بيت حانون... أي ثمن لهذا الموت؟!/ فراس خطيب

بيت حانون... أي ثمن لهذا الموت؟!/ فراس خطيب

لا ثمن لهذا الموت حين يختلط بالقهوة الصباحية. لا ثمن لهذا الموت حين لا يستأهل منّا الا صفنة ندمع في نهايتها وأحيانًا لا. هكذا، يتحول الموت إلى نقاش صباحي لا يحتدم على أثير الاذاعة. نقاش بين قائد كتيبة جيش اسرائيلية ينتظر نهاية خدمته للسفر إلى تايلند، ومقدم اسرائيلي لا تغضبه حتى المجازر في بيت حانون. نقاش يكون السؤال الأصعب فيه "هل فعلاً أخطأنا؟" فيجيب قائد الكتيبة "ليس بالضبط"... دعاية تجارية، يليها استعراض لآخر التطورات في قضية "مظاهرة مثليي الجنس"... هكذا يصبح الموت حدثًا يليه ما يدفنه. فيموت الموت.

صبيحة الأربعاء. لا شيء يغير تقاليد هذا اليوم، وماذا يعني أن يستشهد 23 فلسطينيًا؟! وماذا لو كان معظمهم أطفال؟! لا يعني شيئًا سوى ساعة من البث المباشر على أثير الاذاعات الاسرائيلية للحديث عن الموضوع. لا يعني شيئًا سوى صرخة يليها صمت يهيء لصمت قادمٍ. لا شيء، غير أنَّ عناوين الموت تحولت إلى جانبية في أسفل الصفحة: شهداء يحملون أرقامًا، وموت لا يقوى حتى على توحيد الصفوف... كان الموت ذات يوم يقوى. ولكن في الماضي البعيد.

في هذا المكان بشر يريدون العيش. على هذه الرقعة أطفال لا يعرفون أن للحياة نهاية. لكنّهَم باتوا يسألون عن نهايتهم. فالحرب لا تدلل موتاها مثلما ندلل أطفالنا. الحرب تدلل بيرتس واولمرت وحالوتس، تدلل أغبياءً ومجرمين لا ترويهم الدماء، فيعيثون بالأرض فسادًا وينهشون وينتهكون أمام صمت عربي أضاع تفسيره منذ زمن ليتحول إلى خيانة. خيانة لا يتمخض عنها ولا حتى تصريح مفصلي يرسم واقعًا جديدًا يرتقي ولو قليلاً إلى رهجة الموت. خيانة لا تقوى حتى على سحب سفير.

غدًا، سيصدر في حق غزة عشرون تقريرًا. سيصدر البيت الأبيض بيانًا يدعو اسرائيل (بالاتفاق معها مسبقًا) بـ "التروي" قبل هذه الخطوات. سيصدر الاوروبيون بيانًا مشابهًا يدعون في نهايته حكومة حماس بالاعتراف باسرائيل. هكذا تتوالى البيانات. وهكذا تنطفئ نار من سقطوا، وهكذا يظل السفير الاردني في اسرائيل، والمصري أيضًا. هكذا كان في السابق، وليس من مصلحة احد رفع سقف المعادلة إلى مستوى التحديات. هكذا سيموت الفلسطينيون اكثر، تمامًا مثل العراقيين. وأمام هذا الصمت المخجل سيجلس الفلسطينيون امام التلفاز ينتظرون خطابًا لتشافيز، لعله يفش خلقهم المعكر من طبيعية الموت.

لن يستفيق الفلسطينيون في غزة على واقع جديد. ولن تهمهم الحسابات الاسرائيلية الداخلية. لا يهمهم انَّ بيرتس أصدر قرارًا لوقف اطلاق النار في غزة. سيلملمون من بين جدران الجدار رماد الامس ويمضون إلى اليوم التالي. لكنّهم سيبنون جدارًا آخرً في قلب الجدار. سيبنون جدارًا من الكراهية تجاه المتواطئين من العرب واسرائيل. جدار لن يهدمه قائد ولا بلدوزر. جدار سيظل علامة فارقة للأبد تثبته أساطير الموت والطفولة وحياة تأتي من الموت.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018