عزمي بشارة: " على الشعب الفلسطيني ان يضبط ايقاع النضال بواسطة قوة تنظيمية موحدة "

عزمي بشارة: " على الشعب الفلسطيني ان يضبط ايقاع النضال بواسطة قوة تنظيمية موحدة "


في بيته في حيفا خص الدكتور عزمي بشارة “الخليج” بمقابلة مطولة رد فيها على اسئلتنا حول الحالة العربية الراهنة بين الموجود والمأمول محاولا من خلالها وضع الاصبع على الاوجاع العربية نحو المساهمة في ترسيم شروط النهوض وآفاق المستقبل. في اللقاء تشعب الحوار وفيه اعرب بشارة عن رأيه بشأن كيفية التغلب على الجدار “الاسرائيلي” واستثماره ضد من بناه، كاشفا بصراحة عن الدور الذي يتمناه لمنظمة التحرير الفلسطينية ول”حماس”، وعن اشد ما يخيفه ويقلقه في الساحة الفلسطينية. كما افصح بشارة عن حقيقة “الدبلوماسية السورية السرية المزعومة” قبل ان يعدد انتقاداته لأداء التضامن في الخطاب الاعلامي العربي ويشير الى “الهدايا” التي يقدمها العرب الى “اسرائيل”.

عن هذه المسائل وغيرها تحدثنا الى النائب بشارة في الحوار التالي:

حالة الجدار هي حالة نموذجية لهجوم معنوي اخلاقي فلسطيني وحالة دفاع “اسرائيلية”، ومن الممكن ان يترجم ذلك الى انجاز على الساحة الدولية بصيغة قرار يعتبر استشاريا غير ملزم ومع ذلك يبقى قراراً معنوياً مهماً صادراً عن هيئة قضاة دوليين بناء على طلب من الامم المتحدة. هذا يعني انه سيكون قراراً صاحب اثر، وله معنى ولكن كل القرارات لن يكون لها اي مردود او فائدة اذا لم تكن هنالك خطة فلسطينية لاستثمارها والبناء عليها لعملية تراكم في حملة دولية ترى بالساحة الدولية احدى الساحات. ولكن مجرد الحديث عن حملة او استراتيجية يتطلب حالة فلسطينية تنظيمية قادرة على اعداد هذه الامور.

اعتقد ان هناك اجتهادات متفرقة واحيانا متناقضة. على سبيل المثال هل تعرف ان القيادات العربية بما في ذلك الفلسطينية لم تلتفت الى الجدار وبقينا نثير هذه القضية لوحدنا ولم يتنبهوا الى خطورته الا عندما انجزوا بناء النصف الشمالي منه . منذ نيسان / ابريل 2001 وانا اصرخ الجدار الجدار عبر وسائل الاعلام. اولا لم تتنبه القيادات مبكرا وعندما تنبهت كيف تستطيع ان تطرح قضية الجدار دون فهم مركزيته بالنسبة ل”اسرائيل” كونها نظام فصل عنصرياً.

كي تترتب وسائل النضال بحيث تصب في ذلك الاتجاه نحتاج الى خطة عمل وهذه تحتاج الى هيئة تقرها والهيئة تحتاج الى اطراف ملتزمة بها .انا اخجل ان اقول ان هذه الف باء. ليس للخطة معنى اذا لم تكن هيئة من خلفها والهيئة كذلك اذا لم تساندها اطراف عربية ملتزمة.

هذه امور تصب نحو قيادة وطنية موحدة في هذه المرحلة من قبل كافة القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية لان الموضوع لم يعد مجرد سؤال حول كيفية قيامنا باستثمار الحملة ضد الجدار كحملة ضد الابرتهايد.هو كذلك ولكن لم يعد فقط كذلك بل اصبح، وهذا ما اقوله للمرة الاولى، مسألة تفكك وانحلال على الساحة الفلسطينية اذا لم يضبط الوضع وارجو ان لا افهم خطأ

