عن دور وسائل الإعلام الإسرائيلية في الترويج للفكر الاقتصادي النيو- ليبرالي../ نبيل أرملي

عن دور وسائل الإعلام الإسرائيلية في الترويج للفكر الاقتصادي النيو- ليبرالي../ نبيل أرملي

يتحدث هذا المقال عن نشوء وتطور الفكر الاقتصادي النيو- ليبرالي في إسرائيل منذ منتصف الثمانينيات وحتى آواخر العقد الأول من الألفية الثانية ويتركز في دور وسائل الإعلام الإسرائيلية على وجه العموم والاقتصادية على وجه الخصوص في الترويج لهذا الفكر وتقديمه ودفعه بصفته النهج الفكري الاقتصادي الحصري و"الموضوعي"الوحيد المطروح.

***

مقدمة

في أحد المؤتمرات الاحتفالية التي عقدتها يومية "دا- ماركر"، وهي الملحق الاقتصادي لصحيفة "هآرتس"، اعترف بنيامين نتنياهو، وزير المالية آنذاك، بأنه متفاجئ من حجم الدعم الذي حصل ويحصل عليه من الملحق الاقتصادي ومن الصحيفة نفسها عندما يتعلق الأمر بالسياسات الاقتصادية التي يعمل على تطبيقها. لا شك أن استغراب وزير المالية، ولاحقا رئيس الحكومة، من هذا الدعم هو أمر مفهوم. فالنسبة لهآرتس المحسوبة على اليسار الصهيوني، يُعتبر نتنياهو وحكومته اليمينية قدرا سيئا لمستقبل إسرائيل، كما تبين مقالات التحرير في أحيان متقاربة،  فيما اعتبر نتنياهو نفسه، في اجتماع مُغلق، أن صحيفة هآرتس واحدة من أعداء إسرائيل إلى جانب الكاتب الصحفي اليهودي- الأمريكي توماس فريدمان، أحد اشد المنتقدين لسياسة نتنياهو.

إن مراجعة موقف الصحيفة المذكورة من السياسات الاقتصادية التي تبناها نتنياهو منذ ولايته الأولى كرئيس حكومة ووزير مالية (1996- 1999)، ثم لاحقا كوزير للمالية في حكومة أريئيل شارون (2003-2005)، تبين بكل وضوح موقف الصحيفة ومحرريها الداعم للسياسات الاقتصادية التي سعى نتنياهو إلى تطبيقها وترسيخها، سياسة اقتصادية نيو- ليبرالية متشددة. موقف "دا ماركر" لم يختلف عن موقف بقية وسائل الإعلام الرئيسية في إسرائيل، وخاصة وسائل الإعلام الاقتصادية التي تعاملت مع الفكر الاقتصادي الذي حمله نتنياهو على أنه الفكر الاقتصادي الوحيد الكفيل بضمان المتانة الاقتصادية والمالية لإسرائيل.
إن الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الإسرائيلية، عن قصد أو عن غير قصد، في الترويج للفكر الاقتصادي النيو- ليبرالي كان له شديد الأثر على ترسيخ هذا الفكر وترجمته إلى أفعال وإلى برامج تنفيذيه أثرت وتؤثر على سكان الدولة بشكل يومي وملموس.

إسرائيل تتحول

قبل أن نخوض في دور وسائل الإعلام في ترسيخ السياسة الاقتصادية النيو-ليبرالية لا بد من تقديم نبذة حول تطور الفكر الاقتصادي النيو- ليبرالي في إسرائيل. يشير علماء الاقتصاد إلى منتصف عقد الثمانينات من القرن الماضي على أنه بداية التحول الرسمي في السياسية الاقتصادية في إسرائيل. ويتم التعامل مع برنامج "التثبيت الاقتصادي" الذي انطلق سنة 1985 على أنه نقطة التحول من اقتصاد إسرائيلي ذي مميزات اشتراكية، إلى اقتصاد ذي مميزات ليبرالية رأسمالية. الأهداف المُباشرة لبرنامج التثبيت الاقتصادي كانت ثلاثة؛ تخفيض نسبة التضخم المالي (وقد وصلت في مطلع ذلك العام الى 400%)، موازنة ميزان المدفوعات وتثبيت الاقتصاد والعودة إلى مسار النمو. وعلى الرغم من ادعاء بعض علماء الاجتماع بأن السياسية الاقتصادية النيو- ليبرالية تغلغلت إلى دوائر صنع القرار قبل ذلك بكثير، إلا أن هناك إجماعا على أن سنة 1985 هي سنة التحول. برنامج الإصلاح الاقتصادي أعاد تعريف العلاقات بين المجموعات المُختلفة في المجتمع الإسرائيلي، وقد أدى إلى تعزيز مكانة المجموعات المستفيدة من السياسة النيو- ليبرالية على حساب المجموعات الأخرى.

