سين جيم: طلعت ريحتكم... حراك وأكثر؟

سين جيم: طلعت ريحتكم... حراك وأكثر؟
الشرطة ترش المياه العادمة على المتظاهرين (أ.ف.ب)

لا أذكر شاعرًا عربيًا لم يزر بيروت في حياته، ولا أذكر مغنيًا من بلاد الشام لم يتغن بها، حتى حين كانت خاوية على عروشها، إبان الحرب الأهلية، من 'بيروت ست الدني' لماجدة الرومي، مرورًا بـ'لبيروت من قلبي سلام' لفيروز وليس انتهاء بنزار قباني وعلاقته الغريبة ببيروت.

ولبنان بلد الطوائف، البلد المعلق، الذي لا انتخابات نيابية فيه منذ العام 2009، ولا رئيس للجمهورية منذ عام ونيف، ولا مجلس نواب منتخب حديثا، بل ممدد له، يقف الآن بلا مكبات قمامة، حيث تملأ جنبات العاصمة العربية المطلة على البحر الأبيض أكياس النفايات وروائحها التي تزكم الأنوف، وتحجب البحر والجمال عن عيون الناظرين.

كيف بدأت الأزمة في بيروت؟

بدأت الأزمة في التاسع عشر من تموز/يوليو الماضي، حين توقفت شركة سوكلين، المكلفة بجمع قمامة العاصمة، عن جمع النفايات من بيروت وضاحيتيها، بسبب إغلاق مكب الناعمة، لأسباب بيئية وصحية، حيث لم يعد يحتمل المكب المزيد من النفايات، علمًا أن عمره الافتراضي تجاوز المدة المحددة بأعوام عدة.

الشركة تتذرع بأن لا مكبات جديدة تلقي فيها النفايات، لذلك فإن عقدها قد انتهى، وقد أخطرت الحكومة اللبنانية بذلك، قبل أشهر عدة، وبالفعل، تم ترحيل المناقشة من جلسة إلى أخرى، بسبب الخلافات السياسية بين أعضاء حكومة الوفاق الوطني، برئاسة تمام سلام.

ما هي المخاطر الصحية للنفايات؟

يؤدي تكدس أكوام النفايات، سواءً المنزلية أو الطبية أو الصناعية، دون التخلص منها، أو على الأقل دون معالجة بيئية مناسبة، إلى تكوّن بيئة خصبة جدًا للبكتيريا والفيروسات ناهيكم عن القوارض، ما يعني انتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة، خصوصًا  بسبب قرب النفايات من البيوت، ما يعني قربها المباشر من الدورة الغذائية للإنسان، كآبار المياه والأشجار والمحال التجارية، ما يستدعي عزلًا مباشرًا للبكتيريا عن الحياة اليومية.

ما هي طرق التخلص من النفايات؟

هنالك عادةً عدة طرق للتخلص من النفايات، أبرزها الطمر والحرق؛ لطريقة الحرق مخاطر عدة، أبرزها تلوث الهواء نتيجةً لحرق كميات وفيرة من أكياس البلاستيك، وخامات عديدة، ما يعني انتشار السموم والروائح الكريهة على نطاق واسع في المنطقة المحيطة بـ'المزابل' أو أماكن معالجة النفايات.

أما الطمر، فيعني دفن المواد العضوية وغيرها من النفايات، داخل مقابر خاصة، صحيح أن المواد العضوية ستتحول لسماد نباتي طبيعي مفيد للتربة، لكن كمية النفايات الموجودة قد تعني تسربًا للسوائل السامة، الناتجة عن تفاعلات كيميائية بين المواد العضوية، حيث لا يتم فصلها بشكل جيد. والتسرب نتيجة الطمر قد يشكل مأساة بيئية تصل حد الكارثة إذا ما وصلت تلك السوائل إلى المياه الجوفية داخل الأرض، خصوصا إن كانت المطامر في الأراضي السهلية، حيث تكون المياه الجوفية متواجدة على بعد قريب جدًا من السطح.

ينضاف إلى ذلك، انبعاث متواصل لروائح نتنة في أماكن دفن النفايات، إذ يتم استغلال المطامر لفترات طويلة جدًا.

 ما هي المطالب؟

خلال الشهرين، منذ بدأ الحراك الشبابي، حتى اليوم، حصل تصاعد كبير جدًا في المطالب، وارتفاع في سقف المطالبات، التي بدأت قبل شهرين، بإيجاد مطامر بديلة، إلى إصلاح المرافق الحيوية في البلاد، كالكهرباء التي ما زال الغالب الأعم من اللبنانيين يعاني انقطاعَها لمدد تزيد عن خمس ساعات يوميًا، إلى إصلاح النظام السياسي في البلاد، وصولًا، حتى أمس الأول، بعد إطلاق أول رصاصة باتجاه المتظاهرين إلى المطالبة بإسقاط النظام الطائفي في لبنان، ومحاكمة وزيري الداخلية والصحة.

إذًا تجاوز الأمر النفايات والمطامر، إلى مطالبات، يراها كثيرون عادلة، ليس أقلها حق اللبنانيين في التظاهر والانتخاب والعيش بكرامة تحت ظل دولة توفر لهم الحماية والمتطلبات الأساسية.

ما هو وضع الحكومة اللبنانية؟

تتكون الحكومة اللبنانية من 24 وزيرًا من ضمنهم رئيس الحكومة، وفق صيغة 8-8-8، أي ثمانية وزراء لكتلة 14 آذار المحسوبة على سعد الحريري، وثمانية وزراء لكتلة 8 آذار المحسوبة على حزب الله اللبناني، و8 وزراء مستقلين محسوبين على رئيس الحكومة المستقل، تمام سلام.

ووفقًا للنظام الداخلي لمجلس الوزراء، فإن أي قرار يجب أن يحظى بأغلبية تفوق أغلبية الثلثين من أعضاء المجلس، ما يعني استحالة اتخاذ أي قرار دون إجماع وطني، ما جعل مجلس الوزراء اللبناني ضعيفًا يخضع لتسويات خارجية ولا يقر هو تسوياته، في ظل غياب رئيس الجمهورية، وفعلًا، ظلت معادلة سين-سين (سوريا، السعودية) تشكل هاجسًا لأغلب اللبنانيين من سياسيين ومواطنين، إذ أن كل شيء في البلاد يخضع لهذه المعادلة في ظل انعدام التوافق بين البلدين.

والسؤال الأهم اليوم، هل ستتصاعد الاحتجاجات لتصبح ربيعًا لبنانيًا حاول لبنان تجنبه بسياسة النأي عن النفس التي اتبعها طوال خمسة أعوام هي عمر الثورة في سوريا، تطال السياسيين والنظام الطائفي، أم أن كل ما يحدث هو تحت مظلة اتفاق الطائف وزعماء الطوائف؟