الترانسفير المسكوت عنه: تهجير سكان الجولان بعد النكسة

الترانسفير المسكوت عنه: تهجير سكان الجولان بعد النكسة
قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، في العام 1967 (أ.ب.)

أهملت إسرائيل، كقوة احتلال، توثيق احتلالها لهضبة الجولان السورية في حرب حزيران/يونيو 1967، وحاولت كعادتها تشويه الحقائق، فوصفت تهجير الجولانيين بأنهم "غادروا"؛ ولأن احتلال الهضبة كان سريعا، خلال يومي 9 و10 حزيران/يونيو، فقد كان بعيدا عن اهتمام الجمهور في إسرائيل، وخاصة حقيقة أن عدد السكان هناك كان 130 ألف نسمة تقريبا قبل الحرب، ولم يبق منهم بعد التهجير سوى 6,396 نسمة، حسبما ذكر المؤرخ والباحث في معهد "عكيفوت" لتجميع وثائق الأرشيفات حول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، آدم راز، في مقال في صحيفة "هآرتس" اليوم، الجمعة.

ولفت راز إلى أن "كتب التاريخ الإسرائيلية تكاد لا تتطرق إلى مصير السكان الأصلانيين في هضبة الجولان"، فقد ساهم الاستيطان وهدم القرى السورية، إلى جانب الاحتلال السريع، في محو مصير السكان من الذاكرة الإسرائيلية. "ولم ينشغل باحثون، لأسباب مختلفة، بمصير جموع السكان العرب، الذين لا تزال خرائب قراهم ظاهر في مشهد هذه المنطقة. كما أن التوثيق المتاح في الأرشيفات قليل جدا. ومثلما يجري في مواضيع أخرى، فإنه غالبا ما يتم فرض الرقابة العسكرية على أجزاء من وثيقة تكون متاحة" للاطلاع عليها.

وهجرت إسرائيل الغالبية الساحقة من سكان الجولان بعد ثلاثة أيام من القصف الكثيف، وفقا لراز، "وانضمت القوات السورية، التي انتشرت في المقرات العسكرية، إلى جموع النازحين. كما أن كبار الضباط غادروا مقرهم في القنيطرة". ولم يُحصي الاحتلال الإسرائيلي عدد السوريين الذين بقوا في الجولان، إلا بعد شهرين من الاحتلال، في 10 آب/أغسطس.

وخضع السوريون تحت الاحتلال إلى نظام حظر تجول في قراهم، من المساء حتى صباح اليوم التالي. ولم ينجح السكان الذين لجأوا خلال المعارك إلى الحقول والتلال بالعودة إلى قراهم. وأشار راز إلى أنه "تم تجميع السكان المتبقين بسرعة في القنيطرة، بعد إخراجهم من قراهم، وأرسلوا إلى ما وراء الحدود. وفي موازاة ذلك، جرى منع الدخول إلى أكثر من 100 قرية مهجرة".

مقر قوات الأمم المتحدة (مباني بيضاء) في الجانب السوري من خط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل، 1 حزيران/يونيو الجاري (تصوير: عرب 48)

وتطرق إلعاد بيلد، قائد وحدة عسكرية إسرائيلية احتلت جنوب الجولان، في شهادة خطية، إلى اتخاذ القرار بتهجير السكان، وأن ذلك تم "بمساعدة جرافات من أجل تدمير القرى، بحيث لا يبقى مكانا بالإمكان العودة إليه". وكتب راز أن دائرة "المسؤول عن الأمن في وزارة الأمن" فرضت رقابة على هذه الشهادة أيضا، الموجودة في أرشيف "مركز يتسحاق رابين". كذلك كتب يتسحاق غال، الذي أجرى مسحا للآثار في الهضبة بعد الحرب، في يومياته إن "ما لم تأكله الحرب هدمته الجرافات"، مضيفا بسخرية "كل الاحترام للجيش الإسرائيلي" بسبب هدم مبنى قديم في إحدى القرى.

