قرار رفع العقوبات عن العراق / د. خالد عبدالله*

قرار رفع العقوبات عن العراق / د. خالد عبدالله*

أصدر مجلس الأمن قرارا برفع العقوبات عن العراق. وقد هلل الأمريكان للقرار بزعم أنه " يوم رائع للشعب العراقي " كما أكد كولن باول وزير الخارجية الأمريكية. كما أكدت فرنسا وروسيا وألمانيا أن القرار هو نتيجة معقولة لمقايضات بين الأطراف الرئيسية في مجلس الأمن. فهم يرون " أن نص القرار وإن لم يتسم بالكمال لكنه يأخذ في الاعتبار اهتماماتنا " كما قال وزير خارجية فرنسا. كما أن مستشار السياسة الخارجية للكرملين صرح بأن " القرار يضع أساسا كافيا لضمان مصالح روسيا الطويلة الأجل ". فهل تعبر هذه الأقوال عن واقع الحال أم أنها تزينه؟ هذا يعتمد على المعيار الذي توزن به الأمور.

وابتداء فليس في هذا القرار مصلحة عربية، بل هو يناقض المصالح العربية ومنها العراقية. فرفع الحصار عن العراق كان ينبغي أن يحصل طبيعيا. فقد ثبت أن العراق لا يملك أسلحة الدمار الشامل. وكان مفترضا أن ترسل الأمم المتحدة مفتشيها لإثبات ذلك رسميا. لكن الولايات المتحدة لا تريد عودة المفتشين وبالذات فريق هانس بليكس حتى تبقى تبحث عن هذه الأسلحة غير الموجودة. لكن القرار يثبت الاحتلال. ويغتصب حقوقا للشعب العراقي يسلمها لقوة الاحتلال. ودلالة القرار أن الشعب العراقي قاصر عن إدارة أمواله، لأنها ستوضع في صندوق يديره المحتلون، ويشرف على عملية الإنفاق مجلس من الأمم المتحدة . والقرار بهذه الطريقة يشرع الاحتلال للعراق لمدة تعتمد على الأطراف الأساسية في مجلس الأمن.

وخارج الإرادة العربية الغائبة والمغيبة، فقد كان القرار يعكس توازن القوى في العالم. فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تحصل من القرار على حصة الأسد. فهي التي ستدير العراق بشكل رئيسي. ومع ذلك، فقد أظهر القرار أن القوة الأمريكية ليست مطلقة، فقد كان عليها أن تقدم تنازلات واضحة في أكثر من مسألة أساسية. فقد اضطرت أن تخضع إنفاقها على الإعمار لنظر البلدان القوية من خلال الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي وصندوق الدولي. كما أنها اضطرت أن تخضع أيضا تواصل احتلالها للعراق بعد سنة لنظر هذه البلدان. كما كان هناك تنازلات في عقود الأمم المتحدة لمصلحة روسيا وفرنسا. ثم إن القرار يعطي دورا مستقلا للأمم المتحدة في مسألة إعمار العراق وتشكيل حكومته المقبلة.
وخلاصة الأمر، أن المبدأ الأساسي الذي أعلنته الولايات المتحدة وسارت عليه في حربها ضد العراق، أي التفرد في القرار وإذعان القوى الأخرى لها، لم يتم كما تريد. فقد رجعت إلى ما كان عليه الأمر في السابق. توزيع الغنائم بين الشركاء، وليس كما أرادت جعلهم عمال خراج لها. وقد يقول قائل، ولكن الولايات المتحدة خرجت بحصة الأسد! وهذا القول مردود، لأنه متى لم يكن للولايات المتحدة حصة الأسد؟ فقد كان هذا شأنها على امتداد الحرب الباردة. فهي التي وضعت قواعد النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على قدر مصالحها في ضوء معطيات الفترة التاريخية. وحينما انتهت الحرب الباردة تصورت أن كل القيود على سلطتها على العالم سقطت فبدأت تعمل لوضع النظام الدولي الجديد وفق تصورها الجديد. لكن حرب العراق، قبل وقوعها وبعد حدوثها، تبرهن أن ميزان القوة العسكرية ليس هو المعيار الوحيد في ميزان القوى العالمية، وأن الموازين الاقتصادية والمعنوية لها أثر واضح في تحديد نتائج تقسيم مناطق النفوذ، وتعيين حدود التأثير.

