودن إنه "لا يوجد ما يمكن فعله بهذا المخزون. والإرهابيون تعلموا الدرس، وهم لا يستخدمون وسائل الاتصال هذه".

وقال سنودن إنه يؤيد جمع معلومات من أجل منع هجمات أو جرائم خطيرة، "ولن ليس ضد الجميع. لأنه في هذا الحالة قد يصبح جميعنا مجرمين في مرحلة معينة. فعندما تبدأ بالنظر إلى الجميع على أنهم مشتبهون، وهذا ما حصل بعد 11 أيلول/سبتمبر، ستجد أن لكل شخص ركن قد يفسَر أنه مظلم، وأي شخص يمكن أن يرتكب مخالفة ما، ويصبح دماغ رجل الاستخبارات يعمل مثلما في محاكم التفتيش".

وفيما يتعلق باستخدام مخزون المعلومات لدى الشاباك، شدد سنودن على أن "أزمة كورونا اشتدت بسبب إخفاق أجهزة الصحة في الدول المختلفة. وبات واضحا منذ الآن أن مواجهة الوباء بطيء وينطوي على إخفاقات كثيرة. ولذلك، تفضل السلطات استخدام وسائل من هذا النوع، وتبرير ذلك بـ’النجاعة’. ولكن ذرائع النجاعة كانت في مركز ممارسات أكثر السلطات إرهابا في القرن الماضي".

شوارع خالية في تل أبيب، عصر أول من أمس (أ.ب.)

وأردف أن "ثمة سؤالا آخر. لماذا مخزون المعلومات هذا سريا؟ لقد قرأت أن الشاباك قدم، بوثيقة سرية، الأساس لمشروع قانون حول هذا المخزون إلى اللجنة الفرعية للأجهزة السرية في برلمانكم. وأتساءل، لماذا السرية؟ فالجميع يعلم أنه توجد مراقبة شاملة بينما الحديث الآن عن موضوع صحي. فلماذا ينبغي أن يكون شيئا ما في هذا الموضوع سريا؟ ولا شك أن مشكلة كورونا صعبة. لكن ينبغي أن نتذكر أن هذه مشكلة ستزول، بينما هدم حقوق الإنسان هو تهديد قاتل على البشرية".