المحرقة وسلب فلسطين/ حسن عبد الحليم

المحرقة وسلب فلسطين/ حسن عبد الحليم

يحتدم الجدل حول قرار النائب محمد بركة(الجبهة والحزب الشيوعي) المشاركة في إحياء ذكرى المحرقة اليهودية في معسكر أوشفيتس في بولندا. جدل برأيي كان ينبغي أن يكون محسوما منذ وقت طويل. فلو لم تسلب فلسطين لكان موقف بركة إنسانيا صرفا، ولكن الأمر ليس على هذا النحو.

لقد استغلت الصهيونية المحرقة لكسب عطف العالم من أجل دفع مشروعها الاستعماري الإحلالي المتمثل بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين وعلى حساب الفلسطينيين. وكانت جرائم النازية مبررا لجريمة احتلال فلسطين واقتلاع أهلها.
لا تنفصل كارثة اليهود عن إقامة كيان غاصب في فلسطين، بل هي الضلع الأول في مثلث ذرائع إقامة هذا المشروع: المحرقة والحق التوراتي والشتات. أي أن سلب فلسطين واقتلاع أهلها مرتبطان بالمحرقة، وما الشعب الفلسطيني سوى الضحية الثانية للكارثة اليهودية.

لقد تحول الصهيونيون بعد سلب فلسطين من من ضحية إلى جلاد، إلا أن هذا الجلاد بقي يلبس وجه الضحية ويذرف دموع التماسيح على المحرقة، في حين ما زال كأس المر يدور على الفلسطينيين حتى يومنا هذا، ومن يد من ؟ من يد ضحية المحرقة.

ارتكبت النازية جرائم تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية، بلا شك. ولكن ضحية الأمس، جلاد اليوم ارتكب وما زال يرتكب جرائم أبشع وأفظع بحق شعبنا الفلسطيني. فمع من نتضامن مع الضحية أم مع ضحية الضحية.. فما بالك إذا كنا نحن الفلسطينيين ضحية الضحية، هل نتضامن مع جلادنا، في كارثة برر فيها جرائمه بحقنا، برر فيها كارثتنا..

تستخدم المحرقة ايضا لمحاربة اي منتقد أو معارض لإسرائيل. فاتهام المنتقدين والمعارضين السياسيين بأنهم لاساميون مشتق من المحرقة ومن الكارثة. ورغم أنه تبرير واه ومبتذل إلا أنه يلقى نجاجا منقطع النظير والأمثلة كثيرة.

لا شك بأننا نتعاطف مع ضحايا النازية في البعد الإنساني، ولكننا غير مستعدين للمشاركة في الاستخدام السياسي لها. وحتى لو أردنا التضامن مع الضحايا بمعزل عن المعانى السياسية، هل نقوم بذلك ضمن وفد صهيوني رسمي؟ وفد بيمينه ويساره مشارك في الجريمة ومغال في التطرف ضدنا.
هل نحن بحاجة لإثبات إنسانيتنا، أمام مشروع لا إنساني؟

إن التعاطي الإسرائيلي مع المحرقة هو سياسي صرف، ولا علاقة له بكل ما هو إنساني. فلو لم تسلب فلسطين، ولو لم تقع الكارثة الفلسطينية لكانت المحرقة حقا قضية إنسانية ولكانت خطوة بركة مباركة. ولكن بركة، ابن "صفورية" المهجرة، الذي اعتبر سفينة كسر الحصار التي نظمتها هيئة كسر الحصار في الداخل ومنعت «سلطات ضحية الكارثة» إبحارها إلى غزة المحاصرة، «خطوة لإظهار إسرائيل أكثر إنسانية»، لا يستبعد عنه شيء .

إن قرار المشاركة في إحياء ذكرى المحرقة، وفي وفد إسرائيلي رسمي، يعتبر تزلفا مبتذلا وتملقا للمؤسسة التي تضطهدنا. هو فقدان للبوصلة.. إذا كان هناك بوصلة أصلا.