الموضوع بات خطيرا لاننا كفلسطينيين لا نتنبه، نغرق في الخطاب الاعلامي وننسى ايضا ان هذا خطاب تمني وننسى ان الواقع مختلف عن الصورة التي نرسمها لعدة اسباب منها الجدار والحصار وغياب القيادة الموحدة للانتفاضة وتحول المبادرات النضالية الى مبادرات محلية لها طابع استعراضي في بعض الاحيان. كل هذه الامور ستولد حالة اشد خطورة اذا لم نسارع في ضبطها.النفس الاساسي للشعب الفلسطيني هو نفس نضالي صمودي ليس له مثيل وجاهزيته الكفاحية فريدة ولكن من الناحية التنظيمية هنالك امور تنظيمية ينبغي ان ترتب وتضبط وفورا وليس بالتحشيد والتعبئة فقط كما كان حتى الآن انما هناك حاجة لخطاب نضالي . ولننتبه الى الفجوة الكبيرة جدا بين خطاب جنيف وبين العمليات الاستشهادية اذ لايمكن التغلب عليها ومنعها من التحول الى كارثة بالكلام بل تنظيميا.
برأيي لا يوجد تناقض بين النضال وبين التطلع الى السلام العادل. ولكن بدون شك هناك تناقض بين خطاب جنيف وبين الخطاب من وراء الاستشهادي.

المشكلة تكمن في ايجاد الصيغة التنظيمية القادرة على توفير الاستمرار في النضال والصمود من منطلق انه ليس هناك تسوية قريبة للقضية الفلسطينية ومن ناحية اخرى عدم التخلي عن النضال بدون مقابل. وعلى الشعب الفلسطيني ان يضبط ايقاع النضال بواسطة قوة تنظيمية موحدة.

اعني انه من حق الشعب الفلسطيني ان يختار وسائل نضاله دون ان يكون ذلك مرتبطا برد الفعل على “الاسرائيلي”. فاذا رأينا ان استهداف المدنيين مثلا يضر بانتصار القضية الفلسطينية فلا يوجد لدى احد القدرة ان يملي ارادته على الشعب الفلسطيني ان يختار المفيد . وهذا لا يعني وقف المقاومة.
طبعا كيف تستطيع ان تدير نضالا ضد جدار تعتبره “اسرائيل” في دعايتها وتبريراتها بما فيها القانونية حاجزا امنيا لحماية نفسها من العمليات الاستشهادية وبنفس الوقت نقوم بتنفيذ عمليات استشهادية، هناك تناقض. وفي المقابل يجب ان يكون وقف اطلاق النار متبادلاً كي تكون هدنة حقيقية وثانيا وتيرة النضال لا يجوز ان تحدد محليا وبموجب قدرة وطاقة القوى المحلية الفاعلة انما يجب ان تكون تعبيرا عن استراتيجية وطنية شاملة تفرز برامج مقاومة. الآن حالة التفكك التي ذكرتها قد تؤدي اليوم الى بقاء ايقاع النضال ايقاعا محليا في اماكن كثيرة. ايقاع النضال يجب الا يحدد بالمزاج المحلي هنا او هناك وانما بالمصلحة الوطنية الشاملة فهذه ليست معركة هذه المدينة او تلك البلدة وحدها. كما يجب من ناحية اخرى الا تترك هذه المدينة او البلدة تواجه مصيرها وحدها, انظر استفراد “اسرائيل” فيما يجري في رفح، جرائم بربرية حقيقية تتمثل بالهدم بالجملة، او في نابلس او جنين.
هذه مسؤولية م.ت.ف وحماس ايضا .
نعم اوافق .اعتقد انه من حق حماس وكافة القوى ان تكون ممثلة في قيادة وطنية موحدة ولكن واجبها عندئذ ان تلتزم بقراراتها وهذا امر لا يتجاوز الاطر القائمة م.ت.ف والسلطة الوطنية- ويجب ان يتم بالتنسيق معها. ولكن الاطر القائمة لا تشمل هذه القوى ويجب ان نبحث فورا عن صيغة. المنظمة تقول بحق من يريد بوسعه الانضمام الى صفوفها وهذا موقف محق فهي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني تاريخيا فهل نقوم بتفكيكها.. ولكن من ناحية اخرى لم نعد نستطيع تجاهل الفصائل المناضلة خارج المنظمة والتي تعمل “اسرائيل” على الاجهاز عليها.

الآن، هذا امر يحتاج الى صيغة واعتقد ان صيغة القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة هي صيغة مقبولة ومعقولة فهي لا تقلل من اهمية منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد وبنفس الوقت تترك معالجة القضايا المدنية للسلطة الوطنية اما الشأن النضالي العام ووضع استراتيجيته العامة المشتركة والملزمة للجميع وحتى ثوابت الشأن التفاوضي فهي أمور يجب أن تضبط وعندما نقول ان الفصائل المسلحة يجب ان تكون جزءا من التنسيق فهذا يعني ان التنسيق يشمل المفاوضات لا الكفاح المسلح فحسب. وذلك لأنه من غير المعقول ان يناضل الجميع في حين يوصل منطق الاستفراد دون التشاور مع الآخرين الى حالة جنيف فيها تفرد من نوع يقع خارج الاجماع، او القاسم المشترك بين النضال والتفاوض. وهذا ينطبق على الاستفراد في تحديد ايقاع النضال في ظروف معقدة من هذا النوع.
الوضع صعب لان القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني محاصرة، والعديدون، من ضمنهم افراد وقوى هي صنعتهم، حاولوا التآمر عليها في مراحل مختلفة ومع ذلك هي تحتفظ بأهميتها وما زالت الى حد كبير تمنح وتنزع شرعية ولكنها لا تقوم باستخدام ذلك لاسباب مختلفة. اما القيادة موجودة وتستطيع ان تؤثر ودورها اساسي ولا يمكن الاستغناء عنه ولكن بهذا المعنى وجودها في الصورة في عملية صنع القرار ضروري. حاول الامريكيون ان تبقى هذه القيادة على قيد الحياة كي تكون “ولادة او قابلة”، ويضغط عليها ويدفع بها من كافة الاتجاهات لتلعب مثل هذا الدور، دور ولادة نقيضها، ونعتقد ان مهمتها معكوسة اذ يجب ان تكون “قابلة” لمؤسسة وطنية كبيرة هي القيادة الوطنية الموحدة وهي قادرة على ذلك.
اولا التخوف في مكانه. وهناك دور اساسي للقيادة الفلسطينية وللرئيس عرفات بشكل شخصي في تفادي مثل هذا الوضع وهذا مرتبط طبعا في عملية بناء مؤسسات وفي هذه المرحلة يبدو انهم ادركوا جميعا ان المهمة الاساسية متعلقة ب “فتح” وبترتيب وضع هذه الحركة على المدى المتوسط او البعيد . هنالك آراء مختلفة ومتضاربة حول الموضوع ولكن هذه مهمة اساسية. طبعا هذه خطوة اولى على طريق ترتيب كافة المؤسسات الفلسطينية . وعلينا الا ننسى الحالة الميدانية لان الترتيب على مستوى المؤسسات السياسية صانعة القرار قد لا يكون له البعد او قد لا يترجم او ياخذ اهميته الفعلية اذا لم يترافق مع ترتيب للوضع الميداني وكلنا نعلم ان الوضع الميداني هو الذي حسم في نهاية المطاف كافة الامور طيلة السنوات الثلاث الاخيرة، اي قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود ومفاجأته للخصم بهذه القدرة دائما وهذا يبقى الضمان الاساسي، وهذا قائم في اصغر حي وفي اصغر مخيم وهذا وضع يجب ان يتم ترتيبه. في اعتقادي ان هناك مخزونا شعبيا رهيبا وقويا قائما خاصة في الاماكن التي تشكلت فيها لجان شعبية واحد النماذج التي تبين وجودها وامكانياتها تصاغ الآن على طول الخط الاخضر هي اللجان الشعبية لمقاومة الجدار، وهذا نموذج مصغر عما اردناه دائما في هذه الانتفاضة : لجان شعبية ميدانية فيها ترجمة لكل القوى السياسية تشكل القاعدة الشعبية للقيادة الوطنية الموحدة. كنت قد اجتمعت مع بعض هذه اللجان التي تركت لدي انطباعا جيدا لان المجتمع الفلسطيني ملتف حولها وبالتالي هي تعرف امكانياته وايقاعه ولا تقوم باستنزافه او الابتعاد عنه. في الاجتماع الاخير للجان الشعبية في منطقة القدس الذي حضرته شارك الآلاف.
هي حديثة العهد والمدة قصيرة. وشارون يريد ان يثبت ان فشلها مسألة وقت. وواضح ان رئيس الوزراء الحالي اكثر حذرا من سابقه في موضوع العلاقات مع “الاسرائيليين” وهو يرفض اجتماع علاقات عامة لشارون بدون انجازات. بهذا على الاقل هو محق تماما وخطوته صحيحة فشارون يرمي الى تنفيس الضغط العربي والدولي الممارس عليه بالظهور كرجل سلام وبالايحاء ان هناك عملية جارية دائما . وهذا ما اصابنا نحن في الداخل حيث قام نواب عرب اجتمعوا الى شارون حتى في قضايا سخيفة تحلها عادة الوزارات المختصة في حين جاء هو لاسبابه السياسية ليبين انه ليس رجلاً مخيفاً او مرعباً وها هم العرب يجلسون معه في الناصرة مثلا للتداول في شؤون عامة او عينية الخ وهذا امر سيىء لانه يجب محاصرة شارون.

