بغداد الرشيد أصلب من الحديد/نضال حمد

بغداد الرشيد أصلب من الحديد/نضال حمد

" يا فرسا كانت ترد العين
رايتها تذرف دمعتين
في دمعة
تبكي على حسن
ودمعة
تبكي على الزمن "

بهذه الكلمات الجميلة والواضحة كشمس الصحراء العراقية، للشاعر الفلسطيني الراحل شكيب جهشان، أبدأ رسالتي لضحايا هولاكو العصر الجديد، و لشهداء الشعب العراقي الذي يدافع عن عروبة الأرض العربية وعن صوت الأمة الذي يريدونه خافتا وصامتا, صوتنا الذي تعلمنا أن يظل عاليا رغم ظلم حكامنا وأجهزة قمعهم وتعسفهم التي تشبه أجهزة قمع الذين يحاولون اليوم احتلال العراق وتحطيم جيشه وتقسيم ترابه واقتسام ثرواته ومستقبله،

كل هذا بحجة أنهم يريدون إرساء الحياة الديمقراطية وتعليم العرب فن الحكم الإنساني والعادل، وكأن سياسة بوش تقطر عدلا وتمطر مساواة، ألم تكن الإدارة الأمريكية هي التي ساعدت وأسست لكافة الأنظمة الظالمة في العالم الثالث الذي أرادته أمريكا عالما ثالثا ورابعا وعاشرا كي تواصل هيمنتها على ثروات الشعوب، عبر تلك الأصناف من الحكام. أنها أمريكا التي فقدت عصاها الديمقراطية السحرية بعد حوادث التفجير التي اجتاحتها قبل سنتين فأخذت تمارس سياسات غير ديمقراطية شرعت التمييز العرقي والديني بين المواطنين في الولايات المتحدة، ثم أقامت معسكرات اعتقال لأعضاء طالبان والقاعدة تعتبر الأسوأ في العالم، وتشبه إلى حد بعيد حظائر الحيوانات، كما أنها لم تعترف بهم كأسرى حرب. وبعد كل هذا الكم الهائل من الخروقات للمعاهدات الدولية ومعاملة البشر والمعتقلين والأسرى تأتي أمريكا وتحتج على عرض أسراها في العراق على شاشات التلفزة.

إنه الزمن الأمريكي نجده أيضا على الجهة الأخرى في فلسطين، حيث الجرح النازف بلا توقف وحيث تحاول أيضا زمرة الحكم التي تقود الكيان الإسرائيلي مدعومة بكافة أشكال الدعم الأمريكي البريطاني، كسر شوكة الشعب الفلسطيني وسلبه حقه في الحرية والحياة, عبر ممارسة القهر وتفعيل سياسة التصفية والقتل والتدمير المنظم للبنى التحتية الفلسطينية، وتهديم البيوت وتجريف الأراضي الزراعية كنوع من الضغط على الشعب الفلسطيني ومحاولة إجبار الإنسان الفلسطيني التخلي عن حقه المشروع في محاربة الذين يحتلون أرضه ويزرعون الخراب والدمار والأهوال في وطنه.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن لكل أعداء الأمة العربية مصلحة في الحرب الدائرة في العراق فأن هذا بحد ذاته يجعل تخوفنا من تقسيم بلد المنصور إلى دويلات طائفية وعرقية هزيلة تقوم في الشمال والجنوب والوسط أمرا أكيدا ومحتوما في ظل التقاء تلك المصالح. هنا تكمن المخاوف وتكمن التساؤلات ومنها السؤال المهم والذي يتعلق بالأساس بالشعب الكردي الذي تعرض لأبشع أنواع القهر والظلم، وبقيادته السياسية التي اختارت التحالف مع الغزاة مخالفة بذلك التاريخ الوطني العريق للأكراد في التصدي للاستعمار والغزاة في العراق والبلاد المجاورة.