جريمة حرب أخرى تحت غطاء فيلم إسرائيلي

يتبين أن احتلال الجولان لم يوثق بالصورة أيضا، خلافا لاحتلال باقي الأراضي العربية في هذه الحرب. وقررت دائرة الأفلام في مركز الإعلام الحكومي الإسرائيلي إنتاج فيلم "الأيام الستة" عن الحرب، في العام 1968، يتم من خلاله استعادة تفاصيل الحرب، لكنها ستكون تفاصيل لمصلحة رواية الاحتلال، والأنكى من ذلك أن هذا الفيلم تضمن مشاهد حرب مفتعلة.

وتحدث مخرج الفيلم، ألفرد شتاينهاردت، في مقابلة أجريت معه عام 2007، عن المساعدة الكبيرة التي قدمها الجيش الإسرائيلي للفيلم، وقال إنه "بدأنا بافتعال الأحداث. لقد جمدوا الجيش كله. وفي جميع المواقع، حضر القائد العسكري وشرح لي ما حدث. وكنا نضع علامات كي لا يدوس الجنود بالخطأ على الألعاب النارية والمتفجرات. لقد كلف هذا الأمر مالا كثيرا. وكان هذا إعادة تمثيل شامل للحرب كلها".

غير أن راز سلط الضوء على ما حدث من وراء كواليس تصوير الفيلم من مصادر أجنبية، وخاصة بالاعتماد على وثائق في أرشيف منظمة الصليب الأحمر في جنيف والتي تكشف صورة واسعة، بينما الأرشيفات الإسرائيلية لا توفر توثيقا لما حدث خلال فترة تصوير الفيلم.

فقد أرسلت بعثة الصليب الأحمر في القنيطرة بعد الحرب، تقارير إلى مقر المنظمة حول ما يحدث في الجولان. وكشفت هذه التقارير عن وضع السكان السوريين الصعب تحت الاحتلال الإسرائيلي. وتحدثت هذه التقارير عن أعمال نهب انتشرت في القرى، وعن "النتائج المدمرة لإعادة تمثيل المعارك في الفيلم. فقد جرى التصوير بعد شهر واحد من انتهاء الحرب، من دون أن تبلّغ أية جهة إسرائيلية سكان المنطقة بأن عمليات القصف ليست حقيقية".

وكتب مندوب للصليب الأحمر في تقرير لإدارة المنظمة، في 13 تموز/يوليو 1967، أنه "شاركنا، سواء أحببنا ذلك أو لا، في إعادة تمثيل مثير للإعجاب وذي مصداقية عالية لسيطرة القوات الإسرائيلية على القنيطرة. وكانت إعادة تمثيل الأحداث أمام البيت الذي نسكن فيه، وتكسرت الكثير من نوافذه. الهدف: فيلم".

"سكون الموت يسود القرية".

غير أن النتائج كانت أشد وقعا على السكان السوريين الذين بقوا تحت الاحتلال. فقد نزح 300 شخص من قرية المنصورة وحدها من جراء "إعادة تمثيل" القصف. وسأل مختار القنيطرة ممثلي الصليب الأحمر "لماذا لم يبلغ الإسرائيليون السكان بأن الحديث عن إعادة تمثيل في فيلم فقط؟".

وجاء في تقرير أرسلته بعثة الصليب الأحمر في القنيطرة، من يوم 17 تموز/يوليو، أن "هؤلاء السكان هربوا في أعقاب إعادة التمثيل، الذي كان واقعيا جدا وشاهدناه بأم عيننا، للسيطرة الإسرائيلية على القنيطرة قبل ثلاثة أيام. وقد أخافهم ضجيج المعارك إلى درجة أنهم فضلوا الفرار سرا. وفي الغداة، بعد مغادرتهم، تأكدنا من هذا الفرار. فقد بقي ستة أشخاص". وأقر بذلك الإحصاء السكاني الذي أجراء الحكم العسكري الإسرائيلي في الجولان، في 10 آب/أغسطس، أي بعد شهر من النزوح، بأن ستة أشخاص فقط بقوا في المنصورة.