عموما على الجميع ان يلتزم بمثل هذا الموقف طالما انهم يقاطعون الرئيس عرفات ورغم وجود موقف خاص لكل جهة منه يبقى الرئيس المنتخب من الشعب الفلسطيني . كنت اعتقد ان شارون سيكون اسهل خصم على المستوى الدولي لو توافرت استراتيجيات عربية ولكن في ظل غياب هذه هو يحصد الهدية تلو الاخرى ومن ضمن ذلك رفع الحصار عنه مراضاة لامريكا او لسبب آخر.

من ناحية اصلاح الحالة الفلسطينية داخليا هناك تقدم على طريق اعادة بناء الوزارات والتوظيف كما ان ادارة الحالة المالية داخل السلطة اليوم افضل من كثير من البلدان العربية. الوزارات تشكل جزءا بسيطا من الحالة المجتمعية الفلسطينية التي يرتكز عليها صمود الشعب الفلسطيني ولكن الحركة الفلسطينية في مجملها هي المقصود.

على سبيل المثال تلقيت قبل ايام نداء استغاثة من رفح والناس هناك لا يعرفون لمن يتوجهون. وبعد ان ابلغتهم انني سأتصل بالقيادة الفلسطينية لاستكمال معلوماتي فقالوا ان الاتصال مع القيادة المذكورة لن يفيدهم بشيء. طبعا السلطة غير مسؤولة عما آلت اليه اوضاعهم بل “اسرائيل”، ولكن هذه ازمة في العلاقة، ازمة ثقة. فهم لا ينشدون الاهتمام بوضعهم العيني فقط وانما ان يشعروا بوجود افق او استراتيجية. “اسرائيل” تقوم بأعمال وحشية تتفاقم منذ خطاب شارون في هرتسليا بوعي كامل ان احدا لن يزعجه بسبب انتخابات الرئاسة الامريكية ولم يكن صدفة ان يغفل بوش القضية الفلسطينية في خطابه الاخير وان تصرح كوندليسا رايس بنفس اليوم بان امريكا تدعم موقف “اسرائيل” بعدم صلاحية محكمة لاهاي للبت في مسالة الجدار . كل ذلك يتجه نحو تحرير ايدي شارون من اي قيود لقمع الشعب الفلسطيني . وشعبنا لا يدعو قيادته الى هزيمة “اسرائيل” الآن وفورا، انما يريد أفقاً واستراتيجية تريحه قليلا وتقوم على ترابط من القاعدة الى القمة تضمن وجود حالة فلسطينية موحدة وشاملة، وهو يستحق ذلك، ومن حقه ان لا تقدر تضحياته في الاعلام وفي خطاب اعلامي اجوف ويعتمد كلمات رخيصة انما يريد تفهما لمعاناته وخطابا اعلاميا مسؤولا ونضاليا في الوقت ذاته. وطالما لا تلوح في الافق تسوية قريبة للقضية الفلسطينية فهو يريد التأكيد على الثوابت الفلسطينية والاستمرار بالنضال ورفض الحلول الاستسلامية والتخلي عن حق العودة . ولكن ايضا لا بد من وضع ايقاع نضالي متلائم مع حالة المجتمع واحتياجات الصمود على المدى البعيد.
نعم ممكن. في لبنان مثلا ناضل حزب الله 17 عاما من دون ان ينقسم المجتمع اللبناني. صحيح ان لديهم عمقاً سورياً وايرانياً ويتبعون لدولة ذات سيادة هي لبنان خلافا لحالة فلسطين ولكن مع كل ذلك كان ايقاع النضال يجري مع قدرة المجتمع اللبناني على احتمال القصف “الاسرائيلي” بهذا الشكل. كانت توقفات، استراحات في المقاومة احيانا بعد التصعيد مع الحفاظ على الاستمرارية. ولكن اللبنانيين لم يقبلوا الاستسلام او التخلي عن حق المقاومة ليوم واحد. ما يدهشني هو الازدواجية التي تنعكس بالتفريط بالثوابت كحق العودة