قد يقول البعض أن للأكراد ما يبرر موقفهم المذكور، نعم للأكراد حق طبيعي في العيش بسلام وأمان وحرية ومساواة وحكم ذاتي حقيقي في العراق وفي كافة الأراضي التي تشكل أرض كردستان الطبيعية في العراق وجواره، ولهم الحق في أن يرسموا مواقفهم بشكل دقيق يخدم مصلحتهم الوطنية العليا، لكن المنطق يقول أيضا بأن الموقف العقلاني والمنطقي السليم يتطلب من الأكراد تضامنا فعالا وحقيقيا مع العرب العراقيين في مقاومتهم للغزو الذي يتعرض له وطنهم المجيد العراق، هذا إذا كانت القيادة الكردية العراقية تؤمن فعلا بأن العراق الموحد وطنها كما هو وطن العرب العراقيين ووطن كل عراقي بغض النظر عن عرقه ودينه. بصراحة ان أية غلطة تقوم بها قيادة الشعب الكردي الشقيق في كردستان العراق سوف تعود بالضرر أولا على الأكراد أنفسهم وثانيا على الوطن العراقي ككل، وثالثا على التماسك الوطني لشعب العراق. فالحرب ليست كما يدعي الأمريكان ومن معهم، ضد الرئيس صدام حسين والنظام العراقي الذي سيطر على الحكم في البلاد بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس السابق الجنرال عبد الكريم قاسم. هذه الحرب موجهة بشكل أساسي ضد وحدة وتماسك أرض وشعب العراق ومن أجل تصفية حسابات مع الشرق بشكل عام ومع بغداد العظيمة كعاصمة للخلافة الإسلامية وللعلم والنور والصمود والروح الإسلامية التي حاربت المغول والتتار والروم وغيرهم من الغزاة الأوباش الذين حاولوا تدميرها أو حرقها. فبغداد التي تعتبر من الرموز العربية والإسلامية التاريخية العريقة، ومعها كل الأرض العراقية التي تعتبر رمزا أساسيا للحضارة الإنسانية بكل دياناتها وما سبق تلك الديانات من حياة كانت ولازالت شاهدة على عراقة ارض بابل و دجلة والفرات وبلاد الرافدين، هذه القطعة الثمينة من الكرة الأرضية التي تريدها أمريكا كرة صغيرة بين يدي أو بين قدمي حكامها المتلاعبون بالعالم كما يحلو لهم وبناءً على شهواتهم التوسعية والأستعلائية.

إن التجارب والحروب والحياة المديدة علمتنا أن بغداد ومهما حصل لها من ويلات ومهما تطاول على قامتها الشامخة وهامتها العالية العديد من أصناف الغزاة وعتاة التاريخ ، إلا أنها تبقى عصية ومنيعة على الغرباء والغزاة .

بغداد ستبقى القلعة العربية الأصيلة والعصية على غزاة بلادنا الجدد، ستبقى مدينة الغضب والنور والنار والحب والفداء والوجود الذي يعلو على غياب الغزاة تحت تراب ورمل الصحراء العراقية المديدة. لأنها بغداد التي لا تعرف الانكسار ولا يهزمها حصار ولا يجعلها تستلم أو تنهار بضعة من الأوباش والغزاة الصغار، لأنها بغداد الرشيد الأصلب من الحديد والأمتن من بولاذهم وصلب مدرعاتهم وقنابلهم ذات الأطنان العشرة لكل واحدة، ولأنها بغداد ملجئ العامرية الشهيد بكل ضحاياه الذين لازالوا شهودا في موتهم على بشاعة بوش الكبير وسيشهد من عاش منهم تلك الواقعة وخرج منها حيا على بشاعة بوش الصغير هذه الأيام وفي هذه الحرب وكذلك على صغر الحكومات العربية العاجزة.

بغداد !

يا عاصمة لازالت تصد الغزاة، بكت عين زينب لأجلك دمعتين ،وشمخ فوقك طيف الحسين ، بسيفه يقاتل الكفر الإنساني ، بسيفه يدافع عن أرض الأنبياء ويحثنا على التمسك بحق الحياة..

يا عاصمة ليست ككل العواصم ، تنامين ساهرة على أنين الأبرياء، جفت دموع العيون يا بغداد، فمن أين سيشرب أطفال العراق في البصرة المحاصرة ؟ سيشربون من دموع الملائكة حين تمطر السماء العراقية بردا وسلاما وماءً سلسبيلا، كي ترتوي أرض الشهداء وتزهر الأزهار في جنة عدن حيث بدأت الحياة..



"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص