الجزائر: مشروع قانون المحروقات يثير جدلا بين مؤيد ومعارض

الجزائر: مشروع قانون المحروقات يثير جدلا بين مؤيد ومعارض
(أ ب )

تُثير مساعي الحكومة الجزائرية المؤقتة، لسن قانون جديد يُنظم قطاع المخروقات في البلاد، غضبا شديدا في أوساط واسعة من الجزائريين الذين يرون به وسيلة لـ"بيع" الثورة الوطنية المتمثلة بالغاز والنفط، لشركات متعددة الجنسية في ظل اضطراب الجزائر.

وأُضيفت المطالبة بإلغاء مشروع القانون الجديد، إلى شعارات المتظاهرين الذي تستمر احتجاجاتهم منذ شباط/ فبراير الماضي، منذ المصادقة على نص القانون في مجلس الوزراء في 14 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وينظر المتظاهرون بصورة عامة، بريبة إلى المسؤولين الذين يديرون شؤون البلاد بعد استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، في نيسان/ أبريل الماضي، رضوخا للاحتجاجات، ويصفونهم بـ"اللصوص" الذين "نهبو ثروات البلد".

وتُعد الجزائر ثالث أكبر منتج للنفط في أفريقيا وأحد أكبر 10 دول منتجة للغاز.

ويشتبه جزء كبير من الجزائريين في نية أطراف مختلفة في السلطة، باستغلال هذا القانون لتقديم الثروات الباطنية للشركات الأجنبية، بعدما "نهبوا" الريع البترولي، بحسب الموهوب موحود، أستاذ الاقتصاد في جامعة باريس دوفين.

وأشار في حديث لوكالة "فرانس برس" للأناباء، إلى أن "التحقيقات تثبت عدم وجود مصداقية للحكومة القائمة في أعين الشعب".

ومع ذلك فإن "كل المعطيات المتوفرة تشير إلى أن المجال المنجمي الوطني (ملكية الثروة الباطنية) تبقى في يد الدولة، بينما الاستكشاف والاستثمار والاستغلال يمكن مشاركتهم" بتحفيزات أكبر من ذي قبل للمستثمرين الأجانب، كما أوضح موحود.

ومن جهته شرح فرنسيس بيران، مدير بحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، للوكالة، أن مشروع قانون المحروقات يقدّم "تعديلات" على التشريع لكن "لا تغيير في الاتجاهات الكبرى للسياسة الجزائرية في مجال المحروقات".

وتحافظ شركة "سوناطراك" للنفط والغاز المملوكة للدولة في مشروع القانون الذي يعرض للتصويت الخميس، على أغلبية 51 بالمئة من الأسهم في كل عقود الشراكة مع الأجانب.

لكنه يهدف إلى "جعل الإطار التشريعي والمالي أكثر جاذبية وأبسط وأكثر مرونة، لجذب المزيد من الاستثمارات (الأجنبية) في قطاع النفط والغاز" كما أوضح بيران الذي يعمل أيضا كباحث مشارك في مركز السياسات من اجل الجنوب الجديد في الرباط.

ومن الناحية العملية يوسع النص نطاق أنواع العقود بناءً على المخاطر الصناعية، ويوحّد النظام الضريبي في مستوى معدل ثابت (30%) من الضريبة على الفوائد وإلغاء "الضريبة على الأرباح الاستثنائية".

وبالنسبة للموهوب موحود فإن الغضب "تركز" على هذا القانون بسبب "غياب الشرعية في الحكومة الحالية" التي عيّنها بوتفليقة يومين قبل استقالته في 2 نيسان/أبريل تحت ضغط الحركة الاحتجاجية "ما جعل كل ما يصدر عنها محلّ شك" بالنسبة للجزائريين.

وفي هذا السياق المضطرب، فإن حديث وزير الطاقة محمد عرقاب في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر عن مشاورات سابقة مع خمس شركات نفط كبرى حول التغييرات التشريعية الضرورية، أضاف الزيت للنار.

وجاءت ترجمة ذلك في الحركة الاحتجاجية أن القانون أملته الشركات متعددة الجنسيات، رغم أن شركة "سوناطراك" نفسها أثارت في أيلول/ سبتمبر ضرورة التعجيل في إعطاء حيوية جديدة للشراكة مع المستثمرين الأجانب.

ومنذ دخول القانون الحالي حيز التطبيق في 2005، وعلى الرغم من التعديلات في عام 2013، فإن اهتمام الشركات الأجنبية باستكشاف المجالات المنجمية الجزائرية تراجع والعديد من المناقصات ظلت بلا جدوى.

