لماذا لم تنجح "أوبك" برفع أسعار النّفط رغم خفض الإنتاج؟

لماذا لم تنجح "أوبك" برفع أسعار النّفط رغم خفض الإنتاج؟
أرشيفية للتّوضيح (أ ف ب)

ما زلت منظّمة الدّول المنتجة للنّفط، "أوبك" تواجه صعوبةً في تحقيق التّوازن والسّيطرة على أسعار النّفط الخام في السّوق، إذ استمرّت الأسعار بالانخفاض على الرّغم من التزام الدّول الأعضاء في المنظّمة باتّفاق خفض الإنتاج بالإضافة لاستمرار العقوبات الأميركية على إيران.

وتجتمع اللجنة الوزارية لمراقبة اتفاق خفض الإنتاج التابعة لـ"أوبك" الخميس المقبل في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وتضم الكويت وروسيا وسلطنة عمان وفنزويلا والجزائر،  وسط ترقّب للتّوصيات الّتي ستصدر عنه.

وتتراجع أسعار النفط الخام حول العالم، مع عودة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، بينما تستعيد جزءًا من الاستقرار والصعود، مع ظهور محفزات تبشر بقرب اتفاق بين البلدين؛ ومطلع الشهر الحالي، دخلت حيز التنفيذ حزمة جديدة من الرسوم الجمركية الأميركية بنسبة 15 بالمئة على واردات صينية بقيمة 115 مليار دولار، فيما ستدخل حزمة ثانية من الرسوم بنفس النسبة على واردات صينية بقيمة 160 مليار اعتبارا من 15 كانون الأول/ ديسمبر المقبل.

في المقابل دخل قرار صيني حيز التنفيذ لفرض رسوم وجمارك بنسبة 5 و10 بالمئة إضافية، على سلع أميركية المنشأ بقيمة 75 مليار دولار، ومن ضمن الرسوم، نسبة 5 بالمئة على واردات الخام الأميركي القادم إلى الصين، الأمر الذي سيدفع نحو تراجع حدة منافسته للخام القادم من أسواق أخرى.

تحقيق التوازن

وحول تلك التحديات، قال وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، إن "الدول المنتجة للنفط ستقوم بكل ما هو ضروري لتحقيق التوازن في ظل الأسعار المتدنية، وتصاعد الخلافات التجارية وتراجع الطلب"، مضيفًا أن "السوق النفطية في الوقت الراهن غير متأثرة بشكل كبير بعملية العرض والطلب إنما تتفاعل أكثر مع التوترات التجارية والمتغيرات الجيوسياسية".

وبيّن المزروعي أنّ "أسعار النفط ليست هي التحدي الأكبر الذي يواجه السوق حاليا، لا نستهدف سعرا معينا، لكن المهم هو توافر الاحتياطيات الكافية، وألا يكون هناك معروض زائد"، فيما رأى أن خفض إضافي للإنتاج قد لا يكون القرار الأفضل لرفع الأسعار نظرا للعوامل الأخرى.

التزام سعودي

وقال وزير الطاقة السعودي الجديد الأمير عبد العزيز بن سلمان، الإثنين، إن المملكة ملتزمة باتفاق "أوبك+" بهدف تحقيق التوازن في سوق النفط العالمية، وأكد الوزير السعودي أن "الرياض تبدي التزامًا كاملًا حيال مساعي ‘أوبك +‘" لإعادة الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية.

وردت تصريحات بن سلمان، وهي الأولى له منذ تولّيه حقيبة الطاقة في السعودية، السبت، خلفا للوزير السابق خالد الفالح، خلال مشاركة في "القمة العالمية للطاقة"، التي تستضيفها أبوظبي من الإثنين وحتى الخميس المقبل.

وفي سياق متصل، أكدت وزارة النفط العراقية، في بيان، التزام البلاد باتفاق خفض الإنتاج، وستبدأ بالتخفيض مباشرة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، بالتزامن مع صيانة المصافي بالإضافة إلى انخفاض الاستهلاك المحلي.

التوترات السياسية

وقال المحلل الكويتي لأسواق النفط العالمية، أحمد حسن كرم، إن الأسواق تترقب اجتماع اللجنة الوزارية، في وقت تتزايد فيه التوترات السياسية بين إيران وأميركا، فضلًا عن انخفاض إنتاج النفط، إلا أن الأسعار لم ترتفع بشكل كبير، معتبرًا أن ما يحدث حاليا هو صراع تجاري اقتصادي بين الصين وأميركا "في صراع البقاء للأقوى".

