الروسي الذي وصل بين بوتين وإردوغان وترامب

الروسي الذي وصل بين بوتين وإردوغان وترامب
ألكسندر دوجين

ترجمة خاصة: عرب 48

وصف موقع بريتبارت الإخباري، الذي كان يُديره كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب، ستيف بانون، القوميّ الروسي المتطرّف ألكسندر دوجين بـ'راسبوتين بوتين'، معتبرةَ أنّ ظهوره غير المتوقّع قد صوّب السياسة الخارجيّة للكريملين.

بلحيته المرسلة، يُعطي دوجين انطباعًا بالشبه بينه وبين الرجل السيبيري الغامض 'راسبوتين' الذي سحر عائلة القيصر الروسي الأخير. يقول دوجين إنّه قد لعب دورًا رئيسيًّا وسريًا، في إصلاح العلاقات بين تركيا وروسيا، وهو ما أكّده مسؤول رفيع في أنقرة. ويقول بأنّه متفائل الآن بعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة، مع الأشخاص الذين يصفهم بـالحلفاء الأيدولوجيين في البيت الأبيض.

بعد أن أسقطت تركيا طائرة روسيّة على الحدود السوريّة في عام 2015، وما صاحب ذلك من تكهّنات على تويتر بـ'نشوب حرب عالميّة ثالثة'، استغلّ الفيلسوف الناريّ علاقاته في كلا الدولتين لتشكيل قناة اتصال خلفيّة ساعدت الرئيسين بوتين وإردوغان على إنهاء العداء المتصاعد والخطير بين البلدين، وفقًا لأحد الجنرالات الأتراك المتقاعدين، والذي سافر إلى روسيا إبّان الأزمة لإجراء محادثات سريّة.

لقد سمح هذا التقارب لبوتين بالتفوّق على إدارة أوباما وتوجيه دفّة الصراع السوري نيابة عن بشار الأسد. بالنسبة لدوجين، الذي يقتبس منه بانون وقادة اليمين المتطرّف آراءه حول خطر وشرور الليبراليّة، فإنّ هذا التقارب قد جعل روسيا تتقدّم خطوة إضافيّة لتحقيق رؤيته في تفكيك النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، جزئيًا باستدراج تركيا بعيدًا عن حلف الناتو، وخلق 'تحالف روسي-إسلامي' يضمّ إيران.

يقول دوجين، ابن أحد ضباط جهاز الاستخبارات السوفييتي، إنّ كونه مستقلًّا قد أتاح له أن يكون فاعلًا بدرجة أكبر للتفكير في قضايا الدولة المختلفة. لا يشغل ابن الخمسة والخمسين عامًا، والخطيب المفوّه المؤثّر في الجماهير، والموضوع على لوائح الولايات المتحدة بتهمة دعم المتمردين في أوكرانيا، أيّة وظيفة رسميّة. ولكنّه يُعتبر مستشارًا لعدد من المقرّبين في الدائرة الداخليّة لبوتين، وقد كتب كتابًا عن الجغرافيا السياسة تمّ استعماله وتدريسه في الجيش.

من مكتبه في موسكو في تلفزيون تسارجراد، حيث يعمل معلّقًا ورئيس تحرير، يقول دوجين ' إنني أستطيع الحديث إلى الناس كما لا يستطيع أيّ مسؤول أن يفعل'. 'يقول الدبلوماسيّ ما يُلقّنه. ولا يكاد العسكريون أن يفصحوا عن شيء، أمًّا ضباط الاستخبارات فإنّهم لا يقولون شيئًا على الإطلاق. إنك لا تعرف أين تكمن الحقيقة. إنني أتحدّث من منظور جيوسياسي. وهذا ما جعل الأتراك يثقون بي'.