وحق المقاومة وغيرها باعتبارها “تجسيدا للعقلانية” او التمسك بكل ذلك مع تبنى خط نضالي محلي جدا ومكون من ردود فعل لا تمكن من عقلنته وترشيده نحو تمكينه من الانتصار اي التحرير وليس “فشة الخلق” او الانتقام. وحتى فى الظروف الصعبة كما يحصل في غزة وجنين ورفح ونابلس وهناك توجد حالات اشبهها ب”معسكرات الاعتقال الكبرى”. وهنا لا بد من التأكيد انه في غزة تتبلور حالة اجتماعية رهيبة : مئات الآلاف من الناس يحشرون خلف سياج ويعاملون ببربرية ووحشية اضافة الى هدم البيوت في خان يونس ورفح يوميا . ادعو القمة العربية الى التنبه لوجود معسكرات اعتقال كبرى في الاراضي الفلسطينية . على قادة العرب ان يتخلصوا من عقدة النقص في علاقاتهم مع امريكا وان يفهموها ان عميلتها، “اسرائيل”، تقيم معسكرات اعتقال لشعب بأكمله. ما يحصل لنا نحن العرب غير معقول، ففي الوقت الذي يطلبون فيه من العراق اليوم التخلي عن عروبته يطالبون الاعتراف بيهودية “اسرائيل” وفوق ذلك يحيطوننا بمعسكرات اعتقال وهذا غير معقول.
لا اعتقد ان هناك خارطة طريق. هذه مجرد خطة علاقات عامة اعتمدها الامريكيون عشية العدوان على العراق ثم ان “اسرائيل” لم تقبلها في واقع الحال، هل تذكر اننا قلنا ذلك وكررنا ذلك عندما كان بعض العرب مسحورين ومأخوذين بخارطة الطريق؟ وثانيا قبلها الفلسطينيون بدون شروط رغم انها تؤكد بلغتها على “تقويض بنى الارهاب”، مما يعني الحرب الاهلية. كل ما جرى اننا انتقلنا من المطالبة بتطبيق مبادرة السلام العربية الى خارطة الطريق.

اننا مقبلون على المزيد من التصعيد من جهة الاحتلال الذي يسابق الزمن لكسر ظهر حركة المقاومة الوطنية قبل الانتخابات الامريكية ثانيا ضرب اكثر ما يمكن ضربه من بنى الحركة الوطنية وانهاك المجتمع الفلسطيني قبل اعادة الانتشار من طرف واحد لترك حالة من الاستغاثة والفوضى والعجز عن النضال ضد الخطوط “الاسرائيلية” الجديدة التي سيعيد الجيش “الاسرائيلي” انتشاره بموجبها. واتوقع ان يبادر شارون مجددا الى الاغتيالات والاجتياحات السريعة وضرب جيوب نشطة في الاحياء والمخيمات، ولابد ان تزيد ردود الفعل الفلسطينية ايضا”.


الجميع يلاحظ ان العمليات التي تستهدف المدنيين قد توقفت مؤخرا.

“اسرائيل” تزعم ان هذا نابع من ضغوطاتها ولكن ليس صدفة ان العمليات الاخيرة تستهدف الجنود والمستوطنين. ويبدو ان هناك قراراً يقف خلف هذا التوقف، ومفيد سياسيا اكثر ان يعلن لانه عند ذلك لن يفسر كضعف ونجاح ل”اسرائيل” في منع العمليات بل بالعكس سيفسر كقرار حر وكثقة بالنفس سيما في ضوء استمرار اشكال مقاومة اخرى . من دون ذلك سيترك المجال ل”اسرائيل” للتفاخر بان مخابراتها وجدارها هو الذي يحول دون استهداف المدنيين.
عموما هناك نشر “اسرائيلي” مكثف حاليا يشبه الحملة حول اجراء اتصالات سرية مع سوريا وهذا بهدف النيل منها، لكن موقفي والموقف السوري الرسمي يمانع الدبلوماسية السرية لانه عندها يبدو وكان هناك تراجعاً في المواقف.

