الخطوط العريضة للتسوية مع الفلسطينيين حسب الرؤية الإسرائيلية../ حسن عبد الحليم

الخطوط العريضة للتسوية مع الفلسطينيين حسب الرؤية الإسرائيلية../ حسن عبد الحليم

حمل الأسبوع الأخير تصريحات لكبار المسؤولين الإسرائيليين ولأقطاب دائرة صنع القرار، أكدت مجددا المواقف الإسرائيلية المعروفة حول مبادئ التسوية مع الفلسطينيين. وتأتي تلك التصريحات بموازاة جهود حثيثة من أجل التوصل إلى اتفاق مبادئ مع السلطة الفلسطينية يتماشى مع الرؤية الإسرائيلية للتسوية، تمهيدا للاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي، جورج بوش، في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم. التصريحات التي حملتها الأسابيع الأخيرة تهدف ربما إلى خفض سقف التوقعات لدى مسؤولي السلطة الفلسطينية ممن وضعوا كل "بَيضهم" في سلة التسوية. ويمكن التوقع أن الإسرائيليين سيحاولون إرجاء بحث تفاصيل قضايا الحل الدائم مع الفلسطينيين والاكتفاء بصيغ عامة وفضفاضة تقبل عدة تأويلات، يملك القوي القدرة على تأويلها. كما وتنطلق الحكومات الإسرائيلية في طرحها للتسوية من الحفاظ على أغلبية يهودية في إسرائيل، ولم تستبعد الخطط الإسرائيلية التي طرحت مؤخرا إجراء تبادل سكاني بين مستوطنات وبلدات عربية داخل الخط الأخضر لتخفيف «الخطر الديمغرافي العربي».

يقف على رأس دائرة صنع القرار الإسرائيلي، مراوغ، تأثر بمدرسة كبير المراوغين شمعون بيرس، وهو إيهود أولمرت الذي يتلاعب بالكلمات وفي الصياغات ويحاول إظهار إسرائيل على أنها تنشد السلام مع جيرانها، معتبرا، اعتباطا، أن الاحتلال هو صراع بين المحاور. ويتحدث عن نيته لإحلال السلام دون الخروج من عقلية المحتل، ودون إبداء أي استعداد لإنهاء هذا الاحتلال. ويمكن أن نصف التسوية التي يتحدث عنها بأنها تكريس للاحتلال بأدوات فلسطينية، ولا تنتهي إلى اعتراف إسرائيل بالغبن والإجحاف الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني خلال عقود. ولا تنطلق تلك التسوية من استعداد أو إرادة لمصالحة تاريخية وحل الصراع.

قبل تناول التصريحات الإسرائيلية التي تلقي الضوء على شكل الحل النهائي من وجهة النظر الإسرائيلية، ثمة عوامل مشتركة بين كافة المواقف إذ أنها جميعا تتجاهل واقع الاحتلال، ولا تبدي نية لإنهاء احتلال المناطق المحتلة عام 1967، وترفض حق عودة الفلسطينيين وتتمسك بالقدس، هذا إلى جانب انتهاج سياسة مختلفة تجاه منطقة الأغوار وفصلها عن الضفة الغربية. كما وتستبعد المواقف الإسرائيلية أي تدخل مباشر في المفاوضات من قبل أي جهة خارجية.

وسنبدأ بتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، سربت من لقائه بوفد أعضاء الكونغرس الأمريكي نهاية الأسبوع الماضي. ووضع أولمرت النواب في صورة الحل الذي يراه، وهو ذاته الموقف الإسرائيلي المعروف في أقصى براغماتيته. وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» فإن أعضاء الكونغرس الأمريكي خرجوا من جلستهم مع أولمرت بانطباع- بأن أولمرت على استعداد لإقامة دولة فلسطينية على 90% من الضفة الغربية (لا يشمل القدس وربما الأغوار أيضا) مع الحفاظ على الكتل الاستيطانية الرئيسية تحت السيادة الإسرائيلية، مشيرا إلى أنه على استعداد لتسليم الفلسطينيين مناطق في النقب مقابلها. وذكرت الصحيفة أن أولمرت على استعداد لفتح الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة عن طريق إقامة جسر مرتفع أو ممر تحت الأرض. وعن القدس، أشار إلى أنه على استعداد لتسليم الفلسطينيين الضواحي العربية النائية من مدينة القدس، والتوصل إلى تسوية حول سيادة فلسطينية على الحرم القدسي. في حين يرى أن حل قضية اللاجئين ينبغي أن يتم بعودتهم إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى داخل الخط الأخضر، أي ليس إلى منازلهم وقراهم التي هُجّروا منها. وانطلاقا من هذه المواقف، أعرب أولمرت عن أمله في التوصل إلى اتفاق مع أبو مازن، وتكون نتيجة ذلك أن «تحصل إسرائيل على نقاط في المحافل الدولية»، وإتاحة المجال «لدول عربية كالسعودية ودول الخليج إلى إقامة علاقات مع إسرائيل».