في إطار السياسة الجديدة أصبح بنك إسرائيل لاعبا مركزيا في الاقتصاد وأصبح لرأي كبار الموظفين فيه أهمية كبرى في بلورة التوجهات الاقتصادية للبلاد. فمثلا، أصر المخططون الاقتصاديون في بنك إسرائيل أن على الدولة أن تتبنى سياسة "جهة العرض" (Supply Side) أي السياسة التي تشجع النمو الاقتصادي من خلال رفع وتشجيع الإنتاجية في السوق بواسطة رفع الحواجز والمعوقات لزيادة إنتاج البضائع والخدمات، ومن خلال تخفيض نسب الضرائب والاستثمار في البنى التحتية وضبط تكاليف الإنتاج وعلى رأسها الأجور وتشجيع خصخصة المرافق الصناعية التجارية الحكومية وما شابه من خطوات.

عمليا نجح واضعو السياسات في بنك إسرائيل وفي وزارة المالية في نقل إسرائيل إلى عهد الاقتصاد النيو-ليبرالي من خلال إحداث التغييرات البنيوية في السياسات النقدية والمالية وفي القطاعات المصرفية والمالية، وفي سياسات الدعم الاجتماعي. الباحث داني فيلك أورد في مقال نُشر في كتاب "سلطة رأس المال" الصادر عام 2004 التحولات الرئيسية التي طرأت على السياسة الاقتصادية في إسرائيل وقد فصل هذ التغييرات على النحو التالي:

• التحول إلى سياسة نقدية ومالية متشددة تتعامل مع المحافظة على مستوى تضخم منخفض كأمر لا يقبل المساومة، وتمنح البنك المركزي الإسرائيلي مساحة واسعة من الاستقلالية والمحافظة على نسب فائدة عالية نسبيا في القطاع المصرفي، تضبط نسبة العجر في الميزانية بما لا يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي.


• لبرلة القطاع المصرفي والمالي من خلال تقليل تدخل السلطة المركزية في أسواق المال. وفي هذا السياق تراجع كثيرا دور الحكومة في عملية منح الائتمانات والاعتمادات البنكية للمرافق الاقتصادية المُختلفة، إذ كان لوزارة المالية ولوزارة الصناعة والتجارة دور كبير في تحديد مبالغ القروض ونسبة الفائدة المقدمة للمصانع والشركات، وفي كثير من الأحيان اقتصر دور البنوك على الوساطة بين الدولة والمستفيد. بالإضافة إلى ذلك سُمح لصناديق المالية المختلفة وعلى رأسها صناديق التوفير التقاعدية، بالاستثمار في سندات الدين وفي أسواق الأسهم بعد أن كان محظورا عليها الاستثمار سوى في سندات الدين الحكومية. بطبيعة الحال أدى هذا إلى تعزيز مكانة سوق المال وإلى زيادة حجم التداول في قطاعاته المختلفة، سواء في سوق الأسهم أو في سوق السندات وغيرها. كما تم أيضا في هذا السياق رفع الرقابة الحكومية عن نشاطات القطاع المصرفي، إذ تم سنة 1980 الغاء الحد الأعلى لنسبة الفائدة على القروض المرتبطة بالدولار، وتم أيضا تخفيف متطلبات نسبة السيولة المفروضة على البنوك ومنح الأخيرة تسهيلات إضافية في مختلف جوانب عملها. وفي نفس سياق الليبرالية الاقتصادية، قامت الحكومة الإسرائيلية في مطلع التسعينيات بتطبيق عملية إصلاح لمسألة تداول العملة الصعبة، إذ سُمح للأجانب بالاستثمار في السندات الحكومية الإسرائيلية، في البورصة وفي صناديق استثمارية محلية، وفي المقابل سُمح للإسرائيليين بشراء الأوراق المالية من الأسواق العالمية وتم إلغاء كافة القيود التي حددت نشاط المواطنين الإسرائيليين بالعملات الأجنبية ورفع أي قيود على دخول الأجانب إلى السوق المحلي. لقد فتحت هذه الإصلاحات باب دخول الشركات والاستثمارات الأجنبية إلى إسرائيل من أوسع أبوابه إذ سرعان ما افتتحت شركات عالمية مثل جونسون وجونسون، نستله، فولسفاغن، يونيليفر وغيرها فروعا لها في البلاد، الأمر الذي رفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة. ويجدر بالذكر في هذا السياق أنه كان لسياسة تشجيع الاستثمارات الأجنبية التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية دور حاسم في تعزيز هذه النزعة، وكان المستفيد الأكبر منها بطبيعة الحال قطاع الصناعات التقنية المتطورة التي استقطبت كبرى الشركات في هذا المجال مثل "إنتل"، "غوغل"، "مايكروسوفت" وغيرها الكثير. وأخيرا تم في إطار لبرلة الاقتصاد الإسرائيلي تحرير التجارة بشكل شبه كامل، إذ فتح باب التصدير والاستيراد ورفعت الحمايات الجمركية عن العديد من الصناعات وعلى رأسها مثلا صناعة النسيج، فارتفع حجم التصدير بنسب كبيرة ودخلت إلى الأسواق الإسرائيلية بضائع مستوردة لم يسبق لها أن وطأت هذه الأسواق من قبل.