وتعد الولايات المتحدة حاليا أكبر مستهلك للنفط الخام في العالم بمتوسط يومي 17.5 مليون برميل، تتبعها الصين ثانيا بمتوسط يومي 12.5 مليون برميل، فيما تعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم بمتوسط يومي يبلغ بين 9.5 - 10 ملايين برميل يوميا، بينما الولايات المتحدة ثاني أكبر مستورد بمتوسط 9 ملايين برميل يوميا.

ومن شأن حدوث أي توتر تجاري كما هو قائم حاليا، إثارة مخاوف المصانع ومراكز الإنتاج في كلا البلدين؛ بسبب احتمالية ضعف تنافسية السلع مع نظيرتها الأجنبية، ويؤدّي هذا التخوف إلى اتباع خيار تقليص الإنتاج وبالتالي ضعف الطلب على النفط الخام من جانب مصانع أول وثاني أكبر مستهلكين ومستوردين للنفط الخام.

وأفاد المحلل الكويتي بأن الصراع سيضع مزيدًا من الضغوط على الأسواق النفطية بالفترة المقبلة، كما هبط بالأسعار دون المستويات المأمولة عند مستوى 60 دولارا للبرميل، وتوقع كرم أن يحدد اجتماع المنظمة المقبل مستقبل أسعار النفط في الفترة القادمة، مرجّحا أن يتم تثبيت الإنتاج على المعدلات الحالية، أو يكون أكثر جرأة ويقوم بخفض أكبر لرفع أسعار النفط قليلًا للمعدلات المرجوة.

صعوبة القرار

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي، محمد العون، إن اللّجنة ليست لديها قرارات تنفيذية بقدر ما تقوم بالمراقبة وتقديم التوصيات للمنظمة، مشيرًا إلى أنه وفي ظل المعطيات الحالية ستواجه اللجنة صعوبة في التوصل لقرار حاسم، في ظل تذبذب الأسواق على وقع التوترات التجارية، والعقوبات الأميركية ضد إيران.

وفرضت الولايات المتحدة حزمة عقوبات على إيران في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، طالت صناعة النفط من إنتاج وتصدير ونقل، أو الحصول على عائدات النفط حال تصديره بعيدا عن القنوات الرسمية؛ وتراجع إنتاج إيران من النفط الخام في تموز/ يوليو إلى أدنى مستوياته منذ ثمانينيات القرن الماضي، بفعل عقوبات الولايات المتحدة.

وأشارت بيانات "أوبك" إلى انخفاض إنتاج إيران من النفط إلى 2.213 مليون برميل يوميا في الشهر الماضي، من 2.26 مليون برميل يوميا في حزيران/ يونيو السابق عليه، بواقع 47 ألف برميل، وأوضح العون أن الأنظار ستظل متعلقة بالمفاوضات الأمريكية الصينية، التي دعمت تعافي السوق النفطية في الأيام الماضية.

توقعات متشائمة

وفي تقريرها الأخير عن شهر آب/ أغسطس، أعلنت "أوبك" عن توقعات متشائمة بشأن النفط الخام للفترة المتبقية من العام، في ظل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.

وللشهر الثامن على التوالي تراجع إنتاج "أوبك" في تموز/ يوليو 2019، فيما يعكس استمرار جهود المنظمة دعم أسعار النفط؛ وخفضت "أوبك" توقعاتها لنمو الطلب على النفط في 2019 بمقدار 40 ألف برميل يوميا، إلى 1.10 مليون برميل يوميا إلى 99.92 مليون برميل يوميا، فيما ترجح أن تسجل السوق فائضًا طفيفًا في 2020.

وحسب التقرير، انخفض معدل إنتاج "أوبك" إلى 29.61 مليون برميل يوميا، بتراجع 246 ألف برميل يوميًّا، لتصل نسبة التزام الدول الأعضاء باتفاق خفض الإنتاج نحو 144 بالمائة في تموز/ يوليو، وفي 3 تموز/ يوليو الماضي، وافق تحالف "أوبك +"، الذي يضم أعضاء أوبك ومنتجين مستقلين بقيادة روسيا، على تمديد العمل باتفاق خفض إنتاج النفط بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا على مدار 9 أشهر مقبلة حتى نهاية آذار/ مارس 2020.

وكان التحالف بدأ مطلع العام الجاري تنفيذ اتفاق خفض إنتاج الخام بواقع 1.2 مليون برميل يوميا، لمدة 6 شهور.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"