أزمة سوق الأسهم المصرية... سوء إدارة حكومي

أزمة سوق الأسهم المصرية... سوء إدارة حكومي
توضيحية (أرشيفية - أ ب)

تُعاني سوق الأسهم المصرية، من خسائر فادحة منذ بداية العام الجاري، تتعلق خصوصا بضعف الطلب على الأسهم المصرية، حيث فقدت جاذبيتها لدى المستثمرين.

ويستمر ابتعاد المستثمرين عن الأسهم المصرية برغم هبوط أسعارها، وسط شح شديد في السيولة وغياب الطروح الحكومية الموعودة.

وكانت الحكومة المصرية كشفت في آذار/ مارس 2018، عن عزمها طرح حصص أقلية في 23 شركة بالبورصة في إطار برنامج لجمع 80 مليار جنيه في غضون 24 إلى 30 شهرا، مر نحو 21 شهرا منها ولم تطرح الحكومة فيها سوى 4.5 في المئة من أسهم الشركة الشرقية للدخان في وقت سابق من العام الجاري.

ووفقا لبيانات بورصة مصر على موقعها الإلكتروني، بلغت أحجام التداول 46.254 مليار ورقة تداول منذ بداية العام وحتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، انخفاضا من 60.771 مليار في 2018 ونحو 77.946 مليار في 2017.

وتراجع رأس المال السوقي للبورصة من 824.9 مليار جنيه في 2017 إلى 749.7 مليار جنيه في 2018 وإلى 705.1 مليار جنيه منذ بداية العام الحالي.

وقالت مديرة التداول في "عربية أون لاين"، منى مصطفى إن "المنتجات عندنا قليلة والتنوع بها قليل والأسهم ذات السيولة قليلة. المستثمر المحلي فقد الثقة تماما في البورصة أو القائمين على المنظومة بشكل عام". لدينا برنامج طروحات حكومي لا نفهمه ولا نعرف توقيته... عندنا آلية بيع على المكشوف لا أحد يعرف كيفية تطبيقها ولا كيف تعمل".

وذلك يأتي في ظل أزمة اقتصادية تتعمق يوميا تحت حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي زعم مرارا وتكرارا أن الأوضاع الاقتصادية في "تحسن" مستمر، في ظل انعدام الشفافية والمساءلة، ما يعني من الصعب الوصول للمعلومات.

وطبقت مصر في وقت سابق من الشهر آلية البيع على المكشوف بما يتيح اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع، لكن حتى الآن لم تتعد العمليات المنفذة العشرات وسط عدم معرفة المتعاملين ولا حتى بعض العاملين بشركات السمسرة كيفية العمل بالآلية.

وقال رئيس مجلس إدارة "رويال" لتداول الأوراق المالية، وائل عنبة: "السوق اتحرق... وفلوس الناس اتحرقت... والاكتتابات أخذت فلوس الناس وأخرجتها من السوق. الحكومة نظرتها ضيقة لسوق المال وفشلت في برنامج الطروحات. لا بد من إلغاء الضريبة على السوق لأنه لا توجد تداولات".

شركتان فقط

دخلت اثنتان من شركات القطاع الخاص سوق الأسهم هذا العام، إذ طرحت فوري لتكنولوجيا البنوك والمدفوعات الإلكترونية، أكبر شركة مدفوعات إلكترونية في مصر، 36 بالمئة من أسهمها في البورصة في آب/ أغسطس الماضي ولاقت إقبالا كثيفا من المستثمرين.

وطرحت "راميدا" للأدوية 49 بالمئة من أسهمها في بورصة مصر الأسبوع الماضي، وتراجع سهمها نحو عشرة بالمئة عند التداول لينزل عن سعر الطرح.

وجاء الطرحان من خلال تخارج مستثمرين من الشركات وليس زيادة رأسمال.

وقال نائب رئيس مجلس إدارة "مباشر كابيتال هولدنج" للاستثمارات المالية، إيهاب رشاد: "الأفراد هم المسيطرون على البورصة. وهم من تشبعوا بالخسائر في الفترة الماضية، وبالتالي لن يضخوا سيولة جديدة. السوق يحتاج لسيولة جديدة من مستثمرين جدد وهو ما قد يحدث لما الحكومة تنزل شركات جديدة والناس تكسب منها ويبدأ يكون هناك هامش ربح يوظفه المستثمر من جديد في السوق. لكن لا يوجد تركيز من الحكومة على أهمية دور البورصة في الاقتصاد".

