جذور الإرهاب

جذور الإرهاب
سياسات أميركا الخارجية تسببت بالكثير من السخط (أ.ب)

ترجمة خاصة: عرب 48/ أسامة غاوجي

ما الذي يجعل أميركا غير آمنة؟ هل هو موقفها المرحب بالمسلمين الملتزمين بالقانون وبقية الشعوب المتفرقة في أرجاء المعمورة؟ أم هو سنها لسياسات تُمارس التمييز والظلم تجاه البشر العاديين؟

بالنسبة للرئيس ترامب، فإن الجواب بلا شك هو الأول. فقد قضى ترامب أيامه الأخيرة في مهاجمة القضاة والمحاكم التي عرقلت قراره بحظر قدوم المسلمين، زاعمًا بأنهم 'يضعون بلدنا في خطر'، وأننا دون الحظر 'لا يُمكن أن نشعر بالأمن والأمان الذي نسعى إليه'.

ولكن الكشف مؤخرًا عن رسالة موجهة من العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (كما يُزعم) خالد شيخ محمد، إلى الرئيس أوباما، تُشير إلى استنتاج مختلف.

فالرسالة، التي تقع في 18 صفحة، والمؤرخة بتاريخ 8 كانون الثاني/ يناير 2015، والتي كتبها محمد أثناء قضاء مدة عقوبته في سجن غوانتانامو، تم الحصول عليها من موقع Miami Herald، عن طريق محامي محمد، بعد أن طلبت المحكمة بتفحص الرسالة لثلاثين يومًا لشطب أي معلومات حساسة منها. يعبر محمد في رسالته عن مظلوميته تجاه الولايات المتحدة، ويُفصح بوضوح عما كنا نعرفه منذ مدة طويلة من خلال شهادات إرهابيين آخرين: بأن سياسات واشنطن الخارجية المدمرة، والتي يؤيدها كلا الحزبين، هي ما دفع بمثل هؤلاء الرجل لارتكاب أعمال إرهابية، وأن الدافع ليس نسخة أصولية حاقدة من الإسلام كما يُفترض ويُشاع عادةً.

أخبر محامي الدفاع عن محمد، ديفيد نيفين، موقع Miami Herald بأن محمد قد بدأ بكتابة رسالته في أثناء عدوان إسرائيل على غزة المسمى 'الجرف الصامد' عام 2014، والذي تسبب بتدمير أحياء كاملة في غزة وقتلت خلاله إسرائيل ما لا يقل عن ألفي فلسطيني خلال خمسين يومًا؛ كان معظمهم من المدنيين، والكثير منهم من الأطفال. في أربعة أسطر، يتهم محمد أوباما بأن يديه 'لا تزالان ملطختين بدماء إخواننا وأخواتنا وأطفالنا الذين قُتلوا في غزة'، مستشهدًا بإحصائيات مروعة عن خسائر المدنيين الفلسطينيين في تلك الحرب.

أما الجزء الأكبر من الرسالة فهو مكرس للإجابة عن سؤال 'لماذا حصلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ ولماذا يُمكن أن تحدث مرة أخرى؟'. أحد الأسباب الرئيسية الكامنة وراء ذلك الهجوم، وفقًا لمحمد، هو الاحتلال الإسرائيلي، المستمر منذ سبعين سنة لفلسطين، وممارسات إسرائيل العنصرية ضد الشعب الفلسطيني.

فهو يقول فورًا بعد طرح السؤال السابق 'استمرت جرائم الحرب في فلسطين منذ 1948، وهي تحدث مرة أخرى في غزة الآن، وهذا هو السبب الرئيسي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والسبب الذي يُمكن أن يجعلها تحدث مرة أخرى في المستقبل'.

عبر الرسالة، يتكرر الحديث عن سياسات إسرائيل، والاستياء من الدعم الأميركي لهذه السياسات. ونجد في الرسالة عشرات العبارات الغاضبة التي تتحدث عن إسرائيل وغزة ومعاناة الفلسطينيين على طول النص، بما في ذلك الحديث عن غزو إسرائيل للبنان 1982، وقتلها للأطفال على شاطئ غزة في 2014، واستمرار سيطرتها على المجال الجوي، والثروة المائية، والطرق الفلسطينية. كما أُرفقت خريطة للأراضي المحتلة من فلسطين منذ 1946 إلى 2010.

في أحد النقاط العابرة، أشار محمد إشارة ترامبية [نسبة إلى سياسات ترامب]، محاججًا بأن الدعم المالي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل يأتي على حساب استقرار الولايات المتحدة الداخلي.

'هل تدركون بأن إسرائيل دولة غنية يصل معدل دخل أفرادها إلى مستويات تتفوق على رومانيا، وإسبانيا، ومصر، وكوريا الجنوبية، والمملكة العربية السعودية، في حين أن الولايات المتحدة تشكو من الارتفاع الدائم في مديونيتها، وتتسبب بالإضرار ببرامجها الاجتماعية لصالح طفلتها المدللة إسرائيل؟'. على أن محمد ليس دقيقًا تمامًا، فعلى الأقل هذه السنة، كان معدل دخل الفرد في كوريا الجنوبية، بحسب بيانات البنك الدولي، أعلى بقليل من إسرائيل، كما أن معدل الدخل الفردي في السعودية أعلى أيضًا. ولكن هذا لا ينفي وجاهة فكرته.