واضطرت "سوناطراك" لتحمل أعباء ومخاطر الاستثمار وحدها، خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط، من أجل استكشاف حقول جديدة للحفاظ على مستوى معين من ألإنتاج المتراجع خاصة مع تزايد الطلب في السوق المحلية.

ربما يكون المتظاهرين على حق

كتبت المحلل الاقتصادية، سهام معط الله، مقالا في صحيفة "العربي الجديد"، الشهر الماضي، أشارت فيه إلى أن مطلب المتظاهرين بإلغاء القانون، مُحق.

وقالت معط الله، إن القانون يتضمن " كل التشريعات والقوانين الخاصّة بالنشاطات المتعلقة بالمحروقات واستغلالها، وأخطر بند في القانون ذلك المتمثل في منح شركات النفط الأجنبية مساحة للتنقيب عن الخام والحصول على حق الاستغلال المطلق والحر لبئر النفط في حال العثور عليه وليس فقط كميات النفط المستخرجة".

وأضافت أن القانون قدم " عدّة هدايا على طبق من ذهب للشركات الأجنبية العاملة في مجال المحروقات كالإعفاء من دفع الرسم على القيمة المضافة، وإعفاء نشاط نقل المحروقات بالأنابيب (نفط وغاز) من دفع هذا الرسم أيضاً، والسماح باستغلال الغاز الصخري بالرغم من مخاطر التلوّث التي تهدِّد جودة المياه الجوفية، بالإضافة إلى تقليص فترة حق الشفعة الذي تمارسه شركة سوناطراك لمنع تحويل حصص شركات أجنبية في حقول نفطية وغازية إلى شركات أخرى إلى 60 يوماً لا أكثر".

وأكدت أن هذه المدة "قصيرة نسبياً نظراً للتعقيدات الإدارية التي تلتف حول هذه القضايا، وأبرز مثال على ذلك هو أن بيع أصول 'آناداركو' إلى 'توتال' استغرق مدة تفوق بكثير 60 يوما، وكل ما جاء به هذا القانون في جعبته لا ينبئ بالخير".

ولفتت إلى أن هذا القانون جاء لفتح "باب المنافسة الشرسة للشركات البريطانية والأميركية وتضييق الخناق على الشركة الفرنسية 'توتال' التي كانت تستحوذ على أنشطة الاستخراج والاستغلال في مجال المحروقات، وكأنّه ورقة ضغط من قبل الحكومة الحالية على الشركاء الفرنسيين والمصالح الفرنسية في الجزائر، وتصفية الحسابات بهذه الطريقة نتيجة لضعف الدعم الفرنسي للنظام الحالي. وفي هذا الوضع الحرج سيضرّ مصالح المواطنين والأجيال القادمة خاصة وأنّ شركات النفط العالمية تستغل الأوضاع الحرجة التي تمر بها الدول النامية الغنية بالبترول وسوء التسيير من أجل نهب ما أمكنها من المحروقات".

أزمة قطاع المحروقات الجزائري

وأشارت "فرانس برس" إلى أن الإنتاج الجزائري تراجع بالتزامن مع ازدياد الطلب المحلي، وهما عاملان "يمكن أن يؤديا إلى عجز في العرض مقارنة مع الطلب على الغاز" خلال العشر سنوات القادمة، بحسب بيران.

ويهدف القانون الجديد إلى السماح "على وجه الخصوص باكتشاف حقول جديدة، بالنظر إلى النضوب الحالي"، كما أوضح الموهوب موحود: "في هذا السياق ينتظر أن يتم تعديل الضرائب على المحروقات وتسقيف مُدد العقود في مستوى عشر سنوات كحد أقصى".

كما أشار إلى "تقادم" البنية التحتية النفطية في الجزائر بسبب نقص الاستثمارات خلال السنوات التي كانت فيها أسعار النفط عالية، مما يحد من قدرات شركة سوناطراك.

ونبّه بيران إلى أن هناك "وعيًا" من جانب السلطات حول "الصعوبات الخطيرة المحتملة على المدى الطويل للبلد"الذي تمثل فيه النفط والغاز أكثر من 95% من مداخيل الصادرات. "ومع ذلك ، فمن المخاطرة سياسياً أن تُقدم سلطة فاقدة للشرعية على معالجة مثل هذا الموضوع الحساس".

وبالنسبة لموحود فإن "الإصلاحات الاقتصادية ضرورية لكن بشرط مرافقتها بانتقال ديموقراطي حقيقي".