الخدعة المدنية / إياد برغوثي

الخدعة المدنية / إياد برغوثي

ظهر على غلاف جريدة "يديعوت هتسفون" (أخبار الشمال) الأسبوعية، في عددها يوم الجمعة 30.10.2009، صورة لشاب أسمر ومئذنة مسجد، كتب على الغلاف بالخط الكبير"لا يشمل الخدمة"، عنوان التقرير الرئيسي لهذا العدد. يحكي التقرير عن أزمة المَلَكات (الوظائف الشاغرة الممّولة) غير المتوّفرة التي يواجهها سمسار الخدمة المدنية في منطقة كرميئيل، وعن الظلم الذي يواجهه "غير اليهود" في الحصول على فرصتهم لتأدية "واجبهم تجاه مجتمعهم ودولة إسرائيل"، حيث يتدفقون بحسب التقرير بالآلاف المؤلّفة للمطالبة بالحصول على فرصة الخدمة لكن الدولة لا توّفر لهم ملكات كافية!.

تلخّص الفقرة الأولى من التقرير الإستراتيجية الإعلامية لمروّجي الخدمة المدنية الإسرائيلية، "يزداد في السنوات الأخيرة عدد أبناء الوسط غير اليهودي المطالبين بالتطوع للخدمة القومية. تعمل في الشمال أجسام وجمعيات عديدة على تجنيد مئات الشباب في السنة، تُرفض غالبيتهم بسبب عدم وجود ملكات. تناقض هذه الأرقام الرأي السائد في الشارع الإسرائيلي أنّ عرب إسرائيل غير مستعدين لخدمة الدولة". أما في نهاية التقرير فمربع إخباري فيه صورة لفتاة ترتدي حجاب تسلّم بمشاعر مختلطة على مسؤول إسرائيلي يسلّمها "شهادة مسرّحة". صورة بشعة وخادعة.

في الثاني من تموز الماضي استقال رؤبين جال، مؤسّس ومدير مديرية الخدمة المدنية-القومية، بعد ستة أشهر فقط من بداية عمل هذه المديرية، وادعى أن استقالته تأتي بسبب تسييس وتحزيب المديرية بعد تدخّل رجالات حزب "هبايت هيهودي" (المفدال سابقًا) في شؤون عمله، خصوصًا بعد أن انتقلت ميزانيات هذه المديرية إلى وزارة العلوم وبعد إصرار التيار الديني-القومي الصهيوني على السيطرة عليها بشكل مطلق خلال مفاوضاتهم على دخول الائتلاف الحكومي الحالي، وعلى توزيع مواردها على قطاعهم الاجتماعي ومؤسساتهم. وقد صرّح غال علنًا أنّ الوزارة تعطي كل الملكات، التي تكلّف الواحدة منها 25 ألف شيكل، إلى "جماعتهم" ولا يوزعونها على القطاعات الأخرى. والأهم من ذلك هو أن رؤوبين غال صرّح أنّ الوزير رفض العمل على سنّ قانون يفرض الخدمة المدنية وعلى إطلاق حملة إعلامية واسعة النطاق من أجل تشجيع التجنّد للخدمة المدنية.

آتي بهذه التفاصيل كي أسأل: ماذا يجري حقًا في مديرية الخدمة المدنية-القومية؟ وكيف تساعدنا هذه التفاصيل، بالإضافة إلى تفكيك الخطاب الإعلامي لمروّجي الخدمة القومية الإسرائيلية، على كشف أقنعة هذه الخدعة الأمنية؟

إن أكثر استنتاج ملفت للانتباه برأيي من عدم توّفر الملكات، هي أنّ المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة أرادت خلق صراع داخلي حقيقي حول موارد وهمية، أي أنها أرادت إحداث انقسام سياسي واجتماعي داخل الفلسطينيين في الداخل، بين القيادات وبين الناس، وخلق قيادات وتوجهات سياسية جديدة تقبل بمعادلة الواجبات والحقوق في الدولة اليهودية. أرادوا اختراقنا كمجتمع، من خلال الترويج لمنظومة أمنية-سياسية تلبس قناعًا "اجتماعيًا" و"مجديًا" قد تقتنع شريحة من مجتمعنا بضرورة استغلالها "بذكاء" رغم كل شيء، كما أصرّوا على إظهار أنّ هذه الشريحة هي أغلبية الجمهور العربي وأنّ القيادة الحالية والمؤسسات الوطنية الفاعلة لا تمثّلها ولا تؤثّر عليها.

وعلى هذا الأساس حاولوا، من خلال "أبحاث علمية" و"استطلاعات مهنية" إظهار أنّ الشريحة التي تقبل بالخدمة المدنية هي أغلبية المجتمع والسواد الأعظم من الشباب، فبحث بروفيسور سامي سموحا روّج أن 75 % من الشباب العرب يؤيدون الخدمة المدنية، واستطلاع عام آخر أجرته المديرية ادعى أنّ 91 % من الشباب العرب يؤيدون الخدمة !. لقد حذّرنا في حينه من الحرب الإعلامية النفسية المكشوفة، والتي صنعت كي تشوّه الواقع وتخدع الرأي العام العربي وتهزّ ثقتنا بنفسنا وبمجتمعنا. لقد أظهر استطلاع مهني لجمعية الشباب العرب بلدنا أجراه معهد يافا للأبحاث وشارك فيه 515 شابًا وشابة من جيل 17-22 من كافة مناطق وقطاعات المجتمع العربي أظهر أن أكثر من ثلثي الشباب يرفضون الخدمة المدنية من منطلقات قومية ووطنية سياسية، وأنّ غالبية المؤيدين لها تريد التطوع للمجتمع.

