كيف عمل ترامب وبوتين وإردوغان على زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي؟

كيف عمل ترامب وبوتين وإردوغان على زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي؟
من اليمين: إردوغان، بوتين، ترامب

ترجمة خاصة: عرب 48

أصبح المزاج أكثر هدوءًا في أوروبا هذه الأيام، وارتفعت المعنويات بعض الشيء، فقد حصل المتطرفون المتهورون على المركز الثاني بدل الأول في الانتخابات النمساوية، وكذلك الأمر بالنسبة لهولندا وفرنسا؛ كما ارتفع النمو الاقتصادي قليلًا، ويبدو أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يكون ذا نتائج كارثية بالنسبة لأوروبا بقدر ما يمكن أن يضر بريطانيا وحدها. وفي واقع الحال الذي تعيشه القارة، فإن العودة للأوضاع الطبيعية يدفع للشعور بالراحة بعد السنوات الماضية المليئة بالصراعات المتأزمة.

ولكن إذا بدأ الأوروبيون بالشعور على نحوٍ أفضل اتجاه أنفسهم، فإن العالم الخارجي يبدو متأهِّبًا أكثر من أي وقت مضى. فالقيم الأوروبية المركزية المتمثَّلة بالليبرالية واحترام حقوق الإنسان تواجه تحديًا من مجموعة من الزعماء المتحمسين الذي لا يقدِّرون ولا يفهمون هذه القيم. وهذا يقلق الاتحاد الأوروبي، وهو التجمُّع البطيء الذي نشأ على روح سلطة القانون. وبالنسبة للأوروبيين فإن هناك ثلاثة زعماء أدت اندفاعاتهم المتقلبة إلى تشكيل وتحديد سياساتها الخارجية، وهم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان.

لنتحدث عن ترامب أولًا، لقد قل خوف الأوروبيين قليلًا من الرئيس الأميركي بعد تسلُّمه للرئاسة، حيث كان ترامب يستمتع بتحريض السياسيين المعادين للاتحاد الأوروبي مثل نايجل فراج ومارين لوبان، ولكنه توقَّف عن فعل ذلك بعد لقاءه بمجموعة من الزعماء الأوروبيين. وفي شهر شباط/ فبراير، قام نائب الرئيس، مايك بينس، بالتأكيد للنخب الأوروبية الحاكمة بأن أميركا لا تريد تدمير الاتحاد الأوروبي. كما عبَّر مسؤولون أوروبيين عن تفاؤلهم بعد زيارة لواشنطن بأن هناك بعض المستشارين المخالفين الذين يؤثرِّون على الرئيس، مثل بيتر نافارون، وهو مستشار تجاري يؤمن بأن العجز الأميركي هو ما يهدد أمنها.

ولكن الأوربيين بعيدون عن الراحة الكاملة، فقد قال أحد الدبلوماسيين من بروكسل: "ليس لدينا أدنى فكرة عن كون الأميركيين يواجهون هذا الكم من القضايا"، وذلك عندما وصل ترامب لاجتماع أعضاء الاتحاد الأوروبي وقمة حلف الناتو، بحسب التغطية الصحفية التي قدمتها صحيفة "ذي إيكومينيست".

 وكان سيُعقد بعد هذا الاجتماع بيومين قمة لمجموعة الدول الصناعية السبعة في صقلية. وخلال التحضير لهذه اللقاءات، سعى الأوروبيين لاستيضاح نوايا أميركا، خاصة في قضيتي المناخ والتجارة. حيث كان قد تعهَّد ترامب في حملته الانتخابية بالانسحاب من اتفاقية باريس المناخية، ثم لم يعمل لا على تأكيد ذلك أو التنازل عنه. (قام الأوروبيون بوضع قائمة بوظائف الأميركيين التي تعتمد على الطاقة النظيفة، للتماشي مع توجه ترامب الذي رفع شعار "أميركا أولًا"). وفي لقاء مجموعة الدول الصناعية السبعة، رفض الأميركان التماشي مع النغمة السائدة التي تؤكد على أهمية التجارة العالمية.

إذا كان ترامب يطرح أسئلة مستفزة للأوروبيين، فإن بوتين يتحدى افتراضاتهم. فحديثه عن أرض القرم يعبر عن رفض لنظام ما بعد الحرب الباردة، وجنوده في شرق أوكرانيا يعيثون في الأرض الخراب. ولكن نقاط ضعف بوتين تحدد مدى ما يمكن أن ينجزه، إلا أن انحدار روسيا المستمر يعطيه دافعًا للتحرك الفوري بدلًا من مجرد انتظار إعاقى الإصلاحيين الأوروبيين في بلاد يعتبرها تحت سلطة تأثيره (وذلك بالرغم من إلغاء الاتحاد الأوروبي لتأشيرة سفر الأوكرانيين). وداخل الاتحاد الأوروبي قام بوتين ووكلاؤه بالتطفل على الانتخابات ورعاية أحزاب غوغائية هائجة ومنظمات مجتمع مدنية وهمية. وقامت بعض الحكومات بوضع معلومات مضللة لمجابهة البروبغاندا الروسية.