وأكاد احيانا احذر اصدقاءنا في سوريا مما يسمى الدبلوماسية السرية. الموقف السوري علني ويدعو الى تجديد مفاوضات غير سرية بناء على حدود الرابع من يونيو/ حزيران.

هذا موقفي وهذه كانت نصيحتي للسوريين دائما. ثانيا، يبدو ان اوساطا في اليمين لها علاقات مع بعض النواب العرب في “الكنيست” ارادت ان تقول ان باراك كان على استعداد للتخلي عن كل الجولان، اي لحسابات داخلية . من ناحية اخرى كلما تكثفت عملية الاسرلة كلما تكثف الهجوم على التيار القومي مرة لانه متطرف ومرة بالادعاء انه رغم مواقفه الا انه لا فرق بينه وبين غيره، أي بينه وبين الذين يحرضون ويرغبون علنا بلعب أي دور وساطة وجسر سلام وكلام فارغ من هذا النوع، اويرغبون بسياسة اندماجية في “اسرائيل” وبتحالفات علنية مع الاحزاب الصهيوينة ويمنعهم موقفنا الرادع منها، فيحاولون تصوير انه لا فرق بينهم وبين التيار الوطني القومي الديموقراطي، وبالتالي يبررون هرولتهم الى المؤسسة الصهيوينة الحاكمة. ونحن نعيش كما تعلم في الداخل “الاسرائيلي” والحالة مخترقة والادوات التي في ايدي “المؤسسة الاسرائيلية” غير محدودة.

