عثرات ميركل وترامب ونهاية الغرب

عثرات ميركل وترامب ونهاية الغرب

ترجمة خاصة: عرب 48

كانت زيارة دونالد ترامب الأولى لأوروبا غريبة بعض الشيء، وما تبعها كان مثيراً أيضاً، فبعد وقت قصير من عودة رئيس الولايات المتحدة إلى واشنطن، أعلنت أنجيلا ميركل على منصة حملتها الانتخابية في ميونخ عن موت التحالف الغربي.

وحذَّرت المستشارة الألمانية قائلةً 'لقد انتهى الزمن الذي يمكن فيه أن نعتمد على الآخرين، وذلك بحسب تجربتي خلال الأيام القليلة الماضية. ينبغي علينا كأوروبيين أن نحمل مصيرنا بأيدينا، وبالتأكيد نحن نحتاج لوجود علاقات مقرِّبة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والدول المجاورة الأخرى مثل روسيا، ولكن علينا القتال لوحدنا من أجل مستقبلنا'.

ووصلت أقوال ميركل بسرعة لتحتل العنواين الرئيسية، حيث نشر ريتشارد هاس - وهو عميد السياسات الخارجية للولايات المتحدة باعتباره رئيساً مجلس العلاقات الخارجية - تغريدة له على 'تويتر' قائلاً 'إن قول ميركل عن كون أوروبا غير قادرة على الاعتماد على الآخرين وإنها تحتاج لحل أمورها لوحدها يعبر عن نقطة تحول مهمة، وهو ما سعت الولايات المتحدة لتجنبه منذ الحرب العالمية الثانية'.

من السهل والملائم أيضاً لوم الرئيس ترامب على ما آلت إليه العلاقات، ولكن وبالرغم من تعبيرات ميركل الحذرة، إلا أنها تصرَّفت بلا مسؤولية، وذلك عن طريق إصدار البيانات التي تهدد بإحداث صدع كبير في التحالف الأطلسي والوصول لحالة من القطيعة الكاملة.

من السهل صياغة الموقف ضد ترامب، فقد كان توجهه مع أوروبا كارثياً جداً. ففي خطاب له مع الناتو، فشل رئيس الولايات المتحدة بالتأكيد على المادة الخامسة، وهو البند المتعلق بالدفاع المشترك للتحالف.

ولم يكن ذلك مجرَّد سهو، حيث أوصل رسالة واضحة بأن التزام أميركا اتجاه الدفاع عن أوروبا لم يعد أمراً مسلَّماً به. وسيؤدي هذا في المقابل إلى تحفيز روسيا على اختبار دفاعات الناتو.

وفي قمة لمجموعة الدول الصناعية السبعة، كان ترامب هو الوحيد الذي فشل في المصادقة على اتفاقية المناخ الخاصة بباريس، وقد حُفِظَ موقفه الذي وصف فيه ألمانيا بـ 'السيئة، السيئة جداً' لخطيئتها التي تمثَّلت ببيع الكثير من السيارات في الولايات المتحدة.

وفي مواجهة كل ذلك، ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد تشعر ميركل بوضوح بعدم قدرة ألمانيا على الاعتماد على حلفائها الأميركان والبريطان، ومع ذلك فقد كان خطابها مليئاً بالمعثرات وذلك لخمسة أسباب على الأقل.  

السبب الأول، هو أنه من الخطأ التخلِّي عن هذا التحالف العابر للمحيط الأطلنطي والذي حافظ على سلام أوروبا لمدة 70 عام بمجرَّد مرور أربعة أشهر فقط على تسلُّم ترامب للرئاسة، ففي هذا السياق، بات من الممكن أن يتعثَّر ترامب ويتم إخراجه من منصبه.

والسبب الثاني هو أن رئيس الولايات المتحدة يمتلك نقطة شرعية حيال فشل معظم الدول الأوروبية في تحقيق المصاريف العسكرية التي يحددها الناتو. لقد كان سلوك ترامب شديداً على أوروبا، ولكن موقفه القائل بعدم قدرة الولايات المتحدة على تحمُّل حوالي الـ 75٪ من النفقات الدافعية للناتو هو موقف صحيح، وقد تبنَّى هذا الموقف روبيرت غيتس أيضاً، وهو وزير الدفاع الخاص بحكومة أوباما. وبحكم قيام ألمانيا بإرخاء العنان على النفقات العسكرية الأميركية، فسيكون من غير الإنصاف لوم الولايات المتحدة على عدم أداء دورها كلحيف يُعتمد عليه.

والسبب الثالث، وإذا أخذنا في عين الاعتبار وصول التحالف الغربي إلى مراحله الأخيرة، فقد ضاعفت ميركل من الخطأ الذي ارتكبه ترامب عندما فشل في الإقرار على المادة الخامسة.

يحفِّز كلا الحدثين آمال الحكومة الروسية بكسر التحالف الغربي، وهو ما سيؤدي في المقابل إلى زيادة خطورة الأوضاع الأمنية في أوروبا.

السبب الرابع هو أن ميركل لم تكن حكيمة ومنصفة في ذكر المملكة المتحدة إلى جانب أميركا ترامب. ففي مباحثات التغير المناخي، اصطفت بريطانيا إلى جانب الاتحاد الأوروبي لا الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت حكومة تيريزا ماي مصرَّةً على تأكيد التزام بريطانيا تجاه الناتو.  

ولكن في حال أرادت حكومة ميركل التعامل مع مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بروح المواجهة هذه – من خلال المطالبة بدفع المملكة المتحدة لتكاليف عالية، وحتى قبل مناقشة أي اتفاق تجاري – فإنها ستخاطر بتحقيق النبوءة ونشوب العداء بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

من الصعب توقُّع كيف ستنظر المملكة المتحدة للبلاد التي تشبهها كخصوم لها في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي وكحلفاء في سياق الناتو. لذا فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيزيد التساؤلات حول التزام بريطانيا بالناتو، خاصة إذا ما كانت تسعى الولايات المتحدة للانسحاب من التحالف الغربي.

تكمن السقطة الأخيرة في توجه ميركل في إظهارها لتجاهل غير معهود لأصداء التاريخ. فمن أكثر الأمور المثيرة للإعجاب في ألمانيا الحديثة هو أنها – وأكثر من الدول الأخرى -  قد تعلَّمت كثيراً من دروس التاريخ، وأخذت الفائدة بدقة وتواضع، لذا سيكون محيراً أن يقف زعيم ألماني في شوارع بافاريا ليعلن انفصاله عن بريطانيا والولايات المتحدة ويضع كلتا الدولتين في نفس سلَّة روسيا. سيكون صدى التاريخ قارساً جداً في هذه حالة.

ولكن هذا لا يعني أن ميركل تقف على ذات المستوى الأخلاقي والسياسي للترامب. فقد عبَّر رئيس الولايات المتحدة باستمرار عن ازدراءه للعديد من القيم الغربية المؤسسة، من حرية الصحافة ومنع التعذيب ودعم الديمقراطيات حول العالم، ونتيجة لذلك، أعلن البعض أن المستشارة الألمانية هي الزعيمة الحقيقية للعالم الغربي، ولكن هذا الإعلان سابق لأوانه. والواقع الأليم يشير إلى أن ميركل لا تملك أي دافعٍ للقتال من أجل إنقاذ التحالف الغربي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018