• تراجع دور الحكومة في تحديد مستويات الأجور ومنح قوى السوق الدور الأساسي في التأثير على مستويات الأجور في المرافق الاقتصادية المختلفة.


• خفض نسبة الضرائب على الشركات والمُشغلين لتشجيع تطور القطاع الخاص من خلال خفض تكاليف عمل هذا القطاع وجذب الاستثمارات له. فعلى سبيل المثال تم تخفيض نسبة الضرائب على أرباح الشركات من 61% سنة 1986 إلى 36% سنة 1966 ثم إلى 25% سنة 2012. ومن نفس المنطلقات تم أيضا خفض حصة المُشغل في مقتطعات رسوم التأمين الوطني بنسب غير قليلة.


• التغيير الجوهري الأخير الذي يذكره فيلك في مقاله فهو خصخصة الشركات الحكومية والعامة. إذ تم في ظل هذه السياسية تحويل ملكية أكبر الشركات في الاقتصاد الإسرائيلي (بنوك، طيران، اتصالات، صناعة) إلى القطاع الخاص. ونتيجة لعمليات الخصخصة هذه ارتفع دور القطاع الخاص في الناتج المحلي في مطلع الألفية الثانية من 47% إلى 62%، فيما تراجع إسهام القطاع العام والحكومي من 53% إلى 38%.

في نهاية مقالته المطولة حول لبرلة الاقتصاد الإسرائيلي منذ منتصف الثمانيات، لا يُخفي فيلك موقفه السلبي من هذه السياسة ومن تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية المؤلمة "إن تفاقم عدم المساواة والفقر وإقصاء الطبقات المُستضعفة" الذي نتج عن اتباع هذه السياسة في دول أخرى، "ظهر وبكل وضوح في إسرائيل أيضا، لكن بصورة أكثر حدة. فمن بين الدول الغنية تعتبر إسرائيل من الدول المتصدرة فيما يتعلق بنسب الفقر واتساع الفجوات بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا في المجتمع". ويضيف فيلك أن المُستفيدين الأساسيين من التحول إلى سياسة اقتصادية نيو-ليبرالية هم في الأساس طبقة دقيقة جدا تضم أصحاب رأس المال والمدراء التنفيذيين الكبار بعض النُخب المهنية والتكنوقراطية. وجميع هذه النخب تنتمي إلى نفس الدائرة الاجتماعية فغالبيتها المطلقة من الرجال اليهود الأشكناز من سكان مركز البلاد. أما الأكثر تضررا بحسب المقال فهم، بترتيب تنازلي، العمال الفلسطينيون من المناطق المُحتلة، العمال الأجانب، العرب مواطنو إسرائيل واليهود الشرقيون العالقون في مناطق الأطراف والذين لا يستطيعون الخروج من دائرة العمل الرخيص، على فرض أن مكان عملهم لا يزال قائما على الرغم من السياسات الاقتصادية النيو-ليبرالية.