هذا لا يعني انه لم تكن في السابق قنوات اتصال بواسطة اجانب امريكان وغيرهم، وكلها علنية. اما نحن فعلاقاتنا نحن مع السوريين مختلفة، وهي عربية عربية، وقد تضررنا نتيجة لاصرارنا على ذلك ونتيجة لرفضنا أي مفهوم آخر للعلاقة. سمينا قومجيين وراديكاليين، وفي “اسرائيل” نعتنا بالعمالة لسوريا ولحزب الله وغيره، موضوع الهجوم علينا كان اصرارنا ان تكون العلاقة عربية عربية، ونحن ننتقد قيام دول عربية بدور وساطة بين سوريا او الفلسطينيين وبين “اسرائيل” اصلا .
الموقف السوري يتعرض لضغوطات الامريكيين ولكن لا بسبب تواجدهم في العراق، انما بسبب كون امريكا الدولة الاعظم الوحيدة ومصادر التسلح السوري محدودة. اعتقد ان سوريا سبقت غيرها من الدول في براغماتيتها وفهمها لحقيقة كون امريكا القوة العظمى الوحيدة، وانتقدت لهذا السبب. الضغط الامريكي متواصل على سوريا في عهد الادارة الحالية وهو يريد التنازلات السياسية منها والامتحان يكمن دائما في العلاقة مع “اسرائيل” وفي وقف دعم أي شكل من اشكال مقاومة الهيمنة الامريكية. وهي لا تستطيع تقديم اي تنازل في مجال أرضها. سوريا لاتستطيع التنازل عن شبر واحد من الجولان المحتل ولكن لا بأس ان تكرر رغبتها بالسلام العادل دون التنازل عن الثوابت، فهذا كما لاحظنا ادخل شارون في مأزق وانا الوم الاعلام العربي انه لم ينتبه اليه رغم محاولاتنا الاشارة الى هذا الامر خاصة عندما صرح شارون قبل ايام ان المفاوضات مع سوريا ستفضي الى اعادة الجولان . ويعني تصريحه هذا انه لم يشكك في جدية نوايا سوريا خلافا لخطابهم الرسمي بل انه شكك بنواياه هو. اذن جميل ان يضطر شارون للقول انه لا يريد السلام، او انه ليس شريكا فهو آخر من قيل عنه مثل ذلك . ولننتبه ان عرفات آخر من قيل عنه انه ليس شريكا للسلام ويجد نفسه محاصرا بينما يقر شارون انه غير شريك، وهو ليس فقط غير محاصر انما تتبناه الادارة الأمريكية وهذا لم يستغل عربيا بشكل صحيح. ولذلك بامكان سوريا ان تواصل ترديد رغبتها بالسلام واحراج شارون دون ان تدفع ثمنا. وهناك امر آخر لم نتنبه اليه والاعلام العربي مخطئ فيه وهو ان الاقتراح السوري على مجلس الامن بجعل المنطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل لا زال قائما ولا يستطيع احد الغاءه وبالامكان الدعوة للتصويت عليه. واضح انه لا يوجد اليوم توازن استراتيجي بين سوريا وبين “اسرائيل” وهنا لسنا بصدد البحث عن اسباب ذلك ولكن في المعطيات الحالية ارى ان التصرف السوري في العلاقات الدولية وضمن معطيات البلد وامكانياته حكيم، بالطبع لو تغيرت الامكانات يصبح أكثر نجاعة.
نعم. بالثوابت الاساسية لا يوجد فرق فالحديث عن اتصالات سورية سرية في المرحلة الحالية هو مجرد اشاعة يتم تسريبها من جهات “اسرائيلية”، وواضح ان الغرض “اسرائيلي” والغرض مغرض والمسرب مغرض ومن يكرره مغرض . الهدف هو اظهار سوريا غير مستقرة، مرة راديكالية متطرفة ومرة اتصالات سرية وايفاد وسطاء لكي تلتفت اليها “اسرائيل”، وعدم الاستقرار على رأي هو دليل ضعف وهذا ما تحاول صناعة الصور الاعلامية الصهيونية ان تنتجه عن القيادة السورية، والحقيقة ان الكذب هنا بلا حدود واعلام بلا أخلاق اطلاقا. الاسلوب الاعلامي السوري تغير، وربما هو بحاجة الى تغيير اكثر وديناميكية اكثر.
اعتقد ان التعويل على فضائح شارون يعيد الى الاذهان حالة العجز التي تنتظر الانتصار الديموغرافي وكأنه لم يعد بحوزة العرب سوى رحم المرأة. وهذا خطاب متخلف فها هي “اسرائيل” تقوم ببناء جدار او بترحيل الفلسطينيين كما فعلت عام 48. الانتصار العددي بدون استراتيجية من ورائه لا يعني شيئا، ولا ننسى ان غياب شارون اليوم يعني عودة نتنياهو.

صحيح ان الاخير اكثر قابلية للضغط عليه لكنه سيكون اقوى هذه المرة من فترته السابقة بسبب الموقف الامريكي الداعم بلا حدود، ولذلك اذا بقينا دون استراتيجية منتظرين الفرج الديموغرافي نكون امام وضع خطير للغاية.

