ترامب وحل الدولتين: تفجر سجالا داخل اليمين الإسرائيلي

ترامب وحل الدولتين: تفجر سجالا داخل اليمين الإسرائيلي
ترامب ونتنياهو أثناء لقائهما، أمس (أ.ب.)

أربك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الإسرائيليين من اليمين واليسار، بتصريحاته المتناقضة التي أطلقها أمس، الأربعاء، خلال لقائه مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والليلة الماضية أمام الصحافيين. ففي تصريحاته الأولى، قال إنه أحب حل الدولتين وإنه الحل الأفضل، ما دفع نتنياهو إلى التصريح بإمكانية وجود كيان فلسطيني، من دون أن يذكر كلمة "دولة"، يخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة. وفي تصريحاته التالية، قال ترامب إن الحل يمكن أن يكون من خلال الدولة الواحدة، إذا أراد الجانبان ذلك. وخلال ذلك أعلن ترامب أن خطته لـ"سلام" إسرائيلي – فلسطيني، المعروفة باسم "صفقة القرن" ستعلن بعد شهرين أو ثلاثة.

في أعقاب تصريحات ترامب الأولى، عبّر رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، عن معارضته الشديدة لحل الدولتين، وأعلن أنه طالما هو شريك في حكومة نتنياهو، لن تقوم دولة فلسطينية. ربما إعلان بينيت هذا جعل ترامب يدلي بتصريحه التالي، الليلة الماضية، بعد نصائح قدمها له مستشاروه المقربون، وهم مقربون من اليمين المتطرف والمستوطنين أكثر من قربهم من نتنياهو. وبذلك فُتح السجال داخل اليمين الإسرائيلي حول "صفقة القرن" وما قد تتضمنه من أفكار للحل.

وأشار مراسل صحيفة "يسرائيل هيوم"، أريئيل كهانا، اليوم الخميس، إلى أن ترامب ذكر "العنصر الإشكالي الذي يسمى ’دولة فلسطينية". وأضاف أن التواريخ والكلمات ليست مقدسة لدى ترامب، في سياق "صفقة القرن" وليس مؤكدا أنها ستطرح في الفترة التي ذكرها. ويشار إلى أن هذه الصحيفة هي بوق نتنياهو، وأيضا بوق اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل. ومالك هذه الصحيفة هو الثري الأميركي اليهودي شيلدون أليسون، الذي يرعى بينيت حاليا بشكل أكبر من نتنياهو.

وبحسب كهانا، فإن توقيت طرح "صفقة القرن" ليس مهما، وإنما جوهر هذه الخطة. "وبكل ما يتعلق بالجوهر، بالإمكان أن نكون واثقين ومتأكدين من أن مضامين الخطة التي بلورها (مستشارو ترامب) كوشنير وغرينبلات، فريدمان وبنس، بولتون وبومبيو، ستكون الأكثر راحة لإسرائيل". وأضاف أنه "منذ أن أقيمت دولة إسرائيل لم تكن حول رئيس الولايات المتحدة دائرة ملتزمة بهذه الدرجة تجاه الدولة اليهودية، ومحبة ومؤيدة بهذا الشكل"، وأنه "لن يجلس في البيت الأبيض رئيس يكون دعمه لإسرائيل صلبا إلى هذا الحد".

وتابع كهانا أن "وضعا كهذا يلزم إسرائيل بالرد بـ’نعم’ بصورة أوتوماتيكية على أي شيء يطرح ترامب. ليس بسبب الخوف من ترامب ينبغي تبني خطته. ولا لأن الأفكار التي سيطرحها ستكون الأفضل بالضرورة. (بل لأن) ما سيقدمه ترامب ينبغي أخذه لأنه لن يكون هناك رئيس ودائرة مستشارين داعمة أكثر لإسرائيل. وببساطة، لا يوجد في المؤسسة السياسية الأميركية شيء إلى يمين هذه المجموعة المميزة". وحذر من أن ولاية ترامب ستنتهي بعد سنتين "ولا يمكن معرفة ما إذا كان سيحظى بولاية أخرى. وبعده، حتى تحت إدارة جمهورية، يمكن أن يكون الوضع أسوأ" بالنسبة لإسرائيل.