ولا يختلف موقف أولمرت عن موقف «كبير السبط» شمعون بيرس، فحسب الخطة التي عرضها بيرس الأسبوع الماضي اعتبر أن الحل الدائم مع الفلسطينيين سينتهي إلى إيجاد «صيغ قانونية» لقضية اللاجئين، وتسليم الفلسطينيين الضواحي العربية النائية لمدينة القدس ورفع أي علم عربي أو إسلامي فوق مجمع المساجد، والحفاظ على الكتل الاستيطانية الرئيسية مع إمكانية إجراء تبادل سكاني بين بعض المستوطنات وقرى عربية داخل الخط الأخضر، للتقليل من «الخطر الديمغرافي العربي»، والحفاظ على أغلبية يهودية. ودعا بيرس إلى الامتناع إسرائيليا عن استخدام مصطلح "حدود عام 67" وتجنّب الحديث عن نسب مئوية من الأرض. واقترح في خطته أن تعتمد المرحلة الأولى من التسوية على معادلة «الأسرى مقابل الأمن»، بحيث: "يتم الإفراج عن أسرى فلسطينيين على مراحل بما يتناسب مع إنجازات الفلسطينيين في الجانب الأمني وبموازاة التقدم في الإصلاحات وبناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية". معتبرا أن "هذا المسار أفضل من نقل مناطق سيطرة للفلسطينيين الذين يعترفون أنهم غير ناضجين في الوقت الراهن لتولي المسؤولية على المناطق الفلسطينية". وعن القدس يقول: " يحصل الفلسطينيون على الضواحي العربية النائية للقدس، ويبقى «الحوض المقدس» على حاله. واقترح صياغة تعميمية في الاتفاق كـ: "كل ديانة تتولى مسؤولية إدارة أماكنها المقدسة". ولم يستبعد دراسة إمكانية « رفع علم عربي ما على الأقصى، سعودي أو إسلامي».

وزير الأمن إيهود باراك كان أكثر تشددا وأكثر وضوحا، فهو كرجل أمني، يختلف عن أولمرت وبيرس في تعاطيه مع القضايا ويتعامل معها بصورة أكثر مباشرة وأقل مراوغة. باراك استبعد التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين خلال السنوات القريبة القادمة على اعتبار أنه «لا يمكن دراسة فكرة الانفصال عن الفلسطينيين قبل توفير الحماية للإسرائيليين من الصواريخ، بدءاً من القسام وانتهاء بصواريخ شهاب». ورفض باراك حتى تفكيك الحواجز في الضفة الغربية معتبرا أن الأولوية بالنسبة له هي توفير الأمن للإسرائيليين. واعتبر موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، بتأييده للتسوية مع الفلسطينيين منقطعا عن الواقع. مشككا في قدرة القيادة الفلسطينية على توفير الأمن لإسرائيل في حالة التوصل إلى تسوية. وقد جاءت تصريحات باراك في تقرير نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في الحادي عشر من الشهر الجاري.

وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، المُحيدة عن دائرة صنع القرار، بسبب الخلافات مع رئيس الوزراء إيهود أولمرت وبسبب طغيان الأمن على السياسة الإسرائيلية، أُوكلت لها أو أًوكلت إلى نفسها مهمة إقناع الدول العربية على البدء في التطبيع مع إسرائيل. وترى ليفني في الخطوات الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية كرما زائدا تنتظر ثمنا مقابله، معتبرة أن «التطبيع على مراحل» هو ما تستحقه إسرائيل مقابل «البوادر الحسنة التي أبدتها تجاه السلطة الفلسطينية». وقالت في لقاء مع وفد من قادة المسلمين أثناء زيارتها للهند، يوم الخميس 16 أب الجاري: "مقابل الخطوات التي اتخذتها إسرائيل كتحويل أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية وتحرير أسرى فلسطينيين، من الضروري أن ترد الدول العربية والإسلامية بخطوات من جانبها".

وتحدثت ليفني عن دور المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية في التسوية مع الفلسطينيين من خلال «إستراتيجية الثلاث دوائر» التي تتبناها، «الدائرة الفلسطينية» و«دائرة الدول العربية والإسلامية» و«دائرة المجتمع الدولي». واعتبرت أن: "في الدائرة الأولى- ينبغي التعاون مع المعتدلين برئاسة أبو مازن وحكومة فياض، وفي نفس الوقت زيادة الضغط لنزع الشرعية عن حماس".
وترى في الدائرة الثانية التي تتكون من العالم العربي والإسلامي حاضنة لعملية التسوية، ويتطلب منها، برأيها، «دعم التسوية والمساعدة في انخراط إسرائيل في المنطقة عن طريق التطبيع على مراحل». وتعتبر أن مهمة الدائرة الثالثة، والتي تتكون من المجتمع الدولي، «منح الغطاء لعملية التسوية والمساعدة في بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية وبناء أفق اقتصادي للدولة الفلسطينية المستقبلية»، وبذلك استبعدت الدائرة الثانية والثالثة من التدخل في مجريات المفاوضات مع الفلسطينيين.

يمكن تلخيص الموقف الإسرائيلية بلاءات أربع، لا للانسحاب إلى حدود عام 1967، لا للانسحاب من القدس، لا لعودة اللاجئين، لا لتفكيك المستوطنات وجدار العزل. ويمكن اعتبار الرؤية الإسرائيلية للحل معادلة بين طرفين يمنح احدهما ما يريد، وعلى الطرف الآخر أن يقبل ما يعرض عليه وأن يعتبره كرما إسرائيليا ينبغي أن يقدم لقاءه الشكر والامتنان وقرابين الولاء.