وهل ننتظر ان تحل المدعية العامة في “اسرائيل” عدنة أربيل عبر لائحة اتهام جنائية ضد شارون، مكان البلدان العربية لتقوم بدورها؟ ولا ادري كيف اصبح العالم العربي يعرف اسم عدنة اربيل والمقاول الراشي دافيد ابل؟ هذا امر غير معقول ومعيب.. ف “اسرائيل” لا تعرف اسم مدع عام واحد او اسم مقاول فاسد واحد في الوطن العربي.. فهل بات ابل واربيل استرتيجيتنا العربية؟ لا افهم هذا التنافخ العربي المتعلق بذهاب شارون والذي يذكرني بقصائد مظفر النواب.. وتنافختم شرفا وصرختم الى.. على كل حال ستتغير المعركة بطابعها وشكلها اذا ما سقط شارون، ولا ندري للأفضل ام للأسوء. ولكن ما يحتاج الى تغيير هو التعامل العربي مع امريكا.
واضح تماما انه يجب تأطير العرب في أمريكا للتصويت من اجل اسقاط جورج بوش، هذا أمر أساسي وليس له علاقة بالسياسة الرسمية العربية. ثانيا، يجب على العالم العربي ان يتوقف عن التحاور مع بوش فرادى وهذا يحتاج الى ضغط شعبي على الأنظمة طبعا، لان هناك انظمة لديها مصلحة بالعلاقة المباشرة مع الولايات المتحدة لانها تخشى انظمة اقوى منها وهذا امر يحتاج الى حوار عربي عربي لطمأنة البلدان العربية الصغيرة كي لا تدخل امريكا عبر التناقضات الداخلية وتحطم كل الدول الاقليمية في المنطقة”.
الجامعة العربية هي اطار للتحاور وانعكاس للحالة العربية. هي لا تلعب دورا لأنها ليست سلطة بل جسم اعتباري يمثل تنظيميا ورمزيا وجود قاسم مشترك عند العرب، ولو لم يحترموه، وحالته تمثل الحالة العربية. وفي اطاره ينبغي ان تتم الحوارات العربية. ويجب الاعداد لهذا الامر بشكل جدي لانه لا يستطيع كل واحد تهديد الآخر بامريكا فهذا ليس عارا فحسب بل كارثة وعودة الى الحالة الكولنيالية.
من الصعب الحكم لاننا لانرى الآن سوى رأس الجبل الجليدي. والشائعات كثيرة ولكن واضح ان امرا ما قد حصل لأنه لا راشي بدون مرتشي. صحيح ان شارون قادر على الاحتفاظ بذات تعابير الوجه عند سماع الاخبار السيئة بالنسبة له بحكم جيله وتجربته، ولكنه بالتأكيد سيمر بفترة اصعب وسيتصبب عرقا سيما بعد تقديم لائحة اتهام ضده وضد ولديه. هو سيحارب حتى اللحظة الاخيرة طبعا ولا نعرف متى سيتم ذلك ولكنها مسألة شهور وسوف تتضح الامور، وحتى ذلك سيصبح الرجل اكثر خطورة ومغامرة وقومجية لانه سيحاول لفت الانظار الى امور اخرى وتاريخه حافل بالمناورات.
اعتقد ان الحالة في اذهان الفلسطينيين في الداخل مرتبكة، فبعد انتفاضة الاقصى شنت “اسرائيل” هجوما مضادا على الحركة الوطنية تارة بواسطة مساومتنا على حقوقنا المدنية بمطالبتنا بتخفيف القضية الوطنية والتحريض وتخويف الناس من الحركة الوطنية، وتارة بادعاءات اخرى تزعم ان الانتفاضة لم توصل الى اي مكان. كما انها حاولت مرة دق الاسفين بين مطالبنا المدنية وبين مطالبنا الوطنية واكمل شارون ذلك في زيارته الاخيرة والمعيبة لمدينة الناصرة التي ادلى خلالها بتصريحات تخيرنا بين الولاء للقضية الفلسطينية وبين المساواة.. بين القضية الوطنية والقضية المدنية.

ولم يطرح شارون الخدمة الوطنية للعرب لولا ان هناك من اوحى له بأن هذه الفكرة ستمرر في هذه المرحلة، وانا اعيد الى الاذهان التهاون مع قضية الشرطة الجماهيرية وتمريرها في الوسط العربي بمعارضتنا وحدنا، يجب ان نرفع اصواتا اكثر وضوحا ضد هذه المبادرات التي تؤكد على بعد آخر في العلاقة مع الدولة يمهد لتطبيع الخدمة العسكرية. كذلك بادر شارون الى لقاء “الجنود البدو” من اجل الهدف نفسه . هو يستقبل في الناصرة “الجنود البدو” وبنفس الوقت تشن الهجمة على الحركة الوطنية. طبعا يضاف اليها حالة الارتباك وعدم جاذبية الحالة العربية التي تؤدي الى الاعتقاد بامكانية تحييد العرب في الداخل عن القضية الوطنية وفي هذه الحالة يصبح عرب الداخل ليس مجرد رقم فحسب انما حالات عشائرية او طائفية وحتى حزبية متنافسة لنيل الحقوق المدنية من الوزارات المختلفة، ونحن كحركة وطنية وتيار قومي لا نستطيع ان نسمح لهذا بالحدوث، هذا منطق وجودنا وهذا بالطبع يزيد من حدة عداء السلطة الصهيوينة وعملائها، ولكننا نراهن على ما هو خير في الناس عندنا وفي الشعوب العربية من حولنا.