19 دقيقة من "الانتصار"../ فراس خطيب

19 دقيقة من "الانتصار"../ فراس خطيب

كان خطاب الـ"19 دقيقة" الذي ألقاه أولمرت على منبر الكنيست مثل "أغنية لغائب" ترجل إلى لبنان ولم يعد. كان الخطاب شاعريًا إلى حد القصيدة لكنّه يخلو من أفق سياسي محدد ومن هدف ميداني محدد في معركة لا يمكن تسميتها الا سياسية. لقد تحدث أولمرت عن كل شيء إلا عن إنجازات جيشه في لبنان. صرّح كل شيء إلا أنه لم يكرر تصريحه المعهود "لن نتفاوض مع المنظمات الإرهابية". قال إنه "يعلق صورة الجنديين على حائط مكتبه"، لكنه لم يقل ماذا سيفعل لاعادتهما. قال إن "المعركة صعبة" لكنه لم يقل إلى أي مدى وصلت صعوبتها. شدَّ على أيدي سكان الشمال لكنّه لم يعدهم بـ "فجر قريب". قال "إننا سننتصر" ولكنه لم يحدد اين الانتصار في شوارع حيفا الخالية، ولا في السوق المالية الخاسرة ولا في الرعب المهيمن على مركز البلاد... اولمرت قال كل شيء لكنه لم يقل شيئًا. 19 دقيقة من الانتصار خاصته.

لقد وضع أولمرت منذ بداية العدوان الاسرائيلي على لبنان ثلاثة أهداف لا مساومة عليها بالنسبة له: عودة الجنديين الاسرائيليين من دون قيد أو شرط وتجريد حزب الله من سلاحه وإزاحته عن الجنوب اللبناني ولكن الحقيقة أحيانًا تكون مرَّة امام التوقعات، فبعد سبعة أيام من العدوان على لبنان لا تنفي وزيرة الخارجية تسيبي ليفني مسار المفاوضات غير المباشرة ولا ينفي وزير الأمن الداخلي آفي ديختر تحرير أسرى لبنانيين. وفي حال عاد أسير من إسرائيل إلى لبنان فإن التاريخ سيذكر خطابات أولمرت في هامشه السيء، فليس هذا ما وعد به أولمرت. فإذا كان سيحرر أسرى مقابل مفاوضات فلماذا هذه الحرب إذن؟! وهذه الخسارة؟! وكما قال المحلل العسكري الاسرائيلي، عوفر شيلح "الاسرائيليون مستعدون لتكبد الخسائر شريطة انجاز نتيجة مرضية في النهاية"، ولا نعرف ماذا تعني خسارة في البداية مع نتيجة سيئة في النهاية. وبالمقابل، لم يعد حزب الله اللبنانيين بتحطيم إسرائيل وتدميرها ولم يعد العرب بـ"شرق أوسط جديد" ولا بـ "تغيير لقواعد اللعبة"، وعد بعودة الأسرى، ولا ثمن الآن للنقاش ما اذا توقع حزب الله ردًا انتقاميًا اسرائيليًا أم لا... هذه المرة الحديث عن حرب من اجل الإنجاز. من يحقق أهدافه ينتصر.

إنَّ تجريد حزب الله من سلاحه و "طرده" من الجنوب اللبناني يحتاج إلى اجتياح بري طويل المدى، حسب التقديرات العسكرية الاسرائيلية المعلنة. اجتياح سترافقه الخسائر. وهذا يعني عودة كابوس الماضي لاسرائيل وليس صدفة بأن أولمرت لم يذكر شارون في خطابه، وعلى الرغم من "شعبية شارون الاسرائيلية" إلا أنَّ شارون ولبنان لا يتفقان تاريخيًا، هما معادلة خاسرة للاسرائيليين. والاسرائيليون يريدون كل شيء إلا العودة البرية للبنان. أو "وحل لبنان" كما يسمونها.

قد يصعب اليوم اختراق الاسرائيليين أو ذهونهم خاصة وأنهم يشعرون بالخوف والتهديد. إسرائيل اليوم تشهد حالة من الانقلاب العسكري المجازي فيها الجيش يدير كل شيء. التحليلات العسكرية على صفحات الصحف الأولى والجيش هو من يقرر قواعد اللعبة أو تغييرها. لا أحد يقوى على قائد الأركان دان حلوتس أثناء جلسات الحكومة، لا أحد يعرف أكثر من حلوتس أصلاً في الحملة العسكرية، لا رئيس الوزراء ولا وزير دفاعه. حلوتس وضباطه يقررون كل شيء في لبنان وهم من يقلب الرأي العام الاسرائيلي وهم من يتحدث للإعلام. هم كل شيء اليوم. وهم البرهان أيضًا على ان اسرائيل جيش يملك دولة وليست دولة تملك جيشًا. وهؤلاء الدولة يقولون في تصريحاتهم المتفائلة "إن الحملة ستحتاج عدة أسابيع"، والمتشائمة تقول "لا جدول زمني". والسؤال يقول: كم سيحتمل الاسرائيليون وسوقهم وابناؤهم ومدارسهم والخوف من الخطر القادم من هذه الحرب المفتوحة؟؟!

اجتمع الامريكيون ذات يوم من أجل بحث خسارتهم في فيتنام، فقال مسئول منهم: من أجل الخروج من هذه الخسارة علينا الإعلان بأننا انتصرنا.
وهذا ما فعلته الصحف العبرية قاطبة بالامس حين كانت عناوينها: "نحن سننتصر".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018