العملات الرقمية: بين المحظور والمشروع

العملات الرقمية: بين المحظور والمشروع
(Pixabay)

باتت العملات الرقمية في عالمنا بعد الانفتاح الواسع التي أحدثته التكنولوجيا في الأعوام الأخيرة، واقعا يفرض نفسه كبديل للعملات التقليدية مستقبلا، الأمر الذي يشكل تهديدا مباشرا على البنوك التقليدية على الرغم من بعض المخاطر التي تحوم حول كل ما يتعلق بالتعامل مع هذه العملات.

هذا التطور السريع الذي يشهده العالم يستوجب المعرفة والدراية فيما يتعلق بمتابعة تحركات العملات الرقمية وغيرها من تطور المجريات، ويرجح عدد من خبراء الاقتصاد أن العملات الرقمية مع مرور الزمن سوف تُبدل العملات التقليدية في المستقبل.

قد يظن البعض أن العملات الرقمية مجرد ظاهرة عابرة سرعان ما تختفي مع مرور الوقت، وقال الخبير في الاقتصاد والعملات الرقمية، د. وهبي أبو خيط، لـ"عرب 48" إن "العملات الرقمية في تطور مشهود، من العملة الواحدة، إلى مئات العملات الرقمية بمختلف أسمائها وقيمها الاقتصادية".

وتبقى الأسئلة المطروحة على الطاولة واجبة وخاصة في عالمنا العربي والإسلامي، ما هي أنواع هذه العملات؟ وما هي الضمانات التي تعطيها مقابل شرائها؟ وما هي ضوابطها الشرعية الدينية؟

وفي هذا السياق، حاور "عرب 48" الخبيران الاقتصادي والحاصل على دكتوراة في الاقتصاد والاقتصاد الإسلامي، د. وهبي أبو خيط، والمحاضر في أكاديمية القاسمي ورئيس قسم الدين والدراسات الإسلامية، د. توفيق سيدي.

"عرب 48": ما هي العملات الرقمية؟

أبو خيط: هي عملات مشفرة رقمية، تسمح لأصحابها إجراء معاملاتهم كالنقود العادية تماما دون الحاجة إلى البنوك أو وسيط آخر. وهي عبارة عن رمز طويل يستخرج من الحواسيب، هذا الرمز يجب أن يكون له معادلات حسابية معينة، وهذه المعادلات هي التي تعطيه السرية واستحالة اختراقه، وكل رمز هو عبارة عن عملة رقمية.

"عرب 48": ما هو المفهوم الاقتصادي للعملات الرقمية؟

أبو خيط: هي عملة لكل شيء وهي عبارة عن نقود. الكثير من الشركات والمحلات التجارية، اليوم، تتعامل مع هذه العملات على أنواعها، وبإمكان أي شخص أن يستفسر عن هذه الشركات التي تحترم العملة الرقمية.

"عرب 48": من يملك عملة رقمية كيف له أن يستثمرها، اليوم؟

وهبي أبو خيط

أبو خيط: يمكنه أن يستثمرها أو يستبدلها أو أن يبيعها، بمعنى أن يتاجر بها أو أن يشتري منها على أنها نقود لكل شيء. في الوقت الحالي الشراء بها في البلاد مقيّد، ولكن في الدول الأوروبية غالبية الشركات والمحلات التجارية تتعامل بالعملات الرقمية، ولا زال الأمر هنا في بداية الطريق.

"عرب 48": ما هي مخاطر العملات الرقمية؟ وهل يمكن اختراق نظامها وسرقة بيانات المستخدمين وأموالهم؟

أبو خيط: المخاطر تتنوع من عملة لأخرى، ولو نظرنا إلى "بِتكوين" الاستثمار قصير المدى لا يتلاءم معها، فقط الاستثمار طويل الأمد، وهذا أحيانا يضر بالمستثمرين. أما نظام (البلوك تشانغ) والذي من خلاله تدار العملات الرقمية فيصعب اختراقه بسبب منظومته الدقيقة والمحوسبة، ولكن الاختراق يتم عن طريق "هاكرز" خلال طرق ملتوية باستخدام تطبيقات وهمية ينشئونها. ولغاية الآن لم يتم أي اختراق لهذا النظام (البلوك تشانغ) بالطريقة المباشرة.

