صدمة للعلماء: اكتشاف عصر جيولوجي جديد

صدمة للعلماء: اكتشاف عصر جيولوجي جديد

ترجمة خاصة: عرب 48

لدى العلماء فكرة جيدة عن كيفية تشكُّل كوكب الأرض: لقد تكثَّفت الأرض – قبل حوالي 4.6 مليار سنة – من مادة الغبار ذاتها وحلقات الغاز التي بعثت الحياة للشمس وباقي المجموعة الشمسية، ولكنهم ليسوا متأكدين من كيفية بدء تشكُّل الحياة، وفترة تشكلها.

اكتشف مجموعة من الباحثين في العام الماضي، دلائل تشير إلى وجود الستروماتولايتس – أكمة صغيرة (تشبه التلال) ومتراتبة، تنتجها بكتيريا تتغذى على التمثيل الضوئي – في صخور من غرينلاند يبلغ عمرها 3.7 مليار سنة.

ولكن، يمكن القول إن ميلاد الحياة قد بدأ قبل ذلك أيضاً، فكما أوردت في مجلة 'Nature'، وجد مجموعة من الباحثين تحت إشراف دومينيك بابنيو، من كلية 'لندن الجامعية'، ما يعتقدون أنه إشارة إلى وجود كائنات حية في صخور من مدينة كيبيك، والتي يعود تاريخ وجودها إلى حقبة زمنيّة قديمة ما بين 3.8 وحتى 4.3 مليار سنة. والمثير للاهتمام هنا، أن نمط الحياة الذي يعتقد د. بابنيو وزملاؤه الباحثون أنهم قد اكتشفوه، يختلف كثيراً عن النمط الذي بنيت عليه الستروماتولايتس، وهو ما يعني أن كوكب الأرض قد احتضن أنواعاً عديدة ومختلفة من الكائنات الحية حتى في بدايات نشأة الحياة فيه.

الصخرة التي نتحدث عنها، تغطي مساحة 3 كم من شواطئ خليج هدسون، ويطلق عليها اسم 'حزام نوافاقيتك غرينستون'، وهي تتكون من صخور بازلتية على شكل وسائد، وهو نمط من الصخور الذي ينشأ نتيجة تجمد الحمم البركانية بسرعة في مياه البحر.

عندما زار د. بابنيو هذه المنطقة في 2008 وجد بروزات محمرة غريبة من الـ'جاسبر'، وهو نوع من معدن الكوارتز، يتشكل من تراص الرماد البركاني، ويظهر عليها أشكال غريبة من العروق والعُقَد. كشف التفحص الدقيق لها، وجود حلقات حولها بين 50 و100ميكرون (جزء من مليون من المتر)، وهو ما لفت انتباهه؛ فقد اكتُشِفت سابقاً، مظاهر مشابهة لذلك، ولكنها أصغر عمراً – وأثرية بالطبع – من التشكلات الصخرية في مدينة بيوابيك في مينيسوتا ولوكين والنرويج، ويبدو أنها تشكلت بعد تحلل كائنات عضوية دقيقة وتحجرها فيما بعد.

ولكن هذه الدلائل، لم تكن حاسمة بالكامل، حيث يمكن أن تتكون تشكُّلات مشابهة من كائنات غير حية، عن طريق العوامل الجيولوجية، ولذلك، قام د. بابنيو بتقديم عينة من هذه الصخور لطالب الدكتوراة عنده، ماثيو دود، ليتفحصها. وعند تفحص السيد دود لهذه العروق والعُقَد المتكونة على الجاسبر والتي لفتت انتباه د. بابنيو، وجد تجاويف أنبوبية يتراوح قطرها بين 2 و14 ميكرون وأطوالها أكثر من 0.5 مليمتر تتكون من الهايماتايت (أكسيد الحديد الأحمر)، وهو تشكُّل معدني من أكسيد الحديد. وبعض هذه الشعيرات تشكل شبكات ترتكز على أجزاء من الهايماتايت؛ بعضها الآخر يأخذ شكلاً لولبياً.

يؤكد الفريق على أن هذه التجاويف تؤدي وظيفة أكثر من مجرد نواقل إلى شبكات البكتيريا التي تعيش في المنافذ المائية الحارة – ترفع طبقات تتشكل في عمق المحيط فوق الحدود بين الصفائح التكتونية، حيث تتدفق المياه المعدنية الحارة من تحت قاع المحيط. وجدت هذه الميكروبات الأحفورية المحفوظة جيداً في مناطق كثيرة أصغر من نوفاغيتوك، وهي تشبه كثيراً الأنابيب الملفوفة والمتفرعة التي اكتشفها د. بابينيو وزملائه.

مثل هذه الاكتشافات، هي مثيرة جداً للاهتمام، لأن هذه المنافذ المتعلقة بالمياه الحارة تعتبر المرشح الأكبر لولادة الحياة. ويمكن أن تكون المسام المايكروسكوبية في الصخور قد عملت كجدران خلايا طبيعية، وأن كيمياء المياه يمكن أن تقدم، بشكل دقيق، طريقة تغير الطاقة التي يمكن أن تحتاجها الخلايا الأولية الحية لتقوم بمهامها البيوكيميائية.

 وعلى الرغم من كون نمط البكتيريا الذي اكتشفه د. بابينيو وزملاؤه معقداً جداً، بدرجة لا تسمح بكشف الكثير من النتائج عن الكائنات الحية المبكرة، إلا أن التفسير الذي تقدّمه المنافذ المتعلقة بالمياه الساخة، باعتبارها تقدم دور الحاضن للحياة في قديم الزمان يمكن اعتباره نظرية ثورية.

البكتيريا في المستقبل

هذا الاكتشاف – والذي سيأخذ مساحة واسعة من الدراسة من قِبَل علماء الأحافير – يحتوي على مضامين أخرى أيضاً، فمعظم الكائنات الحية – بما فيها تلك التي تنتج الستروباتولايتس – تأخذ الطاقة من عملية التمثيل الضوئي، وهي العملية التي تقوم بها النباتات والكائنات المجهرية بتحويل أشعة الشمس إلى سكر. إن الكائنات التي تعيش حول المنافذ تختلف بشكل كبير: فلا يمكن لأشعة الشمس أن تخترق عمق المحيط، مما يعني أن سلسلة الغذاء لمثل هذه الأنظمة البيئية تنبني على تفاعلات بين المواد الكيميائية المحلولة التي تدفق من القشرة.

إذا كانت أحافير الدكتور بابينيو قديمة كما يعقد، فإن هذا يعني أن كوكب الأرض – خلال مئات الملايين من سنوات تشكله – عمل كحاضنة للعديد من الأنماط من الحياة.

إنّ أحد الأسئلة الكبرى في العلم الحديث يدور حول ما إذا كانت الحياة عبارة عن سلسلة من الأسباب الحتمية من القوانين الكيميائية، أم أنها سلسلة من المصادفات التي حصلت على الأرض وحدها. إذا بدأت الحياة على كوكب الأرض بسرعة، واستطاعت أن تتنوع وتتشكل باندفاع، فإن هذا يعني أن أمراً مشابهاً قد حدث في مكان آخر أيضاً.