دوجين، الذي يُوصف بأوصاف عديدة بدءًا من الفاشيّ المتخفّي إلى الإمبريالي الغامض، خسر وظيفته المرموقة في إدارة قسم علم الاجتماع في جامعة موسكو في 2014 بعد أن اتهمه ناشطون بتشجيع الإبادة الجماعيّة والمذابح. فقد وقّع آلاف الناس عريضة تُطالب بإقالته بعد تبجّحه بتأييد الانفصاليين الأوكرانيين، موجّهًا رسالته لهم 'اقتلوا، اقتلوا، اقتلوا'.

منح الكريملين للمجادل البارز في وقت الحرب على كبرى الشبكات الإخباريّة فرصة قيادة الهتاف، خلال إعلان ضمّ جزيرة القرم في 2014، ولكنّه أبقاه على مبعدة منذ أن انتقد بوتين بسبب توقّفه عن الحديث عن أوكرانيا. وعندما سُئل فيما إذا كان دوجين قد لعب دورًا في الانفراجة الأخيرة مع تركيا، أجاب المتحدّث باسم بوتين، ديميتري بيسكوف، 'لا'.

'يُنظر إليه على أنّه فيلسوف عبقريّ، ولكنّ شعرة رفيعة هي ما يفصل بين العبقريّة والجنون'، هكذا قال سيرجي ماركوف، المستشار السياسي لفريق بوتين. على الرغم من أنّ دوجين ليس مبعوثًا رسميًّا، يقول ماركوف، 'فيبدو أنّه قد قدّم للأتراك بعض النصائح الجيّدة'.

بحسب ماركوف، فقد جعل دوجين 'الجميع سعداء' عبر تنظيمه لزيارة إلى القرم في تشرين الثاني/ نوفمبر لوفد تركي يضمّ أحد أبناء عمومة إردوغان، بعد عدّة أسابيع من لقاء رئيس الوزراء بن علي يلدرم في أنقرة. لقد كانت هذه الزيارة بمثابة دفعة قويّة لجهود روسيا للحصول على الاعتراف بضمّ بوتين لشبه الجزيرة في البحر الأسود، وهو الأمر الذي استدعى فرض عقوبات أميركيّة وأوروبيّة على روسيا.

لقد ساهمت كتابات دوجين الكثيرة، عشرات الكتب وعدد لا يُحصى من المقالات والتدوينات، في جعله مفكّرًا مشهورًا لا في تركيا وحسب، بل في إيران أيضًا، التي يزورها باستمرار، كما جعلته معروفًا في أوساط الأحزاب الشعبويّة الصاعدة المعادية للمؤسسات عبر أوروبا، وهو اتجاه ترحّب به القيادة الروسيّة.

بعيدًا عن تركيا، 'هناك دولتان أوليهما اهتمامي الكلّي؛ إيران والولايات المتحدة' يقول دوجين.

إنّ أحد مقدّمات كتب دوجين قد كتبت بقلم البروفيسور الأميركي بول جوتفريد، الداعم لترامب، والذي كان من أوائل الفلاسفة السياسيين الذين استعملوا مصطلح 'بديل اليمين' لوصف حركة المحافظين المتشددين. في يوليو 2016، بعد شهر من انضمامه إلى حملة ترامب، وصف بانون موقع بريتبارت بأنّه ' منصّة لبديل اليمين'.

في فيديو مُقدّم لأحد مؤتمرات الفاتيكان في 2014، دافع بانون، الذي أصبح الآن عضوًا في مجلس الأمن القومي، عن الرؤية التقليديّة التي يعتنقها دوجين وبقيّة القوميّين الذين يريدون حماية 'السيادة في بلدانهم'. يقول دوجين بأنّه لم يُقابل بانون من قبل.

لقد أكّد القائد السابق للاستخبارات العسكريّة، حقي بيكين، على دور دوجين في حلّ الأزمة الروسيّة مع إردوغان في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية. وقد كان حقّي أحد خمسة أعضاء من الحزب الوطني، بالإضافة إلى جنرال وأدميرال متقاعدين، ذهبوا إلى موسكو في ديسمبر 2015، لأربعة أيّام من اللقاءات التي رتّبها دوجين مع ضباط روس حاليين ومتقاعدين.