لقد أعاد قرار مجلس الأمن موضوع العراق إلى مجلس الأمن، وأخضع الصفقة الدولية لمتطلبات المساومات والمقايضات كما كان دائما، والذي كانت الولايات المتحدة تريد أن تخرج من إساره. وهذا ما تريده البلدان المنافسة للولايات المتحدة، وقد عبر عن ذلك مستشار الكرملين حينما قال " إن كون أنه تم تنسيق القرار( بين الأطراف) يعني أن القضية العراقية رجعت إلى الحقل القانوني للأمم المتحدة تحت سيطرة مجلس الأمن ". أي بعبارة أخرى، أن موضوع التفرد الأمريكي في شأن العالم كما أرادت الولايات المتحدة قد تلقى ضربة كبيرة من حيث اضطرارها للاحتكام بشكل جوهري إلى قواعد اللعبة القائمة. ويبدو أن الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة قبل خوضها الحرب ضد العراق، ونذر المشاكل التي ستواجهها في العراق قد أقنعها بأن تقدم التنازلات في المسألة الجوهرية. والمسألة الجوهرية ليست العراق وإنما طريقة بناء النظام الدولي الجديد.

ولم تكن اللهجة السياسية الناعمة التي بدأت تستخدمها فرنسا وألمانيا وروسيا تجاه الولايات المتحدة قبل صدور القرار بفترة إلا مؤشرا على إدراكها أن الولايات المتحدة بدأت ترى الصورة بعد حرب العراق على نحو مختلف عما كانت تنظر إليها قبل الحرب. ولم تكن هذه البلدان ترغب في إهانة الولايات المتحدة فهو ليس من مصلحتها، كما أنها لا تريد سلبها حقها في قيادة العالم، على الأقل خلال الفترة الحاضرة، لأن قدرات أمريكا تفرض هذه القيادة. كل ما تريده هذه الدول أن لا تخل الولايات المتحدة بقواعد النظام الدولي بشكل يضر بمصالحها. والقرار يعكس إلى حد كبير طبيعة النظام الدولي القائم.

لكن النظام الدولي القائم ليس قدرا محتوما، بل تصنعه إرادة البلدان. وقد بدأت عملية الصنع منذ الآن. وبعض معالم البدء لا زالت هلامية مثل ما رأيناه من تحركات لبناء تحالفات مؤقتة بين روسيا وألمانيا وفرنسا. وكما يظهر في مبادرة بعض البلدان الأوروبية لبناء قوة عسكرية وسياسة خارجية أوروبية مستقلة. كما يظهر أيضا في قضية كوريا الشمالية التي تعكس رغبة الصين في جعلها مخفرا نوويا متقدما لها في وجه المحاصرة الأمريكية لها. ولكن نتائج الخطوات الحقيقية التي بدأت تتكون في رحم البلدان لن تظهر قبل أعوام. وقد يظهر لجم القوة الأمريكية في تعظيم القوة العسكرية لبعض البلدان، لكن قد يظهر في تقليم أسباب القوة الاقتصادية الأمريكية. فالدولار على وشك أن يكون أحد العملات الرئيسية وليس العملة الرئيسية. حينذاك ستظهر التوترات في الإنفاق على بناء القدرات العسكرية الأمريكية، وفي عدم قدرتها على مواصلة الإنفاق السخي على حساب العالم، التي يحميها حتى الآن مركز الولايات المتحدة كمنتج وحيد للعملة العالمية.

لقد كانت المسافة كبيرة بين موقف أمريكا حين قدمت قرارها إلى مجلس الأمن قبل الحرب ضد العراق ثم سحبته لأنها لم يعجبها إجراء التغييرات فيه، وموقفها الآن بعد أن قدمت قرارها ثم أعلنت أنه قاعدة للنقاش. مسافة واضحة لمن يريد أن يقرأ الخريطة الاقتصادية والخريطة المعنوية العالمية جنبا إلى جنب مع الخريطة العسكرية.




(*) كاتب عربي يقيم في وارسو