مِن "نحن" إلى "أنا"

أدت التحولات الاقتصادية المذكورة أعلاه إلى حدوث تغيير جوهري في البنى الاجتماعية والاقتصادية في الدولة، تماما كما حصل في دول أخرى عديدة مرت بنفس التحول من اقتصاد شبه اشتراكي- ديمقراطي إلى نظام اقتصادي ليبرالي/ نيو ليبرالي على النمط التاتشري والريغني. حتى منتصف الثمانينات لم يكن للفرد في إسرائيل موقعه المركزي في الاقتصاد. فالإنسان المتوسط كان جزءا من منظومة اجتماعية – اقتصادية حافظت عليه وحمته من المخاطر المُختلفة. ومن أشهر هذه المنظومات طبعا منظومة القطاع العام ومنظومة الاتحادات العمالية القوية. الغالبية العظمى من القوى العاملة في المجتمع الإسرائيلي انتمت إلى واحدة من هاتين المنظومتين. أما الأمر الأساسي الذي وفرته هذه المنظومات للفرد فقد كان الأمان الوظيفي والاقتصادي، إن أثناء مرحلة العمل أو في مرحلة التقاعد. ومن هذا المنطلق كان انشغال الفرد المتوسط بالأمور الاقتصادية محدودا للغاية، إذ لم يكن أصلا بحاجة إلى فهم ما يعمل على تحديده وتطبيقه الآخرون "فوق".

دخول إسرائيل إلى مرحلة الاقتصاد النيو-ليبرالي ابتداء من منتصف الثمانينات، أدى، من بين أمور أخرى عديدة، إلى إضعاف المنظومتين المذكورتين، القطاع العام والاتحادات العماليةـ وإلى خروج الفرد المتوسط من دائرة حمايتها ليُصبح المسؤول الأول عن وضعه الاقتصادي الآن وفي المستقبل. ففي إطار  الخطة الإقتصادية الجديدة قلصت إسرائيل إلى حد بعيد خدمات الرفاه والرعاية الاجتماعية للمواطنين ونقلت هذه المسؤولية إلى الأفراد أنفسهم. وفي سوق العمل على سبيل المثال، تراجعت منذ تلك المرحلة قوة "اتفاقيات العمل الجماعية" التي كفلت شروطا متشابهه لجميع العاملين في قطاع معين، وزاد انتشار "اتفاقيات العمل الشخصية" والتي تحدد، من الناحية المبدئية، شروط عمل كل مُستخدم على حِدة دون علاقة بباقي المستخدمين في نفس القطاع. وفي نفس السياق تم تغيير منظومة الحقوق التعاقدية حيث أدى دخول صناديق التوفيرات التقاعدية إلى الاستثمار في أسواق المال إلى نشوء حالة جديدة لا يعرف فيها العامل العادي ماذا سيكون مصير مدخراته التقاعدية عندما يخرج إلى التقاعد بسبب تقلبات السوق واحتمالات الربح والخسارة. قبل هذا التغيير كان العامل يعرف كم سيكون راتبه التقاعدي حتى وهو في سن الشباب.

وفي نفس السياق أدى تحرير ضوابط العمل في أسواق المال ودخول لاعبين جدد كثر إلى هذه الحلبة وإفساح المجال أمام البنوك التجارية والصناديق الاستثمارية المحلية والأجنبية للعب دور أكبر في أسواق المال، إلى زياده اهتمام هذه المؤسسات بـ"المستثمر الفرد"، فأصبحت تسعى لتطوير "منتجات" استثمارية مختلفة يمكن تسويقها له، كالأسهم وسندات الدين وما شابه وأصبحت تنظر إلى الفرد- العميل بصفته إنسان ذي وعي ومعرفة اقتصادية متطورة تؤهله ليكون مسؤولا عن مصيره ومستقبله الاقتصادي والمالي.