بحسب ما أورده بيكين في مقابلة أجراها في أنقرة، فخلال تلك الزيارة، أخذ دوجين الوفد التركي إلى 'غرفة سريّة' في 'مكان خاص' للقاء داعمه، المليونير كونستانتين مالوفيف، المرتبط بعلاقات وثيقة بالكنيسة الروسيّة الأرثوذكسيّة.

لقد أطلق دوجين ومالوفيف، المشمول أيضًا في العقوبات الأميركيّة بتهمة دعم المتمرّدين في أوكرانيا، تلفزيون تسارجراد، الإسم القديم للقسطنطينيّة، في 2015، وقد باتت القناة تحظى الآن بما يزيد عن 20 مليون مشاهد. لقد كانت القناة هي القناة الكبرى الوحيدة التي نقلت خطاب مستشار ترامب السابق كارتر باج، الذي ألقاه في موسكو العام الماضي.

يقول بيكين بأنّ دوجين قد قدّم مالوفيف باعتباره 'اليد اليمنى لبوتين'، ووصل الأتراك إلى قناعة بأنّ هذا الخبير المالي يُمكنه فعلًا أن يطرق باب بوتين في أيّ لحظة.

'بهذه الطريقة نجحت الرحلة' يقول بيكين. ' كنّا نعرف بأنّ كل ما نقوله سيصل مباشرة إلى بوتين'.

وما قالوه في تلك الزيارة، هو أنّ إردوغان لم يكن له دخل في إسقاط الطائرة في الشهر السابق. وقد قال بيكين بأنّه وزملاؤه قد نحجوا في إقناع الروس الذي تحدّثوا معهم، بما فيهم اثنان من الجنرالات، بأنّ عناصر فرديّة مخرّبة من الجيش هي المسؤولة عن إسقاط الطائرة.

لقد كانت 'مؤامرة' اشترك فيها أتباع فتح الله غولن، رجل الدين المُقيم في بنسلفانيا، وبأنّ الولايات المتحدة ومسؤولي حلف الناتو يُريدون جرّ تركيا وروسيا إلى الصراع، هكذا قال بيكين، ملخّصًا ما جرى للدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين في أنقرة بعد العودة من الزيارة.

يقول بيكين بأنّ دوجين قد سعى وراء الجنرالين التركيين المتقاعدين والأدميرالات السابقين تحديدًا لأنّهم يمتلكون تاريخًا في معارضة أردوغان، ولأنّهم قد قضوا وقتًا في السجن بتهمة محاولة التآمر لقلب الحكم، وهو ما يجعلهم أشخاصًا موثوقين في أعين محاوريهم الروس.

في آذار/ مارس، حين كانت التوتّرات لا تزال محتدمة بين بوتين وإردوغان، سافر دوجين إلى أنقرة في زيارة تشمل لقاءات مع بعض أقرباء إردوغان وبعض الشخصيات البارزة.

يقول دوجين بأنّه قد قال للأتراك بأنّ اعتقال الشخص المتهم بإطلاق النار على الطيار الروسي الذي حاول الهبوط بالمظلّة سيُساهم في إعادة العلاقات. في اليوم التالي، في 30 آذار/ مارس، تمّ احتجاز المتهّم في مدينة إزمير.

وقد مرر دوجين معلومات للمسؤولين الروس، كما قال ' إنّهم (أي الأترك) يُجرون تحقيقًا وسيعتذر أردوغان'.

بعد ثلاثة أشهر، في 27 حزيران/ يونيو، مع تراجع اقتصاد تركيا بسبب القيود التجاريّة التي فرضتها روسيا بعد إسقاط الطائرة، عبّر أردوغان أخيرًا عن أسفه على الحادث، وهو ما مهّد الطريق لاستئناف العلاقات من جديد.