ووصف ممثلو الصليب الأحمر، بعد جولتهم في قرية المنصورة، في 18 تموز/آب، إعادة تمثيل القصف بأنه غير محتمل، وأن "سكون الموت يسود القرية". وأضافوا أن مندوب الجيش الإسرائيلي الذي رافق البعثة حاول "أن يجعلنا نصدق أن السكان غادروا من أجل البحث عن أقاربهم في سورية وإعادتهم"، وأنهم ردوا عليه بأن أقواله هي "أسطورة"، وكان رد فعل الإسرائيلي أن "ابتسم وعبر عن موافقته". وأكد راز على أن "مئات السكان الذين هربوا في أعقاب التصوير لم يعودوا إلى بيوتهم أبدا".

إقامة مستوطنة على أنقاض قرية المنصورة،

وكتب راز أن "إسرائيل عملت، خلال أشهر الاحتلال الأولى، على إفراغ هضبة الجولان من سكانها العرب، وخاصة السنّة. وتقرر إبقاء السكان الدروز في الهضبة، وكان وضعهم أفضل. وحُكم على قرى أخرى بالطرد".

وقال تقرير لبعثة الصليب الأحمر بعد جولة في قرية فرج، في 19 تموز/يوليو، إن القرية مهجورة ولم يبق أي ذكر لستين شخصا كانوا يسكنون فيها. وأضاف راز أن "الجيش الإسرائيلي حاول وضع مصاعب أمام بعثة الصليب الأحمر ومنعها من الوصول إلى المكان. وعندما وصل أحد أفراد البعثة إلى القرية أخيرا، وصف قرية جرت مغادرتها بتسرع، وقسم من بيوتها تعرض للنهب والتدمير. وأضاف أن بيوتا أخرى أحرقت مع محتوياتها".

وتبين لبعثة الصليب الأحمر أن إسرائيل نفذت عملية تهجير أخرة من الجولان بعد الحرب وتحت غطاء تصوير الفيلم. وكتب راز أن "البعثة توصلت إلى استنتاج نهائي بأن الجيش الإسرائيلي نفذ في هضبة الجولان طردا منهجيا للسكان، وأنه تم نقل معظم الذين بقوا بعد الحرب من مكان سكناهم".

وقال تقرير للصليب الأحمر حول طرد السكان بعد الحرب، إن إسرائيل أبلغت، في 11 حزيران/يونيو 1967، بوجود 1000 من السكان غير الدروز في الجولان. وبعد شهر، أبلغت إسرائيل المنظمة بوجود 600 شخص، وبعد شهر آخر قالت إن عدد السكان غير الدروز في الجولان هو 300 شخص فقط.

وتابع راز أن فحصا دقيقا أجرته بعثتا الصليب الأحمر في إسرائيل وسورية أظهر أن "غالبية اللاجئين طُردوا، إن كان ذلك بشكل عنيف أثناء وصول القوات المسلحة (الإسرائيلية)، أو بواسطة ممارسة ضغوط على السكان كي يغادروا في مرحلة لاحقة".

واستمر الصليب الأحمر بمطالبة إسرائيل بالتوقف عن طرد سكان الجولان. وكتب سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، ميخائيل كوماي، في تموز/يوليو 1968 وكان قد أنهى للتوّ ولايته كسفير، أنه "بقيت الحقيقة أن طرد عرب القنيطرة، المتواصل منذ عدة أشهر، تضعنا كل مرة مجددا أمام ادعاءات واستيضاحات الصليب الأحمر. ويبدو لنا أنه في حال لا يوجد مفر، فإنه من الأفضل أن نرحّل هذه المشكلة (أي الجولانيين إلى سورية) دفعة واحدة وبأفضل صورة إنسانية".