لم يكن لديناميكية التحول الاقتصادي والاجتماعي المذكورة أعلاه أن تتواصل دون وجود وتطور إعلام يواكب ويُغذي هذا التحول ويتفاعل معه. خروج الفرد من "حماية" منظومة القطاع العام ومنظومة الاتحادات العمالية وتحوله إلى المسؤول الأول عن مصيره الاقتصادي والمالي أدى إلى نشوء حالة جديدة احتاج فيها هذا الفرد إلى المعلومات الاقتصادية والمالية لاتخاذ قراراته بشكل صحيح. الإصلاحات التي طالت أسواق المال حولتها إلى حلبة فعالة ومتفاعلة يُشارك في أعمالها اليومية آلاف المواطنين ويتأثر بنتائج تداولات أسواقها عشرات الآلاف وأكثر. بعد وقت قصير أدركت وسائل الإعلام أن الشارع يبحث عن أخبار ومعلومات اقتصادية يومية فبدأت الصحف اليومية الرائدة بتوسيع تغطياتها للأخبار الاقتصادية المحلية والعالمية. وبدأت بتعيين محررين متخصصين في مجال الصحافة الاقتصادية وفي تغطية أخبار البورصة بشكل يومي وأصبح لقصص وشخصيات قطاع الأعمال مساحة متزايدة في وسائل الإعلام، بل وظهرت في منتصف الثمانينات أول صحيفة يومية متخصصة في الإعلام الاقتصادي وهي صحيفة "غلوبس" التي لا تزال تصدر حتى يومنا هذا. وبطبيعة الحال لم يقتصر مد الإعلام الاقتصادي النامي على الصحف والإعلام المطبوع فقط، بل تطور لاحقا ليشمل برامج تلفزيونية وإذاعية متخصصة والعديد من مواقع الإنترنت التابعة لدور إعلام كبيرة أو مستقلة.

ويمكن القول أن الطفرة الكبرى التي شهدتها الصحافة الاقتصادية حدثت في مطلع الألفية الثانية حيث تم تأسيس عدد من وسائل الإعلام الاقتصادية المتخصصة مثل صحيفة وموقع  "دا ماركر"، وصحيفة وموقع "كالكاليست" وغيرها من المواقع المتخصصة التي لم تصمد طويلا. من الذي بادر إذا إلى بلورة وتطوير وسائل الإعلام الاقتصادية، وهل هناك علاقة بين خلفية المؤسسين والمالكين لوسائل الإعلام هذه وبين الخط التحريري التي تبنته منذ البداية؟ 

إن مراجعة خارطة الإعلام الإسرائيلي وتطوره منذ ثلاثة عقود تقريبا وحتى يومنا هذا تكشف للقارئ مدى عمق العلاقة بين هذا الإعلام وبين القطاع الخاص ومجتمع الأعمال في إسرائيل. إن ارتباط المؤسسات الصحفية برأس المال ليس بالأمر الغريب، فالمؤسسات الصحفية هذه هي في السواد الأعظم من الحالات شركات تجارية تسعى للكسب المادي وتحقيق الأرباح لأصحابها. مع ذلك نجد أن الأمر في حالة الإعلام الإسرائيلي مختلف بسبب حصر ملكية وسائل الإعلام المركزية في مجموعة محدودة من أصحاب رأس المال الذين يملكون شركات ومؤسسات تجارية مختلفة في قطاعات اقتصادية أخرى. وفي بحث أعد سنة 2011 تحت عنوان "تحليل الإسقاطات الاقتصادية لتركيز وتقاطع الملكية على وسائل الإعلام" والذي صدر عن مركز الأبحاث التابع للكنيست، ورد أن درجة المركزية المرتفعة في سوق الإعلام الإسرائيلي تظهر من خلال تقاطعات الملكية على وسائل الإعلام المُختلفة، وفي ظل المركزية المفرطة التي يعاني منها الاقتصاد الإسرائيلي نجد أن غالبية وسائل الإعلام الرئيسية تتبع لمجموعات اقتصادية ناشطة في مجالات أعمال مختلفة، الأمر الذي يحول مسألة النزاهة الصحفية والمعايير المهنية والموضوعية إلى تحديات يواجهها الصحفيون والمحررون صباح كل يوم. كما ويذكر نفس البحث أن "الاقتصاد الإسرائيلي هو اقتصاد مركزي نسبيا، ففي سوق الائتمان الإسرائيلي نسبة عالية من المركزية، لذلك يُصبح العائد على الاستثمار في وسائل الإعلام في إسرائيل، عائد منخفض نسبيا، بل وفي بعض الأحيان يكون العائد سلبيا. هذه المعطيات قد تدفع إلى تملك الصحف ووسائل الإعلام، ليس من منطلقات ربحية أو بهدف خلق صحافة مهنية، إنما لاعتبارات أخرى تتعلق بالنشاط التجاري الإضافي لنفس المالكين، أو من منطلق الرغبة في التأثير على الرأي العام وعلى النقاش العام في سياق هذا النشاط".

