عن نظرية العدوان الامريكية-الاسرائيلية / بلال ظاهر

عن نظرية العدوان الامريكية-الاسرائيلية / بلال ظاهر

تثير الاحداث المتدحرجة في بيروت وسورية خلال الشهر الاخير اسئلة كثيرة اهمها تلك الاسئلة المتعلقة بالتصريحات العربيدة من جانب الادارة الامريكية واسرائيل. وليس صدفة ان تتركز الانظار نحو ساحة الشهداء وما يجري فيها والاصوات التي تتعالى من قبل المتمترسين فيها. وهذه "الاصوات" المرتفعة من ساحة الشهداء ليست اصوات عربية لبنانية فحسب بل هي ايضا اصوات اجهزة الاعلام المجندة لصالح الولايات المتحدة ودول اوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا، واسرائيل ايضا. "دمقراطية دولية"!.. و"كل يغني على ليلاه"!..

وفي زحمة، وبالتأكيد زخم، هذه الاحداث المتدحرجة لا ضير في اعادة ترتيبها منذ بدايتها قبل نحو الشهر وحتى اليوم وان كان ذلك في عجالة. وقد بدأت الاحداث تتدحرج، في الواقع، قبل اكثر من شهر، بل قبل سنوات، ربما تعود الى 24 ايار من العام 2000، يوم الانسحاب الفجائي لجحافل الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان، مرغما، للتوكيد على انها، أي اسرائيل، لم تنصع لقرار مجلس الامن رقم 425، ولكن ما حصل في هذا اليوم هو ان اسرائيل فقدت وجودها العسكري، على الاقل، في لبنان.

قبل قرابة الشهر تسارعت وتيرة الاحداث عندما اعلن زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، ان "البعث" يتحمل مسؤولية اغتيال والده طيب الذكر القائد العربي كمال جنبلاط. وقد قوبل تصريح جنبلاط هذا بالاستغراب ليس لغرابته فحسب وانما باللهجة التصعيدية التي تضمنها هذا التصريح الذي جاء على نسق "اطلاق الكلام على عواهنه" ومن ثم توقيته.

بعد هذا التصريح بايام وقعت الجريمة. اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، الذي كان رجلا رصينا ومتزنا. بعد وفاة الحريري علم العالم اجمع ليس فقط ان الحريري كان رجلا سياسيا من الطراز الاول بل انه كان بمثابة أبٍ للكثير من اللبنانيين. علمنا ان الحريري قدم هِبات شهرية ومنح دراسية لعشرات الاف اللبنانيين. وكان لا بد ان يهب الشعب حزنا على الحريري بعد الفاجعة واسلوب الاغتيال. وعند ذياع النبأ الاول عن الانفجار الكبير في 14 شباط الفائت اجمع الناس على ان الانفجار يستهدف لبنان... وأكثر.

وانطلقت "انتفاضة الاستقلال" ورافقتها تصريحات المعارضة اللبنانية التي احتكرت الحزن على الحريري والمطالبة بالثأر لدمائه من جهة واحدة لا ثان لها. ولم يسمع احد عن حزن غيرهم رغم انه كان حاضرا بقوة، لكن التعتيم فعل فعله. غير ان الاهم من ذلك هو ان هناك من لم يحزن على الحريري ولا على لبنان ولا على العرب حتى. فهؤلاء لديهم مخططات جاهزة في ادراج مكاتبهم لاغتنام الفرصة وسط الضباب الكثيف الذي يلف المنطقة.

بعد الاغتيال حاولت الادارة الامريكية اصطناع التريث وعدم اطلاق الاحكام. لكن بالنسبة لاسرائيل لا مكان للتريث والانتظار. فقد طال الانتظار وبدأ لون الاوراق التي رسمت عليها "المخططات في الدرج" لهكذا وضع يميل الى الاصفرار. وفور الاغتيال اعلنت: "سورية تتحمل مسؤولية الاغتيال"! وكالعادة انتشر خبر الاتهام الاسرائيلي في العالم وخصوصا في الفضائيات العربية دون تحفظ.

الغريب في الامر ان العرب لم يتعلموا الدرس... ربما لا يريدون ان يتعلموا الدروس. فالنظرية التي تستخدمها امريكا وحلفاؤها لتنفيذ عدوانها، لا تتغير. قبل بدء العدوان الامريكي على العراق اعلن بوش وكوندوليزا، بحدة مصطنعة، ان العراق يملك اسلحة دمار شامل. عندها ردد العرب وفضائياتهم، دون تحفظ، مزاعم بوش وكوندوليزا. ورددوا ايضا، دون تحفظ، تصريحات المسؤولين في اسرائيل حول الخطر القادم العراق ومن اسلحته غير التقليدية. ومع مرور الوقت تبين، باعتراف امريكا واسرائيل اذا شئتم، ان لا اسلحة دمار شامل في العراق ولا حتى جيشا عراقيا..

وتستخدم امريكا واسرائيل الان النظرية ذاتها. الحقيقة والكشف عنها ليس مهما الان بالنسبة لهما. فهناك مخطط جاهز يقضي الان بتوجيه الاتهامات نحو سورية. وتحميلها مسؤولية الاغتيال يساعد على خلق الجو العام وفق المنظور الامريكي-الاسرائيلي، تماما مثل الجو العام الذي خلقوه عشية العدوان على العراق. وتحميل سورية مسؤولية دعم المقاومة في العراق ايضا "يعزز" الموقف الامريكي في بعض الفضائيات خصوصا. ربما لن يكون هناك عدوان عسكري امريكي ضد سورية. لكن هذه الحملة الامريكية-الاسرائيلية الشرسة لها اهدافها الواضحة وهي لا تستهدف سورية لوحدها. وعلى العرب، وليس المقصود القادة بالذات، ان يدرسوا الوضع جيدا.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018