يذهب محمد إلى وصف أوباما بأنه 'رئيس مطابخ الحساء وطوابع الغداء' الذي يقطع 'المال عن ميزانية التعليم الأميركي وعن برامج الصحة' في حين 'يقدم المال لتصل أدوات القتل والتدمير إلى أيدي الإسرائيليين الذين يستعملونها ضد المسلمين الفلسطينيين واللبنانيين'. (في آخر سنوات رئاسته، أرسل أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية في التاريخ، لإسرائيل).

لا يقتصر غضب محمد على السياسات الإسرائيلية. فخلال رسالته الطويلة، يسرد عددًا من السياسات الأميركية التي تثير غضبه، بما فيها:

دعم إدارة ريجان لصدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، والتي شملت استخدام أسلحة كيميائية ضد الإيرانيين والأكراد.
الدعم الأميركي لعدد من الأنظمة الاستبدادية والفاسدة السارقة في الشرق الأوسط، من آل سعود إلى الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي.
العقوبات القاسية التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق، بدعم من إدارة جورج بوش الأب، والتي استمرت مع إدارة كلينتون، والتي تسببت بمقتل آلاف الأطفال العراقيين في نهاية التسعينيات. وقد صرحت وزيرة خارجية كلينتون، مادلين أولبرايت، في برنامج 60 دقيقة بأن 'هذا الثمن كان مُستحقًا'، وهو التصريح الذي يُشير إليه محمد في الرسالة.
التعذيب والاعتقال دون تهم إبان إدارة جورج بوش الابن عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي شملت القُصر أيضًا.
 كارثة غزو العراق في 2003.
استخدام بوش وأوباما لطائرات الدرونز (الطائرات بدون طيار)، مع إشارة مخصوصة للقصف الذي طال عرسًا أفغانيًا في 2008، وقتل المواطن الأميركي البريء عبد الرحمن العوقلي في 2012.

على الرغم من إدانة محمد للعقوبات الجماعية التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين ورفضه لها، حيث يقول بأنها 'أكثر أشكال الحرب وحشية لأنها تعاقب الشعب بأكمله، فإن محمد، للمفارقة، ليس لديه مشكلة بتطبيق ذات المبدأ المشوه على الشعب الأميركي، الذي يدعي بأنه 'يتحمل المسؤولية الكاملة عن جرائم ' إسرائيل وجرائم الديكتاتوريات في الشرق الأوسط.

قد يكون من السهل للقارئ أن يشطب هذه الرسالة تمامًا ويتجاهلها باعتباره تقف على أرضية مخادعة وازدواجية. بعد هذا كله، يتحدث محمد عن 'رحمة وتعاطف' بن لادن لأنه لم يقتل سوى بضعة أطفال في هجمات سبتمبر ولم يستهدف المنازل السكنية؛ وهو أمرٌ، وإن كان صحيحًا، لا يُمكن أن يُقدم أي تبرير أخلاقي للفعل الشنيع الذي حدث في سبتمبر.

ولكن هذه الرسالة قد تكون هي الرسالة الأولى التي يتحدث فيها أحد مرتكبي الإرهاب للجمهور العام معلنًا بأن السياسات الخارجية للغرب هي المسؤولة عن الغضب الكامن وراء الهجمات الإرهابية ضد الغرب.

فكما أشار توماس هيغهامر، فقد قضى بن لادن ورجال القاعدة سنوات قبل وبعد أحداث سبتمبر مركزين على إدانة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وفي أحد أولى خطاباته في الثمانينيات، دعا بن لادن إلى مقاطعة البضائع الأميركية بسبب دعمها لإسرائيل. في خطاب ألقاه في 2008، قال بن لادن 'إن القضية الفلسطينية هي الدافع الرئيسي، الذي ملأ قلبي، منذ طفولتي، كما ملأ قلوب الرجال التسعة عشرة [منفذي هجمات سبتمبر]'.

'إن الأحداث التي هزت روحي وحددت مسار حياتي كانت في 1982 عندما سمح الأميركيون للإسرائيليين باقتحام لبنان'، يقول بن لادن في خطاب (2004). 'وعندما رأيت الأبراج المدمرة في لبنان، قلت لنفسي بأننا لابد أن نعاقب الظالم بأن ندمر أبراج أميركا'.

في رسالة بن لادن إلى أميركا (2002)، تظهر كلمة 'فلسطين' ثلاث عشرة مرة، وقد تحدث عن ظروف الفلسطينيين أول ما تحدث عندما كان يُجيب عن سؤال 'لماذا نقاتل ونعادي أميركا؟' في الرسالة نفسها، يستحضر بن لادن المعاناة التي عاشها العراقيون بسبب العقوبات، على الرغم من أنه بالغ في عدد الأطفال القتلى بسبب العقوبات بجعله مليون ونصف.