خير دليل على الكلام الذي ورد في الاقتباس أعلاه حصل مؤخرا في صحيفة "معاريف" اليومية. لقد عانت الصحيفة منذ أواخر التسعينيات من ضائقة مالية وكبدت أصحابها، عائلة نمرودي، خسائر بعشرات ملايين الشواقل كل سنة، وأصبحت مثالا حيا للأزمة الاقتصادية التي تُهدد قطاع الصحافة المطبوعة في إسرائيل. في مطلع عام 2011 قررت مجموعة "ديسكونت" الاستثمارية التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال نوحي دانكنر، شراء الصحيفة وضخت فيها ما يقارب 400 مليون شيكل في أقل من سنتين. أثارت هذه الصفقة الاستغراب لسببين رئيسيين؛ السبب الأول هو انعدام الجدوى الاقتصادية في استثمار كهذا على ضوء الأزمة التي يعاني منها قطاع الإعلام بشكل عام، والثاني قيام دانكر بهذه الصفقة فيما تعاني مجموعة شركاته من ضائقة مالية متفاقمة تهدد بقائها في الأسواق. وعلى هذه الخلفية أجمعت التحليلات أن السبب الأساسي وراء قيام دانكنر بشراء "معاريف" هو سعيه للسيطرة على وسيلة إعلامية تساعده على تحسين صورته أمام الرأي العام وتتصدى لموجة الانتقادات التي تعرض لها على صفحات وشاشات وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة بسبب نهجه الإداري والاستثماري الخاسر. وفعلا لم يتأخر ظهور الدليل على صدق رأي المحللين في النية الحقيقة لصفقة "معاريف" بعد أن عارضت الصحيفة وبشدة توصيات إحدى اللجان الرسمية التي أوصت بضرورة تقليص مستوى المركزية في الاقتصاد الإسرائيلي عبر تفكيك المجموعات الاستثمارية الهرمية التي تسيطر على عدد كبير من الشركات في مجالات عمل مُختلفة، وعلى رأسها مجموعة نوحي دانكنر الاستثمارية. لقد كان واضحا أن الموقف النقدي للصحيفة من توصيات اللجنة يتناسب جدا مع مصالح أصحاب الصحيفة الجدد.

إجماع على النيو-ليبرالية

ذكرنا أعلاه أن تطور الصحافة الاقتصادية في إسرائيل ارتبط بشكل وثيق بالتحولات التي طرأت على السياسة الاقتصادية في إسرائيل منذ منتصف الثمانينات مع التحول إلى النموذج الاقتصادي النيو-ليبرالي. ومن هذا المنطلق كان من الطبيعي أن تتحول وسائل الإعلام الاقتصادية إلى آلية الترويج الأهم للفكر الاقتصادي الجديد. وهكذا نجد كيف تبنت وسائل الإعلام المبادئ النيو- ليبرالية الأساسية بصفتها إطارها الفكري الوحيد. وبناء على ذلك أصبحت وجهات النظر النيو- ليبرالية، مثل تقليص دور الحكومة في عمل الأسواق، وخصخصة الخدمات وتغيير نمط علاقات العمل وإضعاف الاتحادات العمالية وما شابه من أمور، فرضيات شبه "علمية" لا تقبل النقاش وتمثل حقائق اقتصادية موضوعية ومحايدة، وليس بصفتها وجهات نظر تُمثل منظومة قيمية محددة من بين منظومات وآراء أخرى. أما النتائج الاجتماعية السلبية الناجمة عن تبني النموذج النيو- ليبرالي، كارتفاع مستويات الفقر، واتساع الفجوات بين طبقات المُجتمع وتراجع مستوى الخدمات الصحية والاجتماعية، فقد عرضتها الصحافة الاقتصادية على أنها عواقب لا مفر منها في سبيل النمو الاقتصادي العام.

