حسن الترابي: رجل الخلاف والاختلاف

حسن الترابي: رجل الخلاف والاختلاف

غيّب الموت، مساء السبت، المفكر الإسلامي والسياسي المخضرم حسن الترابي، عن عمر يناهز 83 عامًا، بعد 5 عقود أمضاها في زعامة الحركة الإسلامية، وصدارة المشهد السياسيّ السودانيّ.

وبدأت مسيرة الترابي السياسيّة، عندما التحق بجماعة الإخوان المسلمين، أثناء دراسته في كليّة الحقوق بجامعة الخرطوم، في خمسينات القرن المنصرم.

آنذاك، كانت عضوية جماعة الإخوان، التي كانت تمثل امتدادًا للجماعة الأم في مصر، تقتصر على طلاب جامعة الخرطوم، لكنه بعد أقل من عقدين، حوّلها لواحدة من القوى الرئيسية في السودان.

وعندما تخرج من كلية الحقوق، واصل دارسته العليا، في جامعة أكسفورد البريطانية، وحاز على درجة الماجستير منها عام 1957، قبل أن ينال درجة الدكتوارة في القانون الدستوري، من جامعة السوربون الفرنسية عام 1964.

تصدّر المشهد الطلابّي

وبعد عودته من فرنسا، عمل المفكر السوداني أستاذًا للقانون في جامعة الخرطوم، وسرعان ما لمع نجمه بلعبه دورًا محوريًا، في تعبئة طلاب الجامعة للإطاحة بالحاكم العسكري وقتها، إبراهيم عبّود.

كان الترابي في صدارة الثورة الشعبية التي أطاحت بالحكم العسكري في أكتوبر/ تشرين أول عام 1964، إلى جانب قوى سياسية أخرى، وهو ما سهل لاحقا انتخابه زعيما لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان.

وبفعل الكاريزما التي اكتسبها الرجل من ثورة أكتوبر/ تشرين الأول، استطاع أن ينظم جماعته لخوض الانتخابات، والفوز بثلاث مقاعد برلمانية، ورغم قلّتها إلا أنها كانت مؤشرًا للشعبية، التي سيكتسبها التنظيم لاحقا.

لكن طموحات الرجل السياسية تسببت في خلافات بينه وبين قادة آخرين، في التنظيم الإسلامي، خصوصًا عندما عمد إلى تبني منهج استقلالي عن الجماعة الأم في مصر.

فتاوى جداليّة

ونجح الترابي في تسويق فكرته لدى القطاع الأوسع من الجماعة، ولم يعد مرتبطا تنظيميا بالجماعة الأم في مصر، لكنه احتفظ بعلاقات جيدة معها.

ولم تكن تحفظات الترابي على الجماعة الأم تنظيمية فقط، بل فكرية أيضا عندما طرح آراء مغايرة، لا سيما قضايا المرأة والحكم والأقليات، ومنها فتواه بجواز إمامة المرأة للرجل في الصلاة وزواج المسلمة من غير المسلم نصرانيًا كان أو يهوديًا، وإنكاره وجود نصوص من القرآن والسنة تمنع ذلك، وكانت هذه الفتاوى وغيرها سببًا في التهجم عليه ووصفه بـ 'الزنديق والمرتدّ'.

بين الدين والانقلابات والثورات

واستفاد السياسي السوداني البارز، من الحقبة الديمقراطية التي تلت اسقاط نظام عبود، لبناء تنظيمه، لكن ذلك لم يدم طويلا حيث نفّذ الشيوعيون (الخصم التقليدي للإسلاميين)، انقلابًا عسكريًا عبر عناصرهم بالجيش في 1969.

بعدها، تحالف الإسلاميون مع أكبر حزبين في البلاد، هما 'حزب الأمة القومي' و'الحزب الاتحادي الديمقراطي'، لمواجهة الحكومة العسكرية الجديدة.

وفي تلك الأعوام اعتقل الترابيّ، أكثر من مرة لأسباب تتصل بالأساس بـ'تحريض الطلاب على تنفيذ احتجاجات متقطعة ضد الحكومة'، علاوة على 'تخطيط التحالف المعارض الذي كان يقيم أغلب قادته بالخارج لعمل عسكري لإطاحة الحكومة'.

وفي العام 1976، فشلت قوات مسلحة تابعة للمعارضة في الإطاحة بالحاكم العسكري، جعفر نميري، بعد دخولها الخرطوم عبر الصحراء من ليبيا، حيث كانت مدعومة من الزعيم الليبي السابق، معمر القذافي.

من المعارضة للحكم فالمعارضة فالحكم

ومثلت هزيمة قوات المعارضة، ومقتل عدد كبير من عناصرها انتكاسة في مسيرة التحالف، ودفعت حزب الأمة، وجماعة الإخوان المسلمين، إلى إبرام اتفاق مصالحة مع الحكومة في 1977، رفضها الحزب الاتحادي.

وبناء على اتفاق المصالحة، حلَّ الترابيّ جماعته، وانضم لتنظيم الاتحاد الاشتراكي، الحاكم آنذاك، من الناحية النظريّة، لكنّه، عمليًا، سعى لبناء تنظيمه سريًا، وبناء مؤسسات اقتصادية جعلته لاحقا من أثرى التنظيمات السودانية.

وبسبب النشاط السري للجماعة، تفجّرت الخلافات مجددا بين الترابي وحكومة جعفر نميري، وأودع السجن مجددا عام 1984.

