إنقسام في إسرائيل مقابل شعوب عربية موحدة../ عوض عبد الفتاح

إنقسام في إسرائيل مقابل شعوب عربية موحدة../ عوض عبد الفتاح

يستدل من الجدل الجاري في إسرائيل، الذي فجره صمود المقاومة الإسلامية في لبنان والمتصل بكيفية التعاطي مع نتائج هذا العدوان وتحديد المسؤول عن الإخفاق، أن المشهد السياسي الإسرائيلي سيشهد جولات عديدة من الصراع والتنازع حول كيفية الخروج من هذا المأزق قبل بلورة المعالم النهائية للمشهد للسنوات القليلة القادمة.

ويمثل العامل الشخصي في هذا التنازع دوراً بارزاً ولافتاً. إذ يدور الصراع والخلاف حول من يتحمل المسؤولية، ومن يجب أن يدفع الثمن. ويأتي الإعتراف بالمسؤولية من رئيس الحكومة الإسرائيلية جزئياً وناقصاً، ويلجأ تحت الضغط الى لجنة حكومية بدل لجنة رسمية للتهرب من تحمل مستلزمات الإعتراف بالمسؤولية. إن جذور الصراع: القضية الفلسطينية ومصير الإحتلال في فلسطين والجولان ولبنان غير مطروحة في حساباتهم الراهنة.

أما وزير الأمن الهاوي عمير بيرتس، فهو يطالب بزيادة ميزانية الأمن الإسرائيلية بمبالغ هائلة لتمكين الجيش خوض المعركة القادمة مع المقاومة اللبنانية وربما مع أطراف عربية أخرى. وهذا أيضاً نوع من الهروب من المسؤولية، وكأن الجيش كان ينقصه معدات وتدريب وأسلحة حديثة، او تنقصه وحشية منقطعة النظير. وهذه التوجهات تواجه نقداً من محللين عسكريين إسرائيليين معروفين الذين يعزون الإخفاق الى قدرات حزب الله والجهوزية العالية لقيادته السياسية والعسكرية ومقاتليه.

وقد اكتسبت نزعة الهروب من المسؤولية لدى القادة الإسرائيليين زخماً هذا الأسبوع على أثر إعتراف الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، بعدم توقعه لحرب إسرائيلية شاملة بعد خطف الجنديين. وحاولوا أن يعرضوا هذا الإعتراف، الذي جاء في إطار الشفافية التي عوّدنا عليها قائد حزب الله، وكأنه تأكيد للإدعاء بأن الحرب الإسرائيلية حققت هدفها الردعي. هكذا يجري وفي ضوء غياب التجنّد الواسع، حتى الآن، حول المطالبة بإقامة لجنة تحقيق رسمية، تعظيم ما يعتبره اولمرت وقادة عسكريون إنجازات، وتبخيس إنجازات حزب الله.

هكذا يتداخل الشخصي مع العام في إسرائيل على مذبح الصراع من أجل النجاة - شخصياً وحزبياً وهو أمر لم تعرفه إسرائيل على هذا النطاق إلا مؤخراً- في العقد الأخير. وهي فترة تتمّيز بهبوط مستوى السياسة في الدولة العبرية الى الحضيض.

ولكن لا يجوز التوهم بأن هذه المعطيات تحول إسرائيل من دولة ذات مؤسسات الى شبه دولة، كما هو حاصل لدى الدول العربية، او أن الجيش الإسرائيلي لم يعد ذلك الجيش القوي. وبالتأكيد أكثر من يدرك هذه الحقيقة هو حزب الله. ولذلك فقد كان جاهزاً للحرب التي شنتها إسرائيل، ولم تشكل قوة هذا الجيش رادعاً لمنازلته وتلقينه درساً مريراً.

ولذلك فإن إسرائيل وتحت ضغط الإخفاق والرغبة في الإنتقام، وتحت ضغط المطالبة بالمحاسبة والمساءلة للقيادات، ليست مهيأة للتفكير بمخارج سياسية لمجمل الصراع، رغم أن المعطيات الجديدة الناجمة عن هذه الحرب المتمثلة في تداعيات صمود حزب الله، وتعزز قوة الردع لدى إيران وميل سوريا لتقليد المقاومة اللبنانية، وتأثر حركات مقاومة مثل حماس وغيرها من نتائج هذه الحرب، تفترض منطقياً التوقف ملياً وإعمال العقل.

على أية حال إن الأصوات التي تتبنى هذا الإتجاه من داخل حزبي العمل وميرتس، تعيش أوهاماً قاتلة. وطروحاتها لا ترقى الى الحد الأدنى من المطالب العربية إذ لا تزال مفاهيم العدالة غائبة عن الخريطة السياسية الإسرائيلية بيمينها ويسارها. لكن هل الأمر سيظل على هذا النحو. هل لن تؤثر نتائج الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان على عقلية النخبة الإسرائيلية والمجتمع اليهودي في البلاد.

إن ما يتغاضى عنه الإسرائيليون، وفي مقدمتهم رئيس حكومتهم ومستشاروه وحاشيته هو ان التهديد العربي لعدوانيتهم لن يكون محصوراً في لبنان، فحتى وإن حدّ قرار مجلس الأمن 1701 من حرية حزب الله العسكرية، والتي يعتبرها اولمرت نصراً، فإن نموذج وثقافة المقاومة او على الأقل فإن موجات من الكراهية لإسرائيل بسبب الحرب الأخيرة، تجتاح وتتفاعل داخل الشعوب العربية من المحيط الى الخليج.

أي أنه إذا كانت إسرائيل منقسمة على نفسها بخصوص إدارة الحرب ونتائجها، فإن الشعوب العربية موحدة بالكامل تقريباً حول المقاومة. وتحاول إسرائيل الرسمية الإستعانة بوقوف أنظمة عربية الى جانبها في هذه الحرب ضد حزب الله لتعظيم إنجازاتها وموقعها القوي المزعوم. إن النقاش الداخلي في الساحة اللبنانية رغم خطورته لن يُغيّر جوهرياً من هذا المعطى الجديد على ساحة الوطن العربي ومن تداعياته المستقبلية - القريبة المحتملة على السياسة العربية.

ويمكن تخيّل مدى التغيير الذي سيحصل إذا نفضت الأحزاب العربية وقيادات الحركات السياسية الوطنية والقومية والديمقراطية الغبار عن آليات عملها القديمة والجامدة، وربطت نفسها بالشارع وبرامجها بالواقع، وفي صلبها الديمقراطية والتنمية والحرية. وبالتالي قلب الطاولة على أتباع أمريكا. ويمكن ايضاً تخيل مدى التغيير والتقدم ومسيرة النضال الفلسطيني لو تمكنت الحركة الوطنية الفلسطينية من إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018