لا تقتصر صحة هذه الدوافع على بن لادن، فالإرهابي الذي حاول تفجير ساحة التايمز 2010، كان قد تحول إلى التطرف في السنوات القليلة السابقة، وقد برر دوافعه بغزو العراق، وبسجن خليج غوانتنامو، وقصف طائرات الدرونز، واشتكى من هجمات الدرونز في باكستان في محاكمته. أما المسلح في منطقة فورت هوود فقد كان معارضًا شرسًا لحربي العراق وأفغانستان.

كما أن أحد قتلة الجندي البريطاني لي ريجبي كان مدفوعًا بـ'الاشمئزاز' من حرب العراق. وكذلك أحد مطلقي النار على صحيفة شارلي إيبدو قد اندفع للتطرف بسبب صور التعذيب في سجن أبوغريب. أما مُطلق النار في النادي الليلي في أورلاندو، فعلى الرغم من أن متأثر جزئيًا بمعارضته للمثلية، فإنه قد حين اتصل بالطوارئ أخبرهم بأنه يُريد أن 'تتوقف أميركا عن قصف' أفغانستان. والشواهد أكثر من أن تحصى.

على الرغم من ذلك، فإن إدارة ترامب تستمر، وأحيانًا تصعد، من تجاوزات السياسات الخارجية لبوش وأوباما، التي تسببت بإشعال غضب هذا النوع من الإرهاب. في أثناء إدارة أوباما، ارتفع عدد سكان المستوطنات الإسرائيلية، غير الشرعية، بنسبة 25% ما بين 2009 و2014. والآن، بدأت إسرائيل، بتشجيع من ترامب، بتوسيع هذه المستوطنات، بل وشرعنت، بأثر رجعي، ما يقرب من 4000 مسكن استيطاني غير شرعي في الضفة الغربية.

في الشهر الماضي، وافق ترامب على تنفيذ غارة في اليمن تسببت بمقتل ما يقرب من 30 مدني، بمن فيهم طفلة تبلغ 8 سنوات، وهي أخت الأميركي ذي الـ16 عامًا الذي مات بقصف من الدرونز في أثناء إدارة أوباما 2012، والتي شهدت [أي الغارة] هروب الهدف الرئيسي دون سلاح (وفقًا للإندبندنت، فإن الغارة قد نُفذت بأمر الجنرال جيمس ماتيس، الذي كان من المفترض أن يكون 'حريصًا على الاعتدال والاستقرار' في الفترة الرئاسية الجديدة). يُحذر الخبراء من أن الإرهابيين سيستعملون هذا الحادث لتجنيد المزيد من الساخطين.

لا يعني أمر الجنرال ماتيس بأن إدارة ترامب لم تكن تعلم مسبقًا بالغارة. فمايكل فلين، مستشار ترامب للأمن القومي (الرجل الذي ذكرت التقارير بأنه كان حاضرًا حين أُبلغ ترامب بقرار الغارة في اليمن) كان قد شدد مرارًا على عدم ملائمة الاستراتيجية العسكرية الصرفة لهزيمة الإرهاب، معتبرًا بأن ضررها قد يكون أكبر، وقد حذر في ورقة قدمها في 2010 من أن ' قتل المتمردين غالبًا ما يزيد من عددهم بدلًا من أن ينقصه'.

ولكن، على الرغم من ذلك، يبدو أن الإدارة الجديدة لا تملك أية نية لتغيير المسار الفاشل، منذ عقود، للسياسة الخارجية الأميركية، والتي لم تتسبب إلا بسكب الوقود على لهب الإرهاب. بل يبدو أنها موشكة على اتخاذ تدابير أكثر تطرفًا مثل الحظر الذي تم فرضه على مواطني سبعة دول إسلامية، الذي حذر، حتى من عينهم ترامب في تشكيلته، من أنه سيتسبب برد فعل سلبي.

وما يؤكد مخاوف الخبراء، هو أن أنصار 'داعش' قد بدؤوا يحتفلون بالفعل بهذا الأمر التنفيذي باعتباره 'خدمة لا تُقدر بثمن' للجماعة، التي تقوم في عمليات تجنيدها للأعضاء على سردية التمييز والاضطهاد الذي يُمارسه الغرب على المسلمين. ومنذ الآن، شهدت الأشرطة المصورة للإرهابيين استغلالًا لترشيح ترامب، وسياساتها المعادية للمسلمين، مخوفة من جرائم الحرب التي قد يرتكبها.

في الحقيقة، فإن هذه السياسات التمييزية لن تحمي أميركا. فكما أوضحت رسالة خالد شيخ محمد وشهادة عدد آخر من الإرهابيين، فإن العوامل التي تجعل الولايات المتحدة أقل أمنًا وعرضة للمخاطر واضحة وتحدق في وجوهنا، ولكن لا تتوقعوا من أي رئيس أميركي أن يراها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018