مشكلات الساحة الفلسطينية هل وصل الحوار الفلسطيني إلى طريق مسدود؟ /ماجد كيالي

مشكلات الساحة الفلسطينية 
هل وصل الحوار الفلسطيني إلى طريق مسدود؟
/ماجد كيالي

يبدو أن المعنيين بشؤون الساحة الفلسطينية مازالوا بعيدين عن التوافق على هدف سياسي معين يساهم في تنظيم وترشيد نشاطاتهم الكفاحية، بما يتناسب ومعطيات هذه المرحلة، برغم الصعوبات والمعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني، بنتيجة الممارسات الإسرائيلية، وبرغم الأوضاع الدقيقة والخطيرة التي تمر بها الساحتين: الدولية والإقليمية في ظل الحرب الدولية على الإرهاب والحرب الأمريكية المبيتة ضد العراق.

ويستنتج من الحوارات التي جرت، في القاهرة وغزة ورام الله، أن أغلبية القيادات الفلسطينية مازالت تعمل تحت وطأة علاقاتها التنافسية والشعارات الكلامية التي أنشأتها وتتعيش منها وبناها البطرقية الضيقة التي تتسيّد عليها. ويبدو أن هذه القيادات تفضل العمل على طريقة الدواوين والمهرجانات الخطابية التي يقال فيها كل شيء، لتسجيل المواقف الاستعراضية، من دون أن يعني ذلك شيئا ملموسا ومن دون أن ينبني على ذلك مسؤوليات معينة على أرض الواقع.

ومعنى ذلك أن غالبية الطبقة السياسية الفلسطينية، السائدة، مازالت تفكر وكأنها تعيش في جزيرة معزولة وفي إطار بقايا من توهّم بأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي مازال هو الهم الأوحد للأمتين العربية والإسلامية ولشعوب العالم المحبة للسلام والحرية! ومشكلة هذه الطبقة أنها لم تستنبط العبر المناسبة من التفكك والعجز على الصعيد العربي: الرسمي والشعبي، على حد سواء، ولا من النتائج التي جاءت بها الانتخابات الإسرائيلية، مع كل التدهور المريع في الأحوال الأمنية والاقتصادية في إسرائيل، والأنكى من هذا وذاك أنها لم تستنتج، بعد، الدروس المناسبة من التحولات الدولية ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية وانعكاساتها على الساحة الفلسطينية، والتي تشير إلى أن الحرب يمكن أن تبدأ ضد العراق ولكن لا يستطيع أحد التكهن بامتداداتها وبتداعياتها، خصوصا بعد أن أكدت الإدارة الأمريكية (على لسان كولن باول وزير خارجيتها) بأنها معنية بإعادة تشكيل المنطقة بجملتها، وربما أنها معنية أيضا بإعادة تشكيل أوروبا والنظام العالمي، وهو ما تؤكده معطيات المواقف والتحركات الدولية الراهنة.

ومن الواضح، وعلى ضوء كل ما تقدم، أن حكومة شارون المقبلة ستحرص على استمرار دمج حربها ضد الفلسطينيين بالحرب الدولية ضد الإرهاب، كما ستحاول تجيير الحملة الأمريكية المبيتة ضد العراق، لخلق فوضى سياسية عارمة في المنطقة تمكنها من الاستفراد بالفلسطينيين والبطش بهم لتدمير السلطة الفلسطينية وللتخلص نهائيا، ربما، من استحقاقات عملية التسوية برمتها، أو على الأقل لتعديل خطة "خريطة الطريق" عبر فرض املاءاتها وتعظيم مكاسبها في التسوية وفي مجمل الترتيبات الإقليمية الناشئة عن الأوضاع الجديدة التي يمكن أن تنشأ بعد التخلص من الملف العراقي، سلما أو حربا.

وهكذا بينما ينهمك شارون في ترتيب أوضاع الساحة الإسرائيلية وتوحيدها في مواجهة الفلسطينيين، يفشل الفلسطينيون في ترتيب أوضاعهم وتوحيد قواهم لمواجهة التحديات الإسرائيلية والتحديات المتعلقة بالأوضاع الدولية والإقليمية، إن عبر مقاومة تأثيراتها أو عبر تفويت أو تقليل مخاطرها.

وفي المداولات الحاصلة على الصعيد الفلسطيني يمكن القول بأن قيادة السلطة الوطنية والمنظمة و (فتح)، ممثلة بالرئيس عرفات، تتحمل المسؤولية الأكبر عن ما جرى وعن مآل الأوضاع الداخلية؛ فهي التي تركت الانتفاضة تسير بهذا الشكل من الفوضى والعفوية، وهي التي تأخرت كثيرا في حث القوى الفلسطينية الحية على التفاعل للوصول إلى توافقات سياسية مشتركة، ولا سيما بسبب إدارتها الفوقية والمتخلفة والفردية، وأخيرا فإنها هي التي تأخرت في استيعاب حاجات التغيير والتطوير والمأسسة والإصلاح في الساحة الفلسطينية.

والمشكلة الآن أن هذه القيادة، تحاول التجاوب مع حاجات الإصلاح والتطوير على طريقتها، ولكن بسبب من الضغوط الخارجية التي تتعرض لها وليس بناء على الحاجات والمطالبات الفلسطينية! وهو ما تمثل بإعداد مشروع الدستور والموافقة على تعيين رئيس وزراء وتنظيم الأوضاع الداخلية وضبط الحسابات المالية والشروع بعملية الحوار الجارية.