يجدر التوقف هنا عند مفهوم التطوع الذي شكّل طُعَم الصيد وقناع الخدعة، إن مصدر هذا المصطلح في سياق خطاب مروّجي الخدمة المدنية-القومية الإسرائيلية هو من القاموس العسكري، أي يعني الخدمة الطوعية غير الإجبارية، خدمة اختيارية بدون فرض قانوني إلزامي، تمامًا مثل الخدمة الطوعية في الجيش. لقد استغل السماسرة والمروّجون هذا المصطلح للتسويق وغيّروا معناه تمامًا وشوّهوه.

أما الاستنتاج الأخطر من حقيقة عدم وجود ملكات، هو أنّ القبول التدريحي لمعادلة الواجبات مقابل الحقوق وقبول الخدمة المدنية-القومية هو فعلاً كما كرّرنا دائمًا تمهيد للخدمة العسكرية الطوعية، "الخدمة المدنية طريقك للجيش" هو شعار دقيق. سيذهب الشاب العربي الذي اقتنع أنّ عليه أن يؤدي واجباته ليحصل على حقوقه لينضمّ إلى الخدمة المدنية، لن يكون هناك "ملكات" كافية، وسيكون خيار الخدمة العسكرية متاحًا أمامه. لقد أعلنت مديرية الأقليات في قسم القوى البشرية في جيش الاحتلال في 15 شباط هذا العام أنّ هدف القسم هذه السنة هو زيادة عدد الخادمين المتطوعين من أبناء الأقليات، بعد تراجع عدد المتجندين البدو بسبب نشاط الحركة الإسلامية في النقب (حسب بيانهم الإعلامي) وأن تركيز الجيش سيكون على تجنيد العرب المسيحيين.

وتأتي تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكنازي، خلال اجتماع في القدس أمام مديري المدارس الثانوية يوم 02.12.2009، حول دعمه لفرض الخدمة المدنية على كافة الشبان في البلاد، ومنح الجيش الإسرائيلي حق اختيار المناسبين للجيش من بينهم، بسبب انخفاض النسبة العامة للمتجندين في الجيش، لتؤكّد على العلاقة الوثيقة والتكاملية بين هاتين الخدمتين الأمنيتين، وتشير إلى احتمالات تصعيد في هذا الاتجاه.

إن تأثير الخدمة المدنية والعسكرية، التي اعتقد أنهما قسمين في نفس المؤسسة، هو تأثير خطير على الفرد والمجتمع الفلسطيني في الداخل، ورفضنا لهما هو رفض سياسي مبدأي وقاطع ولا حاجة لشرحه من جديد، نحن أصحاب الوطن وحقوقنا الوطنية والفردية تنبع من كوننا سكان البلاد الأصليين، وأننا لن نخدم مضطهدنا.

لقد أثبت العمل الجماعي والموقف الموّحد أننا نستطيع أن نفرض موقفنا ونرفض أن نقبل مخططات سلطوية تصادر حقوقنا وتشوّه هويتنا الوطنية والقومية وتقسّمنا وتخترقنا، لقد استطعنا من خلال حملة واسعة، في الحقيقة هي أوسع من حملة الائتلاف الشبابي للخدمة المدنية التي كانت حملة بارزة ومهنية وملفتة للانتباه، فهي مجمل المواقف الصادرة عن لجنة المتابعة العليا والأحزاب والحركات السياسية والجمعيات العربية والنشاط الهائل الذي قامت به القوى الوطنية الشبابية الحزبية والأهلية، ومشاركة الصحفيين والفنانين والمثقفين في الحملة الجماعية.

إن إعادة تفعيل الائتلاف الشبابي ضد الخدمة المدنية كإطار وطني جامع وتفعيل مركباته الحزبية والحركات الشبابية المحلية جماهيريًا وميدانيًا ضمن هدف استراتيجي هو دفن هذا المخطط نهائيًا وفضح حقيقته العسكرية والصهيونية، وزيادة التعاون مع لجنة المتابعة من خلال لجنة مناهضة الخدمة المدنية واتحاد الجمعيات العربية والسلطات المحلية والمؤسسات الوطنية القطاعية، وخصوصًا المؤسسات والحركات النسائية، حيث أكّدت كل المعلومات أنّ الشابات العربيات هن جمهور الهدف لسماسرة الخدمة المدنية.

أنا لا أعتقد أن علينا أن نأتي ببديل عن الخدمة المدنية الإسرائيلية، بل علينا أن نستمر بالنضال السياسي من أجل حقوقنا ومستقبلنا في وطننا، بالوقت نفسه يجب أنّ نعمل كمجتمع، وهذه مسؤولية جماعية، في سدّ احتياجات الشباب وخصوصًا في مجال توفير فرص التطوع والأطر الاجتماعية والتوعوية لخريجي المدارس الثانوية، والعمل على توفير صندوق منح قومي للطلاب الجامعيين العرب، على سبيل المثال.