اليمين الإسرائيلي يرفض حل الدولتين

شارك في هذا النقاش الكاتب اليميني المتطرف في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، شلومو بيوتركوفسكي، الذي اختار أن يهاجم "اليسار" الإسرائيلي، أي الذين يعلنون عن تأييدهم لحل الدولتين. واعتبر أن تصريح ترامب حول هذا الحل أعاد الدم إلى وجوههم، وأنه "تم تضخيم الحدث على خلفية الإحباط العميق في اليسار من الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب ترفض القيام بدورها التقليدي كرافعة ضغط على إسرائيل كي تقدم تنازلات سياسية، وتصر على ممارسة رافعات ضغط بحوزتها على الجانب الفلسطين، وبضمن ذلك تجميد الميزانيات للسلطة الفلسطينية وهيئات مثل أونروا".

نتنياهو ومستشارو ترامب (السفارة الأميركية بتل أبيب)

وتابع بيوتركوفسكي أن تصريح ترامب هو "مصدر إحباط ليس صغيرا بالنسبة لليمين، الذي أمل بأن ولاية ترامب ستؤدي إلى اختراق الدائرة الحمقاء للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني". وأوضح أن "النظرية الأساسية لليمين الأيديولوجي الإسرائيلي اليوم هي أن عبارة ’حل الدولتين’ هي سفسطة: فكرة تقسيم قطعة الأرض الصغيرة بين البحر والنهر إلى دولتين ببساطة لن تنجح. الدولتان ليست حلا، إنها مشكلة. والإصرار على الذهاب في طريق حل الدولتين، التي ميزت كافة الاتصالات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين في الجيل الأخير، هي السبب الأساسي أن الصراع ما زال بعيدا عن الحل. ومن أجل محاولة إعطاء احتمال ما لإخراج العربة السياسية من الوحل يجب أن يكون بداية بالاعتراف أنه ستكون دولة واحدة فقط غربي النهر، هي إسرائيل. ومن هذه النقطة بالإمكان البحث في إمكانية خلاقة أكثر أو أقل من أجل إنشاء حل سياسية للورطة الموجودة. لأن الحلول التقليدية التي تمت تجربتها حتى اليوم فشلت جميعها".

واعتبر بيوتركوفسكي أن حكومة نتنياهو لم تستغل الصدع الذي أحدثته إدارة ترامب في ما يتعلق برفض "حلول تقليدية". "رغم أن هذا الصدع كان مكشوفا لصناع السياسة في إسرائيل وفي مقدمتهم رئيس الحكومة، إلا أنهم لم يفعلوا من أجل طرح أمام العالم، وخاصة أمام الأميركيين، خيارا بديلا لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وواصلت القيادة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو العمل مثلما عملت في الماضي... إنه إهدار فرصة تاريخية يحدث أمام أعيننا، لكن طالما أن رئيس الحكومة لا يفعل ما هو مطلوب منه، فإنه لن يكون بالإمكان منع إهدار الفرصة. وواصل نتنياهو أمس أيضا التحدث عن الدولتين وعدم التنكر لخطاب بار إيلان، ولذلك ينبغي أن يكون المرء ساذجا كي يعتقد أن ترامب هو الذي سيحقق الأمر".

"معضلة اليسار"

بحسب رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، فإن "معضلة اليسار" في إسرائيل هي "هل نصدق زعيم اليمين الإسرائيلي عندما يتحدث عن خطوات نحو سلام، رغم الأضرار التي تسبب بها في الحلبة الداخلية، وفي حالة بنيامين نتنياهو وأريل شارون، رغم الفساد والتحقيقات؟ وفي صلب المعضلة هناك الاعتراف بأنه أسهل على رئيس حكومة من اليمين أن يخلي مناطق ومستوطنات، لأنه ستعارضه حركة الاستيطان فقط. بينما رؤساء حكومات من اليسار يقفون أمام معارضة أوسع بكثير، تشمل حزب الليكود وأحزاب اليمين والحريديين".