في مقال حول الدور الذي لعبته الصحف الاقتصادية في الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت اقتصادات العالم عام 2008 يقول الباحث الاجتماعي يوسي داهان أنه "في السنوات الثلاث الأخيرة، شكل الفكر النيو ليبرالي إجماعا علميا وقيميا في الصحافة الاقتصادية. هذه الصحافة التي تعتاش على مدخولات الحملات الإعلانية للمؤسسات المالية والتي يتبع غالبية قرائها للطبقات الغنية، دعمت التوجه الذي يمنح قوى السوق حرية العمل. وفي إسرائيل دعمت الصحافة الاقتصادية السياسة النيو-ليبرالية التي تبناها صنّاع القرار في إسرائيل وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو". وفي مكان آخر يعرض كاتب المقال كيف نجحت وسائل الإعلام الاقتصادية في تحويل جزء كبير من العاملين في الشركات والمؤسسات المالية، كالمديرين والمحللين والوسطاء، إلى نجوم إعلامين وكيف نجح هؤلاء في السيطرة على الحلبة الإعلامية ليصبح لهم تأثير واضح على تحليل الأحداث وتفسير الظواهر الاقتصادية والاجتماعية من منظور نيو- ليبرالي بحت يظهر وكأنه المنظور الوحيد.

لا يمكن فصل الواقع السياسي عن الواقع الاقتصادي، فكلاهما مرآة للآخر. لا يمكن فهم الدور الذي لعبته المؤسسات الإعلامية في الترويج للفكر النيو ليبرالي بمعزل عن التغيرات السياسية التي مرت على المجتمع الإسرائيلي منذ عقدين تقريبا وعلى رأسها التراجع الحاد في مكانة اليسار الإسرائيلي وسيطرة أحزاب اليمين على الحلبة السياسية بشكل شبه كامل. لا مكان هنا لحديث موسع عن أسباب تراجع اليسار، لكن هذا التراجع شمل أيضا غيابا شبه كامل للفكر اليساري الاقتصادي المناقض للفكر النيو- ليبرالي. وباستثناء الحر.

دليل آخر على تمترس وسائل الإعلام الاقتصادية في خانة الفكر النيو-ليبرالي ظهر في التغطية الصحفية لحركة الاحتجاجات الشعبية التي هزت الشارع الإسرائيلي في صيف 2011. موجة الاحتجاجات التي انطلقت على خلفية الأوضاع المعيشية الصعبة حظيت بتعاطف إعلامي واسع، بما في ذلك تعاطف الصحف الاقتصادية. لكن على الرغم من وجود إجماع بين العديد من علماء الاقتصاد والاجتماع بأن أصل المشكلة يعود إلى السياسية الاقتصادية النيو-ليبرالية المتبعة في البلاد منذ ثلاثة عقود، إلا أن وسائل الإعلام الاقتصادية أصرت على رأي مخالف يؤمن بأن المشكلة ليست في الفكر النيو- ليبرالي بحد ذاته إنما في "فشل الأسواق" وفي وجود معوقات أخرى لا علاقة لها بهذا الفكر. ومن هذا المنطلق دعمت جميع الصحف توصيات لجنة طرختنبرغ التي تم تشكيلها في أعقاب موجة الاحتجاجات والتي نادت بإجراء إصلاحات اقتصادية – اجتماعية مختلفة لكنها بقيت في الإطار الفكري النيو-ليبرالي.

إن مراجعة تاريخ وتطور الصحافة الاقتصادية في إسرائيل يؤكد أنه لم يكن بالإمكان لهذه الصحافة الدعوة لتغيير النموذج القائم، فهي في نهاية المطاف جزء لا يتجزأ منه.

 


نُشر المقال في دورية "قضايا إسرائيلية" – عدد 47، الصادرة عن "مدار"- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018