ومنذ بداية العام وحتى نهاية الأسبوع الماضي شهد بعض أكبر الأسهم تراجعات كبيرة، فهبط سهم "حديد عز" نحو 38 بالمئة و"سيدي كرير للبتروكيماويات" أكثر من 44 بالمئة و"بالم هيلز للتعمير" ونحو 13 بالمئة و"مدينة نصر للإسكان" نحو 18 بالمئة و"السويدي إليكتريك" نحو 36 بالمئة و"الشرقية للدخان" نحو ثمانية بالمئة.

وقال إبراهيم النمر من "نعيم للوساطة في الأوراق المالية": "السوق لما يكون رخيص من المفترض يكون عليه إقبال ورغبة بالشراء لكن لدينا في الحقيقة غير هذا. السوق رخيص لأنه لا توجد رغبة في الشراء. انخفاض أحجام وقيم التداول يعكس زهد المستثمر وعدم رغبته في الشراء. مكرر ربحية السوق عندنا رخيص مقارنة بأسواق المنطقة".

وبحسب محللين، يبلغ مضاعف الربحية بالسوق المصرية نحو تسعة أمثال، وهو مستوى من المفترض أن يكون مغريا للشراء.

"الناس متخوفة"

عانت السوق المصرية أيضا من توجيه المستثمرين العرب السيولة صوب طرح "أرامكو" في وقت سابق من الشهر الحالي والذي شهد زخما كبيرا.

وقال رئيس البحوث في "شعاع" لتداول الأوراق المالية، عمرو الألفي: "الناس متخوفة منذ أيلول/ سبتمبر الماضي في ظل تغطية المراكز المكشوفة التي حدثت... طرح أرامكو أيضا سحب سيولة المستثمرين العرب من بورصة مصر. السوق لا يعكس أي شيء إيجابي ولا حتى انخفاض الفائدة. الأسهم رخيصة وبعضها بعائد أكثر من عشرة بالمئة. لا بد من أسهم جديدة في قطاعات جديدة لكي نرى سيولة جديدة".

وتراجعت نسب تداولات العرب وفقا لبيانات البورصة المصرية من 10.34 بالمئة من إجمالي المعاملات في 2018 إلى 5.21 بالمئة حاليا منذ بداية 2019 وحتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر. وانخفض عدد الشركات المقيدة بالسوق من 222 في 2017 إلى نحو 218 شركة حاليا.

وقالت رئيسة مجلس إدارة "ثري واي" لتداول الأوراق المالية، رانيا يعقوب: "الضرائب والشائعات أدت لعزوف المستثمرين عن السوق وعن دوران السيولة. غياب الطروحات الحكومية أيضا وانخفاض الوعي للاستثمار بالبورصة لدى جموع الشعب واتجاههم للاستثمار في الأوعية الادخارية أدى لضعف السوق".

وبعد تحرير مصر سعر الصرف في نوفمبر تشرين الثاني 2016، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بشكل كبير مما دفع لسحب السيولة من سوق المال ومن الأسواق بشكل عام في حين جمعت البنوك مئات المليارات.

وبدأ البنك المركزي خفض الفائدة هذا العام في مسعى لتحفيز النمو الاقتصادي لكن أثر ذلك لم يمتد إلى البورصة بشكل واضح بعد.

"مؤشرات خادعة"

وأقر هاني توفيق الخبير الاقتصادي أن هناك شحا "شديدا في السيولة بالسوق... السيولة اتجهت إلى العقارات وشهادات الادخار نتيجة أسعار الفائدة المرتفعة... الرؤية غير متفائلة بشأن الاستثمار المباشر".

وتابع: "هناك ضعف في الهيكل الخاص بالتداول. كان هناك إعفاءات ضريبية وألغيت وحوافز ضريبية للقيد بالسوق وألغيت. وتم فرض ضريبة حتى على توزيعات الأرباح... عدد الناشطين في السوق حاليا لا يتجاوز ثلاثة آلاف مستثمر... الحل في عودة الإعفاءات من جديد ووضع حوافز للشركات من أجل القيد بالبورصة".