وهذا الادعاء غير صحيح، لأن رؤساء حكومات من "اليسار"، مثل يتسحاق رابين وشمعون بيرس وايهود باراك، رفضوا التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين واتسعت المستوطنات وازداد عدد المستوطنين أثناء ولاياتهم.

لكن بن لفت إلى أمر آخر يمكن أن يجعل نتنياهو يتحدث عن "سلام" بمنظوره هو طبعا، واعتبر أن "هذه المعضلة ستنشأ مجددا، إذا استمر في الخط الذي طرحه أمس في نهاية لقائه مع ترامب، الذي عبر عن دعم واضح لحل الدولتين. ولا شك نتنياهو يمسك بالصلاحيات العليا في إسرائيل في مجالي الخارجية والأمن، والأغلبية الساحقة من الجمهور ستدعم أية صفقة يحققها مع الفلسطينيين. ولا شك أيضا أن نتنياهو لا يستطيع معارضة خطة ترامب للسلام مثلما أحبط مبادرة سلفه باراك أوباما. لكن حتى اليوم، فضّل نتنياهو في لحظات الامتحان جمهور ناخبيه اليميني والديني وارتدع من عملية سلام جوهرية".

وأشار بن إلى ملفات الفساد التي يواجهها نتنياهو، وبحسبه فإن "اليساري" الإسرائيلي سيسأل نفسه في حال تقدم نتنياهو نحو تسوية: "ما هو الأهم، احتمال حل الصراع مع الفلسطينيين، أو جعله أكثر اعتدالا، أم التغطية التغطية الإعلامية الداعمة لنتنياهو في موقع ’واللا’ الالكتروني حول انتخابات العام 2015؟ تطبيق رؤيا حل الدولتين، أم الشمبانيا والسيحار؟ إنها أو تقليص الاحتلال، أم وجبات الطباخ المرموق التي طلبها مقر إقامته الرسمي؟ والإجابة واضحة بأن اليساري سيفضل الحل السياسي".

ورأى بن أن "اقوال نتنياهو أمس أبقت حياراته مفتوحة. وقد عاد واقترب من خطاب بار إيلان... وهو يحترس من قول الكلمتين الواضحتين ’دولة فلسطينية’ التي يمكن أن تفكك ائتلافه مع بينيت قبل الأوان. وسيحاول الآن تليين الغمز واللمز يسارا بإطلاق وعود لليمين مثل ’أن نمنع دخول ملايين اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية’، ’المستوطنات لن تقتلع’ وما شابه".

واستبعد بن أن يوافق الفلسطينيون على تسوية يمكن أن يطرحها نتنياهو، وذلك بعد أن رفضوا طروحات باراك وايهود أولمرت. "لكن نتنياهو قد يصل إلى طاولة المفاوضات ومن خلفه ترامب حاملا عصا كبير تهدد الفلسطينيين بأنه إذا استمريتم بعنادكم، ستتوقون إلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس وتقليص ميزانية ميزانية أونروا، لأن المراحل التالية في تحطيم الحركة الوطنية الفلسطينية ستؤلمكم أكثر. وستمثل المعضلة مجددا أمام اليساري الإسرائيلي، إذا كان سيؤيد خطة ترامب – نتنياهو، رغم محدوديتها، أم دعم المعارضة الفلسطينية، باسم العدالة التاريخية وتوقع انهيار اتفاق غير متوازن واندلاع موجة عنف جديدة. وهذا تردد أصعب بكثير من التعامل مع ملفات الفساد 1000، 2000 و4000" المفتوحة ضد نتنياهو.