كذلك فإن حركة حماس بدورها تتحمل مسؤولية تعثر الحوارات بسبب تجاهلها لإمكانيات الشعب الفلسطيني وللظروف المحيطة به في هذه المرحلة، وبسبب إصرارها على فرض مشروعها الخاص على الساحة الفلسطينية. والمشكلة أن حركة حماس استدرجت المناقشات، التي يفترض أن تتمركز حول هدف الكفاح الفلسطيني وسبله في هذه المرحلة، إلى أبعد من ذلك بكثير، أي إلى النقاش حول شرعية القيادة الفلسطينية وطبيعة منظمة التحرير والبرنامج المرحلي، وهي مناقشات مشروعة، ولكن كان يمكن تأجيلها في هذه المرحلة.
واللافت أنه ثمة قطاع واسع في (فتح) يتقاطع مع (حماس) في تأكيده على شرعية المقاومة المسلحة، وإن بتركيزها ضد المستوطنين والعسكريين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ولكن حماس لم تستثمر هذا الوضع بطريقة سياسية ناجعة، برغم من إتقانها للسياسة البرغماتية في كثير من الأحوال، بل إنها على العكس من ذلك أثارت المزيد من الريبة بشأن حقيقة توجهاتها بعد إعلان بعض قادتها الاستعداد لقيادة الساحة الفلسطينية.

أما الجبهتين الشعبية والديمقراطية فكان يمكن لهما أن يضطلعا بجهد أفضل في تثمير الحوار الجاري وإيصاله إلى غاياته المرجوة، وربما في بلورة قطب ثالث في الساحة الفلسطينية، ولكنهما وجدتا في هذا الحوار فرصة سانحة لهما لطرح أجندتهما الخاصة، في مواجهة حركة فتح وحماس، لتعزيز مكانتهما في صوغ القرار الفلسطيني، كل بحساباته الخاصة، إزاء هاتين الحركتين.

وهكذا بينما حاولت الجبهة الشعبية أن تشتغل على فتح وحماس من دون أن تبلور رأيا خاصا وحاسما في القضايا الخلافية المطروحة (الهدف السياسي وأشكال النضال)، بسبب من ضعف ثقتها بقيادة السلطة وعلى خلفية اعتقال أمينها العام، قامت الجبهة الديمقراطية بجر النقاش إلى مشكلات التفرد في صنع القرار وضرورة إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية. وفي ذلك فإن هذين الفصيلين لم يكسبا شيئا لا لجهة بلورة قطب ثالث لتيار وطني ديمقراطي، تبدو الساحة الفلسطينية بحاجة له، ولا في تصويب علاقتهما مع حماس وفتح، ولا في إيصال الحوار إلى جدواه التي تخدم المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

عموما لم يكن من المطلوب من أي طرف كان في الساحة الفلسطينية التخلي عن مشروعه الخاص، في الحوارات الجارية، وإنما كان من المفترض التركيز، أولا، على معطيات اللحظة العصيبة الراهنة بشكل واقعي ومسؤول؛ وثانيا، كان من المهم لأي طرف، مهما كانت فاعليته اليوم، أن يأخذ في اعتباره أنه من غير الممكن العودة للخلف أو البناء من العدم، وفق قياسات معينة ومحددة سلفا، وإنما المطلوب البناء على الموجود على قاعدة تطويره؛ مع الأخذ بالاعتبار التنوع والتعددية في الساحة الفلسطينية؛ وثالثا، كان من الأجدى لو ميز الحوار بين متطلبات تعزيز السلطة ومتطلبات تطوير حركة التحرر الوطني، وبين التزامات الأولى واستحقاقات الثانية، فالخلط بين الجانبين أضرّ سابقا بالقيادة الرسمية وبالقضية الفلسطينية، كما بينت تجربة الانتفاضة، وأثار، في المرحلة الراهنة، مشكلات في الحوار الدائر بين الفصائل الفلسطينية.

وفي الواقع فإن ضرورة التمييز تنبع، أيضا، من واقع أن حركة التحرر تستمد شرعيتها من نشاطاتها وصدقيتها الكفاحية، بغض النظر عن مدى تمثيلها الشعبي والمؤسساتي، في حين أن شرعية السلطة تنبع من العملية الانتخابية، بغض النظر عن ملابساتها، ومن المؤسسات التمثيلية الشرعية المنتخبة وهي تخضع لقوانين وتشريعات ومعادلات رسمية، وعليه فإن الخلط بين الجانبين، من العمل الفلسطيني، يثير شبهة ازدواجية السلطة ويضعف الساحة الفلسطينية ويفككها كما أنه يكرس نظام "الكوتا" أو الامتيازات الفصائلية، الذي عفى عليه الزمن، والذي بات من الضروري العمل على تجاوزه بتكريس العلاقات الديمقراطية على قاعدة التمثيل النسبي، الذي يمكن أن يعيد لفصائل الساحة الفلسطينية توازنها الطبيعي.

ويخشى الآن أن الفلسطينيين، وبرغم كل الأوضاع والمعطيات الخطيرة وإزاء كل التحديات التي تعصف بهم وبعموم المنطقة العربية، غير قادرين على التصرف وفق حسابات سياسية موضوعية تخرجهم من أسر الارتهان للتمنيات والرغبات والحساسيات والحسابات الفصائلية، لكأنهم اعتادوا على هذه الحال من الفوضى والتكلس وتبديد الطاقات التي تتّسم بها الساحة الفلسطينية منذ زمن.

على كل فإننا نأمل أن يثبت المتحاورون عكس ذلك في حواراتهم القادمة، حفاظا على صدقيتهم وصدقية القضية التي يدافعون عنها.