أحمد، سيّد العطاء أنت/ أنطوان شلحت

أحمد، سيّد العطاء أنت/ أنطوان شلحت

(*) ماذا أفعل بحزني عليك، الذي يأبى أن يفارقني منذ أن رحلت دون استئذان، على غير عادتك دومًا؟ بل هل كان من الضروري أن ترحل الآن أصلاً؟.

في وقت مضى، بل حتى ساعات قليلة قبل رحيلك، لم أكن آبه بأية حالة حزن تنتابني أو توشك أن تنتابني. هل تدري لماذا؟ لأني، بمنتهى البساطة، كنت أجد عندك العنوان للشكوى والتفريغ واستمداد القدرة على تجاوز الحالة العابرة، وأكثر من هذا استمداد القدرة على الفرح ومواصلة الطريق الصاعد إلى الجلجلة. ويقينًا أنّ مثل هذا المراد لا يجده المرء حتى لدى أخوة له.

ليس هذا فحسب، فقد كنت أجد فيك أيضًا العنوان للاستشارة والاستزادة في شؤون كبيرة وصغيرة، تبدأ بالهموم الشخصية والأسرية ولا تنتهي بالهموم العامة. كما كنت المرجع الثقة الذي طالما سدّ ثقوبًا سوداء في معلومة معيّنة أو ظاهرة ما أو حتى في نبأ صغير ليس في وسع أحد غيرك أن يكمل دائرته وإحالاته، لتكتسب الأشياء معناها أو تعود إلى أصولها الحقيقية، بعد أن جعلتها الفروع غائمة عن البصر والبصيرة.

نعم، كنت ذلك كله وأكثر.

هل قلت كنت؟.

وهل يعني الفعل الماضي الناقص هنا أننا نقصنا شيئًا؟ وأنك ستتركني فريسة للحزن، فلا أجد في الحياة، من بعدك، من يعوّض عن هذا الفقدان الذي لا يشبه البتّة جميع فقداني إلى الآن؟.

لقد شكّل اكتشاف أنك كنت كذلك لجميع من ربطتك بهم أو ربطتهم بك علاقة أو وشيجة بعض العزاء.

لكن عندما أعود إلى ذاتي لا يبقى معي سوى حزني.

(*) السنوات القليلة التي قضيناها معًا، بحلوها ومرّها، تركت فيّ الكثير من الانطباعات الشخصية. وعندما حاولت أن استرجعها بوتيرة شريط متحرّك انضغطت، مثلما ينضغط النور في الماس، في جوهر واحد: أنك سيّد العطاء.
فليس قليلاً عليك القول إنك قضيت عمرك وأنت تعطي وتعطي وتعطي. مسيرة من عطاء لا ينضب ولا يعرف حدودًا، عطاء أكاد أقول إنه ماركتك وحدك.
الآن وقد ترجلت عن صهوة العطاء، لسبب خارج عن إرادتك، من حقّك أن تأخذ بعض ما تستحق. وليس ذلك إلا النزر اليسير من ردّ الجميل إليك، الذي لم تنتظره يومًا ولم يكن في واردك أبدًا. غير أنّ مثل هذا الردّ سيكون المحكّ لمعدن قوافل الناس الذين أكلوا مما زرعت وحصدوا مما بذرت، ولمعدن الأرض التي ظللت تتوسّم فيها الطيبة حتى وهي توشك أن تجدب بفعل فاعل معروف.

(*) في آخر "جلسة سمر خليوية" تواعدنا على أن نتصدّى لصنف بائس من كتابة الكراهية الذاتية، التي كنت تمقتها أشدّ المقت، كما عبّر عن ذلك مقالك/ تعليقك الأخير الذي سيبقى بمثابة وصية. وكنا قد لاحظنا إتقان البعض عندنا سلوك منزلق هذه الكتابة من على صفحات الصحف العربية في الخارج، شرط. ولم يتيسر لنا الأمر. وما كنت أدري أنّ الموت الواقف لك في المرصاد سيجعلنا نخلف هذا الوعد، الذي وإن وفيت به وحدي عاجلاً أم آجلاً فسيبقى مفتقرًا إلى إسهامك بما لذّ فيه وطاب، كما هي إسهاماتك كافتها. ولن يسعفني أحد في الإجابة عما فكرت بشأن ما يتعيّن أن ينطوي عليه هذا التصدّي. وسيظلّ يؤرقني سؤال واحد: هل داعبتك فكرة محدّدة جعلت شرايين قلبك تنسدّ فتحبس عنك النفس وتجعلنا محبوسي الأنفاس، في انتظار التماعة جديدة من فوق مرقدك في قمة الجبل الذي لم يعد مجرّد تضريس جغرافي بعد أن أصبح يحتضن رفاتك الطاهر؟.

(*) يا أخي أحمد، فقط في لحظة الوداع أدركت أنه وداع دون إمكانية أمنية أدمنّا بساطتها: إلى اللقاء.

مع ذلك سيكون لنا لقاء مع ما يبقى حيًّا منك، دائمًا وأبدًا. وهذا هو أضعف الإيمان.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018