كانت مصر فرضت ضريبة على البائع والمشتري في معاملات البورصة في أيار/ مايو 2013 قبل أن توقف العمل بها وتفرض ضريبة بنسبة عشرة بالمئة على التوزيعات النقدية والأرباح الرأسمالية في تموز/ يوليو 2014 ثم توقف العمل بها في أيار/ مايو 2015.

وأقرت الحكومة في 2017 فرض ضريبة دمغة متدرجة على معاملات البورصة تبدأ بنسبة 1.25 في الألف على البائع والمشتري في العام الأول من التطبيق ثم 1.5 في الألف في العام الثاني لتصل إلى 1.75 في الألف في العام الثالث من بدء التنفيذ. وأوقفت العمل بالشريحة الثالثة في تموز/ يوليو الماضي.

وقالت رئيسة قسم البحوث ببنك الاستثمار "فاروس"، رضوى السويفي: "أدوات العائد الثابت تنافس البورصة كاختيار استثماري... العائد منها لا يوازي الدخول في أسهم تداولها الحر ضعيف، وبناء مراكز مالية بها يحتاج لأكثر من يوم وبالتالي الدخول والخروج من البورصة ليس سهلا باستثناء سهم البنك التجاري الدولي. المؤشرات الاقتصادية تحسنت بشكل كبير لكن لكي تنعكس على البورصة لا بد أن تنعكس أولا على الاستثمار وخلق فرص عمل وتقوية القدرة الشرائية، وبعدها ستنعكس على السوق".

وبلغت مكاسب سهم البنك التجاري الدولي أكثر من 30 بالمئة منذ بداية العام وحتى نهاية الأسبوع الماضي وهو الأكثر سيولة والأثقل على المؤشر الرئيسي للسوق.

والمؤشر المصري الرئيسي مرتفع 2.5 بالمئة منذ بداية السنة، وزاد 0.25 بالمئة بحلول الساعة 11:12اليوم الأحد.

وقال توفيق إن المؤشرات الاقتصادية لا تنعكس على سوق الأسهم المصرية لأنها "مؤشرات خادعة تشير لوجود نمو في الناتج المحلي الإجمالي لكن لا بد أن نعلم مصادر النمو فهي قادمة من القروض... حجم الدين الخارجي والداخلي لدينا مرتفع جدا. النمو من القطاع العقاري والمقاولات وهذا لا يتسم بالاستدامة. أنا قلق من أن النمو تمويله من القروض ومن قطاعات غير مستدامة، ليس من تصدير وتشغيل وإنتاج وتصنيع. الأموال تركزت في القطاع العقاري وبيد تلك الشركات. الحل هو إيقاف الاستثمار العقاري ومراكز التسوق وتشجيع الزراعة والتجارة والصناعة".

وشهد الاقتصاد المصري معدلات نمو مرتفعة خلال الفترة الماضية مع خفض عجز الموزانة وتحقيق فوائض أولية لكن صاحبت ذلك زيادة الدين الخارجي 17.3 بالمئة إلى 108.7 مليار دولار بنهاية حزيران/ يونيو الماضي ليعادل 36 بالمئة من الناتج الإجمالي في 2018-2019.

وارتفع إجمالي الدين المحلي إلى 4.20 تريليون جنيه بما يعادل 79 بالمئة من الناتج الإجمالي في نهاية آذار/مارس، وهو أحدث رقم متوافر، مقارنة مع 3.70 تريليون جنيه في نهاية حزيران/ يونيو 2018 أو 83.3 بالمئة من الناتج الإجمالي.

وقالت منى من "عربية أون لاين": "البورصة مرآة الاقتصاد، وعندما تقول إن هذا هو وضعك فلا بد أن ما يعلن هو مجرد أرقام. الناس عاجزة عن شراء الأسهم في السوق وهي برخص التراب. هناك غياب ثقة كامل من المستثمر المحلي ولن يخاطر أحد بوضع فلوسه في السوق. الناس فلوسها تآكلت الفترة الماضية. المنتجات لدينا رديئة والناس غير راغبة فيها حتى وهي بالمجان!".

 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة