استنتاجات مونديالية../ ماجد عزام*

استنتاجات مونديالية../ ماجد عزام*

مونديال جنوب إفريقيا الأخير قد يمثل نقطة مفصلية في تاريخ كرة القدم، ليس فقط نتيجة التنظيم الجيد من الدولة المضيفة، وإنما لما شهده من تغيرات على خريطة القوى الكروية وأخطاء تحكيمية بالجملة دعت أمين عام الفيفا للتأكيد على أن هذا المونديال سيكون الأخير بالنسبة للنظام التحكيمي المتبع منذ عقود.

لا يمكن التشكيك في نجاح جنوب إفريقيا في تنظيم البطولة بشكل أكثر من جيد، ورغم بعض الثغرات إلا أن ذلك لم يؤثر على التقييم العام الذي أعطي لجنوب إفريقيا من قبل الفيفا كما معظم المشاركين وحتى القادة السياسيين- المستشارة انجيلا ميركل مثلا- ذلك سينعكس إيجابا ليس فقط رياضيا وإنما سياسيا أيضا.

فعلى الصعيد الرياضي سيعني أن فكرة المداورة بين القارات ستستمر وستواصل القوى النامية والصاعدة في آسيا وإفريقيا تنظيم هذه البطولة إضافة إلى فعاليات دولية أخرى. أما سياسيا فالبطولة ستزيد ثقة قارة إفريقيا بنفسها وبقدراتها الذاتية، وستكرس التلاحم والانصهار الوطني في جنوب إفريقيا بشكل خاص، كما الرغبة في مواجهة مزيد من التحديات مثل تنظيم الألعاب الأولمبية بعد عشر سنوات 2020 كما قال رئيسها جاكوب زوما.

رياضيا يمكن الحديث عن عدة أمور. ما زالت الهيمنة واليد الطولى للبرازيل وأخواتها أو شبيهاتها. وهنا يمكن الحديث عن إسبانيا-وليس البرتغال- كبرازيل أوروبا وغانا طبعا -كانت وما زالت- كبرازيل إفريقيا.

نحن هنا نتحدث عن البرازيل ليس في صورة منتخب 1970 الأسطوري وإنما في صورة 1994 و2002 منتخب منضبط تكتيكيا يتمتع بلياقة بدنية عالية ودفاع قوى ويطوع المهارات الفردية لصالح الأداء الجماعي. ببساطة كانت اسبانيا برازيلية أكثر من البرازيليين أنفسهم .

برازيل إفريقيا، أي غانا، كانت تستحق حتما مكانا في نصف النهائي لولا الغشاش سواريز ويد الشيطان خاصته. وهنا أيضا يمثل الأداء الغاني البرازيلي الذي أضفى لمسة جمالية وتكتيكية عل الطابع الإفريقي التقليدي سببا لزيادة ثقة القارة بنفسها، وإمكانية فوز منتخب إفريقي بالمونديال لم تعد سرابا أو حلما مستحيلا، خاصة بعد فوز غانا نفسها ببطولة العالم للشباب العام الماضي وعلى حساب الأصل البرازيلي.

أوروبيا ورغم السقوط المدوي لإنجلترا وإيطاليا وفرنسا العائد أساسا إلى إنهاك في البطولات المحلية-انجلترا- والأخطاء الفنية والإدارية –فرنسا- وهيمنة الأجانب على أندية القمة -إيطاليا- إلا أن الأهم أوروبيا يتعلق بألمانيا وهولندا اللتين تبادلتا المواقع، فباتت ألمانيا تلعب بطريقة 4-3-3 ذات الطابع الجمالي مع لمسة مهارية أضفاها الدم الجديد واللاعبون ذوو الأصول الأجنبية على الأداء التقليدي المنضبط والجاد والقوى.

أما هولندا فباتت أقرب إلى الطابع الأوروبي والألماني التقليدي في تخل واضح عن المدرسة البرتقالية الشاملة والعريقة، واهتمت أكثر بالدفاع والخشونة والعنف، وبالنتيجة بغض النظر عن الأداء الجمالي محق تماما العبقري يوهان كرويف الذي قال إن هولندا باتت تلعب كرة قبيحة وعنيفة.

لابد من الإشارة إلى أن هذا المونديال كرس حقيقة التقارب في المستوى بين المنتخبات المختلفة، فهكذا تعادلت نيوزيلندا مع إيطاليا، وفازت سويسرا على البطل إسبانيا، وصربيا على ألمانيا، وأوروغواي بصعوبة بالغة على غانا، كما فعلت جارتها باراغواي مع البابان. هذا عائد إلى التقدم التكنولوجي وتدفق المعرفة والتداخل بين المدارس الكروية المختلفة وازدياد عدد اللاعبين المحترفين من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وحتى آسيا ضمن كبرى الدوريات في العالم.

كما أسلفنا فهذا المونديال سيكون الأخير بالنسبة للنظام التحكيمي الحالي –ثلاثة حكام دون التكنولوجيا- ربما سيكون هناك خمسة حكام واعتماد نسبي ومحدود على التكنولوجيا خاصة فيما يتعلق باجتياز الكرة لخط المرمى، وفي كل الأحوال بات النظام باليا وقديما قياسا إلى التطور التكتيكي والهائل الذي تشهده اللعبة.

في الأخير اعتقد أن المونديال افتقد إلى بطل إفريقيا في النسخ الثلاث الأخيرة أي منتخب مصر. المنتخب الجزائري الشقيق لم يسرق بطاقة التأهل ولكن أبطال إفريقيا و أبو تريكة وزملاءه كانوا يستحقون مكانا بين الكبار-هم الآن رقم تسعة وفق التصنيف الأخير- وبعيدا عن "لو" اللعينة كنت شخصيا مستعدا للمراهنة على وصول المنتخب المصري لدور ربع النهائي على الأقل. تقارب المستويات وتراجع قوى تقليدية زاد الحسرة المتمثلة بغياب المنتخب العربي الوحيد القادر في الوقت الحالي على مقارعة المنتخبات الكبرى.

كلمة لابد منها: منتخب الأرجنتين -ميسي ورفاقه- وصل إلى دور ربع النهائي بدون مدرب، وفقط يجب تخيل ما الذي كان بإمكان منتخب التانجو فعله مع مدرب بالمعنى الحقيقي للكلمة مثل مدرب باراغواي مثلا، وهو بالمناسبة أرجنتيني أيضا.