عن لا تسييس السياسي بامتياز!../ ياسمين ظاهر وهشام نفاع

عن لا تسييس السياسي بامتياز!../ ياسمين ظاهر وهشام نفاع

لا يتيح الإعلام الإسرائيلي "للآخر" العربي – مواطن الدولة أن يعبر، بشكل حقيقي وفي إطار ما يدعيه من ديمقراطية، عن آرائه. وفي هذا الإطار الضيق، تُخصص بضع ثوانٍ هنا وهناك يكون الهدف المعلن أو الخفي فيها هو أن يستهجن العربي ويشجب كل ما لا يرضي مؤسسة الدولة. وفي حال تعطى لنا مساحة حراك إعلامي، دون المطالبة بالشجب والاستنكار، فهي تظل مخصصة لسحبنا عن بكرة أبينا من مواقفنا السياسية إلى مواقف عاطفية "بحتة" تفوق التوقعات، وتندرج في إطار رؤيتنا كمواطنين جيدي السمعة. وعلى هذا المنوال فإن نظريات الإعلام الإسرائيلي تجاهنا واضحة: إما أن تكون مسيّسًا وشريرًا أو إنسانيًا (حسب تعريفهم للانسانية!) وغير مسيس... وهما على أية حال، وجهان لعملة واحدة.

ولأن الإعلام الإسرائيلي لا يستطيع غالبًا أن يصغي ويتعامل بصدق وندية مع مواقف العرب السياسية، تجدهم دوماً يتجهون الى تشويهها واخراجها عن نصها وسياقها، ليتسنى لهم "التعاطف" معها في أحسن الاحوال أو تسويقها حسب متطلبات السوق الاسرائيلية. وفي هذا السياق، يندرج التقرير الصحفي الذي نشر يوم الجمعة 18 آب في صحيفة هآرتس، وكان قد أجراه الصحفي ميرون ربابورت مع اربعة شباب عرب، كنا جزءا منهم. وبإجراء مقارنة صادقة بين الجلسة وبين التقرير الذي خرج به الصحفي، نستطيع القول إن التقرير كان بمثابة "أنسنة لمواقفنا المختلفة" وإعلانا عن "موقفنا المتماهي مع المقاومة اللبنانية، ليس لشيء إلا لخوفنا على مواطني اسرائيل ومصيرهم". فاذا كان من الصعب بل من المستحيل سماع العرب تحت ضجيج الالات العسكرية وقت الحرب، لانهم بطبيعة الحال ضدها، جاءنا هذا التقرير بعد ان وضعت الحرب اوزارها هنا وتتواصل في لبنان، لنخرج بمقابلة تبحث عن شهادات "عاطفية" وان كانت غاضبة، تابعة للخطاب الاسرائيلي وان كانت متذمرة!

ثلاث ساعات ونصف الساعة من الحديث والنقاش المطول أجريناه مع ربابورت حول المعاني السياسة للحرب الحالية، كان موقفنا فيها واضحا وغير قابل للتأويل: ان كل مبادرات ومشاريع السلام العربية تمت مجابهتها بآلة الحرب الاسرائيلية والغطرسة والقوة ونظرية الإملاءات من طرف واحد. حروب تم صياغة وصيانة الرأي العام حولها بإعادة إنتاج أسطورة فارغة كـ "إبادة إسرائيل" و"الدفاع عن البيت".

لم يذكر ربابورت هذا كله، وحاول أن يصورنا كمواطنين "جيدي السمعة" نستحق بجدارة لقب "وطنيين اسرائيليين" عن طريق تحريف سياق أقوالنا. تحدثنا مع ربابورت عن دور الاعلام الاسرائيلي الذي يهرب الى الامام بجنرالات الحرب ويحثهم على تدمير قرى ومناطق بأكملها ويصمت عن جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي ولا يصغي للأصوات المناهضة للحرب. وها هو ربابورت، يصم أذنيه وقلمه عن مقولاتنا السياسية الصريحة، يخرجها عن نصها العميق والسياسي لتتحول الى نص يائس متمركز حول مشاعر "شخصانية، عاطفية، متذمرة كالعادة" بعد الحرب.

وهكذا يأخذ تقرير ربابورت منحى "طمأنة" الاسرائيلي، المواطن العادي، بأننا (العرب) لم نعد طابورا خامسا، وان مشاعرنا الجياشة تجاه العالم العربي يمكن فهمها على صعيد "موقف عاطفي-شاعري"، وان مواقفنا تجاه الدولة ستبقى "عقلانية" خارجة عن اطار الفهم ولكنها في صميم السياسة. ربابورت حاول ان ينتشلنا من الهامش السياسي ليدمجنا (بقدر استطاعته) بالعمق الاسرائيلي، ولم يتعامل معنا كاصحاب خطاب خاص بل كتوابع للخطاب الاسرائيلي على اختلاف "نواياه".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018