وبالنسبة لإردوغان، فهو أصعب زبونٍ بينهم. فتركيا حليفة في الناتو ومرشَّحة لدخول الاتحاد الأوروبي. كما يمكن أن تساعد أجهزتها الاستخباراتية الأوروبيين على محاربة الإرهاب، وتحتضن تركيا ملايين اللاجئين الذين كان يمكن أن يتوجهوا لأوروبا. ولكن من المستحيل أن ينسجم الأوربيون مع إردوغان. فقد شبَّه الحكومات الأوروبية التي منعته من الترويج لحملته في أراضيهم بالنازيين، وهدد بفتح المعابر للاجئين لبلغاريا واليونان في حال لم يحصل على ما يريد. وقد أدت حملة التطهير المحلية إلى تدمير الديمقراطية التركية. يريد بعض الأوروبيين، ومن ضمنهم الحكومة النمساوية، أن ينهوا مباحثات دخول تركيا للاتحاد. (بينما يتمنى البعض أن يقضي إردوغان على الأوربيين بنفسه).

إن التعامل مع أي واحد من هؤلاء الثلاث سيكون أمرًا صعبًا، فإذا اجتمعوا سويةً سيصبح الواقع سريع الاشتعال. فمثلًا تؤدي حالة الريبة من التوجه الأميركي مع روسيا إلى تضخيم التهديد الذي يشكِّله بوتين. لقد زالت المخاوف من سعي ترامب لعقد صفقة كبيرة من الكرملين، ولكن من الصعب أن يستمر المسؤولون الألمان بالاعتماد على تلك الشراكة في أوكرانيا والتي حظوا بها في أيام باراك أوباما. ولا ننسى أنه لا يمكن التنبؤ بالعلاقات بين الأطراف الثلاثة. فقبل 18 شهرًا قامت تركيا بإسقاط طائرة روسية، وقُتِلَ السفير الروسي في أنقرة، ثم وضعت روسيا بعض العقوبات على تركيا لينتهي الأمر بعودة الصداقة بين البلدين.

فإذا ما أخذنا الصعوبات التي تشكلها روسيا وتركيا مع التساؤلات حول التزام أميركا اتجاه أمن أوروبا، فإن هذا يعني أن الأوروبيين تنطبق عليهم حالة "الوِحدة الجيوسياسية"، وذلك بعبارات المفكر جان تاتشو من الأكاديمية الأميركية في برلين. وهذا يُقلق أيضًا المناطق المجاورة التي يمارس الاتحاد الأوروبي تأثيره عليها. يمكن الشعور بحالة القلق في الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقًا، وهي المناطق التي حظيت مرةً بالدعم الأميركية، ولكن أيضًا في دول غربي البلقان، وهي منطقة خطرة غير مستقرة تقع في قلب أوروبا حيث تتنافس أميركا وروسيا وتركيا على التأثير عليها.

وحيدون في عالم بارد

يتبنى البعض تصورات وردية، فيفضل بعض الدبلوماسيين الأوروبيين القول بأن انتخاب ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد قد شكَّل حاضنة لشكلٍ جديدٍ من التماسك في أوروبا. وتشير استطلاعات الرأي إلى وجود حالة نمو في دعم عضوية الاتحاد الأوروبي في معظم البلاد، كما أشار استطلاع لمركز بيو للأبحاث هذا الأسبوع إلى نتيجة مشابهة بالنسبة لعضوية الناتو.

ولكنه نمط هش من التوحُّد، ولا يقوم على مبدأ الثقة بل على الخوف من العالم الخارجي. في اجتماع عقد مؤخرًا لمجلس تجارة الاتحاد الأوروبي، أشار أحد الدبلوماسيين فرحًا بأن الانفصال القديم بين التجار الأحرار والحمائيين قد انقضى، فقد توحَّد الجميع وراء التدابير الحمائية. وأظهرت موجات الهجرة القادمة من تركيا والتي اجتاحت أوروبا بين عام 2015 و2016 حالة من التزاحم لإغلاق الحدود. كما أن الأمر الذي دفع الحكومات الأوروبية للحديث حول رفع النفقات على الإنفاق العسكري هو وجود بوتين كمهدد، وليس أي تغريدة عنيفة من ترامب على موقع تويتر. لقد بدأ الثلاثي المفزع بمد ظلاله الطويلة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018