الموت وسؤال "الاخلاقيات".../ فراس خطيب

الموت وسؤال "الاخلاقيات".../ فراس خطيب

يزعجك وزير القضاء الاسرائيلي، حاييم رامون، المتورط بقضايا الاعتداءات الجنسية، حين يتحدث عن "أخلاقيات" الجيش الاسرائيلي ويجزم بأنَّ "تدمير قرى الجنوب من الجو أفضل منه من البر"، تمامًا مثلما يزعجك رئيس تحرير "يديعوت أحرونوت" رافي غينات المحتار بين "توسيع الحملة البرية أم اتمامها من الجو" مصممّا على أن السؤال في "الاخلاقيات" صعب في هذه المرحلة علمًا بأن أمانته الصحفية توازي الحضيض بعد تورطه هو أيضًا بقضايا "الإفساد الصحفي" لمنعه تحقيقات تؤكد تورط شارون ونجله بقضايا الفساد المالي. وتهزّك وزيرة التربية والتعليم، يولي تمير، المسئولة عن ثقافة ملايين الأطفال الاسرائيليين حين تؤيد استمرار رائحة الحرب قائلة: "قتل الابرياء مؤسف، لكن علينا الاستمرار".

ولكن أكثر ما يهزّك من الداخل، هو ذلك الصحفي العربي المتبجح حين ينشر مقالة مسمومة إلى حد المؤامرة على صفحات "هآرتس" اليوم يدين من خلالها قصف المقاومة اللبنانية على شمال اسرائيل، مع أن تاريخ أمانته الصحفية انتهى رسميًا نتيجة قضايا لا تزيده شرفًا، وفقد مصداقيته منذ زمن، ولا يحق له التحدث باسم الفلسطينيين في الداخل حتى في سياق المقالة الشخصية، فيزعجك تمامًا كما تزعجك تقاليد السادية الاسرائيلية المغلفة بـ "الاخلاقيات"... ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو التعامل مع الطرفين اللبناني والاسرائيلي بناءً على نظرية "الطرفين" التي لا زالت تهيمن على النقاش حتى بعد مجزرة قانا. فهي بالتالي نظرية "مريحة" بمجملها إلى من يودون إمساك العصا من نصفها وإلى من يعشقون معادلة "أفضل الأمور الوسط" وإلى من "يعشقون لبنان ويفهمون اسرائيل" علمًا بأن الحقيقة مؤلمة، والواقع أشد ألمًا، ولا وسط للعصا، ولا مكان لمواقفهم...

لا وسط للعصا، لأنَّ رائحة جثث الأطفال التي تكسر صمت الليل الموحش في بيروت لا يمكن مقارنتها بأي رائحة في نهاريا؛ لأنَّ الملاجئ في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لا تستقبل فنانين ومشاهير اسرائيليين كما الحال في صفد وحيفا، ولأن النازحين من الجنوب لا ينامون في فنادق خمس نجوم مثل نازحي حيفا، ولأنَّ الأطفال في قانا لم يرسموا أشكالاً على قذائف الكاتيوشا التي سقطت على اسرائيل ولم يكونوا ضحية لثقافة الحرب كما الحال في اسرائيل حين تباهت"معاريف" باطفال اسرائيليين مساكين وهم يرسمون أشكالاً على القذائف الذكية قبل قصفها على أطفال مثلهم. لأن ضحايا الحرب في لبنان يتألمون وضحايا الحرب في الشمال يفرحون. ولأن في اسرائيل قتل 20 مدنيًا وفي لبنان 700.

علينا الالتفات في هذه المرحلة أن ما يميز هذه الحرب هو الدور الطاغي للضائقات الشخصية على مجريات الحرب. لذا، فالنقمة شخصية، والحرب ضد نصر الله ليست ايدولوجية انما شخصية، فقد كشف كتاب اسرائيل صدر قبل شهرين أن "اكتئاب بيغن خلق حرب لبنان الأولى"، والتاريخ يعيد نفسه، خاصة وأن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي، أودي آدم، تحتله النقمة الشخصية لسببين، الأول أن والده الجنرال قتل في أوائل التسعينات في لبنان، والسبب الثاني أن في حال انتهت حرب لبنان بهذه الطريقة مع تفوق عسكري لحزب الله فإن آدم أول من سيخلي مكانه نتيجة الهزيمة ونجاح حزب الله في اختراق الحدود الواقعة تحت مسئوليته واختطاف الجنديين من كتيبته. وآدم ليس وحده، ففي الحكومة عشرات الحالات المشابهة، ثمة من يريد اثبات نفسه عسكريًا مثل رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وثمة من تحتله العنصرية ضد العرب لمجرد كونهم عربًا، وثمة من يريد توريط اولمرت في الوحل اللبناني. وما يوحدهم أنهم يريدون اشعال المحيط وقتل المدنيين والابتعاد قدر الامكان عن الحل السياسي، لانهم مفلسون سياسيًا. لأن الحلول السياسية ستخلق الخلافات فيما بينهم. وما شاهدناه اليوم في قانا، ليس مجرد نقمة، إنها نقمة من الخسارة، وثمة بوادر جدية لولادة عقد عند الاسرائيليين بعد حرب لبنان الثانية، والتي ستتناولها الكتب الاسرائيلية مع بداية العام 2008.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018