ولكن، بعد أقلّ من ثلاثة أسابيع، في 15 تموز/ يوليو، تحققت إحدى الأشياء التي حذّر منها مالوفيف ودوجين في 'الغرفة السريّة'، كما يقول بيكين، إذ حصلت محاولة انقلاب من قبل ضباط ناقمين في الجيش.

لقد نفى مالوفيف القول بأنّه اليد اليمنى لبوتين معتبرًا أنّ هذا 'إطراء مبالغ فيه'. فيما أنكر بيسكوف، المتحدّث باسم الكريملين، أن يكون للخبير المالي أيّ دور في التقارب مع الأتراك.

دوجين، الذي كان في صفوف المعارضة في الثمانينيات، والذي ساهم في تأسيس الحزب البلشفي القومي بعد انهيار الشيوعيّة، كان في أنقرة في وقت الثورة العسكريّة. وشارك في عدد من المقابلات التلفزيونيّة داعمًا لقرار الرئيس التركي إصلاح العلاقات مع روسيا، وكانت آخر تلك المقابلات على محطّة تي. آر. تي TRT التي تديرها الدولة، وقد انتهت المقابلة قبل ساعتين ونصف بالضبط من احتلال منظّمي الإنقلاب للمحطّة.

لقد ألقى أردوغان باللوم على غولن، وداعميه الأميركيين، على محاولة الإنقلاب، وردّ بحملة واسعة على أتباع جماعة غولن المحتملين في المجتمع، وأعاد التقارب الروسي التركي من جديد. وقد نجحا في إعادة شحن الشراكة، على الرغم من حادثة اغتيال السفير الروسي في تركيا في كانون الأول/ ديسمبر.

وقد صرّح دوجين أن 'هذه آخر محاولة للإدارة الأميركيّة وسياسيي العولمة لقلقلة العلاقات الروسيّة مع تركيا'.

لقد كان دوجين سعيدًا برؤية روسيا وتركيا يتولّيان زمام الأزمة السوريّة معًا، مُخرجين الولايات المتحدة من الملعب.

أرسل إردوغان، بمباركة من بوتين، قوّات إلى سورية في آب/ أغسطس، لقتال 'الدولة الإسلاميّة' (داعش)، وقوى الأكراد المدعومة من الولايات المتحدة، والذي تنظر إليهم تركيا على أنّهم إرهابيّون بسبب ارتباطهم بانفصاليي حزب العمال الكردستاني. في المقابل، أوقفت تركيا دعمها للثوار في حلب، مما سمح لقوات الأسد، المدعومة بالطيران الروسي، من الاستيلاء على العاصمة التجاريّة في ديسمبر. في يناير، شارك القائدان في حملات جويّة ضدّ أهداف تابعة لتنظيم 'داعش'.

وقد صرّح دوجين، الذي طالما تنبّأ بنهاية 'الهيمنة الغربيّة الليبراليّة'، في معرض انتخاب ترامب، بأنّ ذلك بمثابة نقطة تحوّل ستغيّر مسار تاريخ العالم.

وقد علّق قائلًا على خطاب ترامب الإفتتاحي 'جميل بشكل لا يُصدّق، إنّ هذه أحد أفضل لحظات حياتي'.

بعد عقود من الخطابات المعادية لواشنطن سعيًا لـ'تغريب جميع الإنسانيّة'، أدّى صعود ترامب إلى تحوّل كبير في دمشق بحسب دوجين. وقال ' ليس فقط أنّ أميركا لم تعد عدوًّا، بل إنّها حليف محتمل تحت حكم ترامب'.

ينصبّ تركيز دوجين الآن على أوروبا، حيث كان، منذ مدّة طويلة، يوثّق علاقاته بالأحزاب المعادية للمؤسسات، والتي تهدد الوحدة السياسيّة والعسكريّة، التي استغرق بناؤها سبعة عقود.

مع الانتخابات القادمة في فرنسا، وألمانيا وهولندا هذا العام، أصبح لدى المجادل الروسي عبارة رنانة جديدة لأوروبا، عبارة مقتبسة من كتاب حملة ترامب: 'تجفيف المستنقع'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018