مرة أخرى، عاد الإسلاميون لتنظيم الاحتجاجات مع قوى سياسية أخرى، توجت في العام 1985 بـ'انتفاضة شعبية'، أطاحت بالحاكم العسكري، وخرج على إثرها الترابي من السجن مع عشرات المعتقلين السياسيين.

وفي الانتخابات التي تلت الانتفاضة، نجح الإسلاميون في الحصول على ثالث أكبر كتلة برلمانية، ودخلوا بموجبها في حكومة ائتلافية مع حزب الأمة، الذي حصل على الكتلة الأكبر من المقاعد.

لاحقا، نشبت خلافات بين حزب الأمّة، وتنظيم الإسلاميين، الذي انسحب من الحكومة قبل أن ينفذ انقلابًا عسكريًا عبر عناصر يتبعون له في الجيش، وعلى رأسهم الرئيس الحالي، عمر البشير في العام 1989.

ورغم تولي البشير رئاسة الجمهورية، إلا أن الرأي العام كان ينظر للترابي بوصفه الحاكم الفعلي للبلاد، وكان هذا مع أسباب أخرى فجّرت خلافات بين الرجلين، حول النفوذ انتهت إلى عزل الترابي، من كل مناصبه في العام 1999.

بعدها، أسس الترابي حزب المؤتمر الشعبي، الذي خاض معارضة شرسة ضد البشير.

وعلى مدار السنوات الـ 15 الماضية، اعتقل جهاز الأمن السوداني الترابي أكثر من مرة ولعدة أشهر، تحت دعاوى مختلفة منها 'التخطيط لانقلاب عسكريّ'.

واعتقل السياسي البارز عام 2009، بعد تأييده لاتهامات المحكمة الجنائية الدولية للبشير، بـ'ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وإبادة جماعية'، في إقليم دارفور غربي البلاد، حيث يشهد الإقليم صراعًا مسلحًا بين القوات الحكومية السودانية، وحركات معارضة مسلحة تسعى لإسقاط البشير.

ويقول قادة حكوميون إن 'حركة العدل والمساواة'، أقوى الحركات المسلحة في دارفور، هي الجناح العسكري لحزب الترابيّ، حيث اعتقل جهاز الأمن السوداني الأخير، عقب غزو الحركة للعاصمة السودانية، عام 2008.

تغيّر مفاجئ

لكن في الأشهر الأخيرة، تحسنت علاقة الترابي بالحكومة، عندما قبل دعوة للحوار الوطني طرحها الرئيس البشير وقاطعتها غالبية فصائل المعارضة الرئيسية.

وفي ذلك الوقت، فسّر مراقبون التحول المفاجئ في قرار الترابي بعد خصومته الشرسة مع البشير، بأن 'الرجلين يطمحان إلى توحيد الحركة الإسلامية، التي تنازعا على ورثتها بسبب الهجمة التي يتعرض لها الإسلاميين في المنطقة'.

لكن مسؤولون من الحزبين درجا على نفي ذلك، والتأكيد أن دافعهم إلى الحوار هو المصلحة الوطنية فقط.

وبغض النظر عن دوافع الترابي، يبقى مؤسفا للآلاف من أنصاره أنه رحل قبل انتهاء الحوار الذي طالما قال إنه يمثل له 'تحديا شخصيا لحلحلة الأزمات السودانية'، التي تبدأ بالحروب الأهلية في ثلاث جبهات، ولا تنتهي بالانقسامات السياسية والتردي في الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وما يضاعف الأسف، أيضًا، وسط أنصاره، أن غالبيتهم يجمعون على أنه لا يمكن تعويض من يرونه 'مفكرًا استثنائيًا'.

لم يرَ بأسًا من عراك الدين بالحياة

وعن الشيخ الترابي وحياته، يقول الكاتب السوداني، فوزي بشرى إن 'ميزة الترابي أنه لم ير بأسًا من عراك الدين، أو قل، التديّن، بالحياة ولم يتهيّب كثيرَ الأذى أو قليلَه، المترتب عن نزع ’الإكبار الكهنوتي’ عن ’شيخ الدين’. ذلك عنده ثمن لا بد من دفعه، إذا أردت أن تكون في متن الحياة لا هامشها. (هذا المسعى كان ولا يزال وسيبقى مبذولًا للألسن و الأقلام تتناوله، إمّا حامدةً له، أو منكرةً بغليظ القول. ولأنه كذلك، فسيبقى بابًا في السياسة جديرًا بالبحث والتأمل.

أخشى ما أخشاه أن يفرح خصومه بموته، وأخوف ما أخاف أن تستبد بخصومه نشوة ظفر بغيابه لا يدٌ لهم فيها، فقد ترجل فارس حلبة السياسة السودانية حين جاء أجله الذي لا يتقدم ولا يتأخر، تاركًا وراءه إرثًا وعلما سيكون أطول وأبقى من أعمار شانئيه وأحلاما سيكون لها من علمه مدد، أي مدد.

اقرأ أيضًا | السودان: الآلاف يشيعون حسن الترابي

تقول هل أخطأ؟ ومَنْ مِنَ الناس لم يخطئ؟ فأيكم سينصب له موازين الحساب و ما في صحيفته خطأ أو خطيئة؟ الحمقى وحدهم يفعلون ذلك ومن يصدرون عن نفوس سقيمة شحيحة في انسانيتها'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018