"عرب 48": العملات الرقمية تعتبر التهديد الأكبر للبنوك التقليدية وفق التقارير، هل كانت محاولة لمحاربتها من البنوك أو بعض الحكومات؟

أبو خيط: العملات الرقمية هي شركات خاصة وتعمل وفق القانون ولها حرية العمل، ولكن من الطبيعي أن تحاول البنوك الحد من امتداد العملات الرقمية. في البداية حاولوا أن يشوهوا سمعة العملات الرقمية بمحتويات إعلامية ممولة، ولكن هم يحاولون إيقاف تيار جارف يصعب إيقافه. الكثير من البحوث والاستطلاعات تقول إنه مع دخول العام 2040 سوف تكون غالبية في استخدام العملات الرقمية في العالم.

"عرب 48": هل ستشهد البنوك انهيارا لربما؟

أبو خيط: ليس بالضرورة انهيار، إنما سوف تنخفض أرباحها بصورة جدية.

"عرب 48": ما هي النصائح لمن يريد أن يستثمر أو يشتري عملة رقمية؟

أبو خيط: بعض الجامعات في العالم أنشأت مساقات خاصة للعملات الرقمية لأن هذا المجال يحتاج إلى متخصص وصاحب دراية في مجريات هذه العملات. يحب أن تكون حذرا قبل دخول أي شركة لأن هناك الكثير من الشركات المحتالة. يجب أن تفحص حجم السوق فيها ومسارها خلال اليوم والشهر، وتحركات البيع والشراء. على كل من يريد أن يستثمر أن يكون على قدر كاف من الوعي والدراية بهذه السوق وأن يستشير المختصين في هذا المجال.

وعي ودراية

وتطرق ورئيس قسم الدين والدراسات الإسلامية في أكاديمية القاسمي، د. توفيق سيدي، في هذا الحوار مع "عرب 48" إلى الجوانب الشرعية والمخاطر في التعامل مع العملات الرقمية، وكيف تنظر الشريعة الإسلامية إليها.

"عرب 48": تقوم على عدد من الدراسات والبحوث في أكاديمية القاسمي في هذا المجال، كيف ترى مجتمعنا العربي ودرايته حيال العملات الرقمية؟

توفيق سيدي

سيدي: الكثير من أبناء مجتمعنا لا يعرفون الكثير عن هذه العملات، وإذا سمعوا عنها فإن ذلك فقط من خلال وسائل الإعلام وبشكل سطحي.

"عرب 48": رأينا في فترة سابقة أن النظام المالي العالمي حاول تعقب العملات الرقمية وخاصة "بتكوين" بهدف الحد منها، في محاولة كإعلان حرب على العملات الرقمية، ما الذي يخيف الحكومات منها؟ ولماذا تحاربها؟

سيدي: الحكومات تحارب العملات الرقمية وعلى رأسها "بِتكوين"، لأنها تخشى أن تستغل لصالح المنظمات الإجرامية في العالم ومن قبل تجار المخدرات والسلاح، وسبق أن استعملت هذه العملة لتبييض الأموال للخارجين على القانون والعصابات الإجرامية وكذلك بعض المنظمات الإرهابية، والحكومات تخشى هذا، بالإضافة إلى أنها تخشى الكساد الاقتصادي إذا انهارت السوق.

"عرب 48": هل هناك سلبيات أخرى للعملات الرقمية؟

سيدي: نعم. ليس هناك تشريعات تحمي المتعاملين بالعملات الرقمية، فضلا عن استخدماها في أمور غير شرعية وغير قانونية.

"عرب 48": ما هي الإيجابيات؟

سيدي: السرعة بالتحويل، فبثوان معدودة يمكنك أن تحوّل الأموال، وتكلفة المعاملة ضئيلة جدا مقارنة مع العملات التقليدية، لها حماية وشفافية، نظام "البلوك تشانغ" يوثق كل شيء وغير قابل للاختراق.

"عرب 48": ما هو المنظور الشرعي للعملات الرقمية؟

سيدي: لا نستطيع أن نقوم بالتحريم مطلاقا ولا بفتح الباب على مصارعيه، ولا تؤخذ بسلة واحدة، لأن العملات الرقمية منها ما هو قوي وثابت ومنها الضعيف المتذبذب الذي يتقلب كثيرا. هناك شركات حقيقية وهناك أخرى وهمية، ومنها العملات غالية الثمن، ومنها المنخفض، وهذا لا يقتضي منا أن نتسرع في التعامل معها. يجب أن تحفها الضوابط الشرعية والقانونية، والأمر يستلزم الحذر والتروي.