القيام بمهام متعددة: كيف يغير أدمغتنا وشخصياتنا؟

القيام بمهام متعددة: كيف يغير أدمغتنا وشخصياتنا؟

ترجمة خاصة: عرب ٤٨

برز النظام التشغيلي الأول والأشهر عن شركة مايكروسوفت، وهو نظام ويندوز، عن تطور ثوري في وقته، ألا وهو وجود عدة نوافذ على شاشة الحاسوب.

فقبل منتصف الثمانينات، كانت تُظهِر الحواسيب بعض الكلمات والحروف، ولا تقوم بأكثر من مهمَّةٍ واحدة في نفس الوقت. وفيما بعد، قامت شركة إكسيروكس وآبل ومايكروسوفت أخيراً بتصميم مساحة استخدام غرافيكية تحاكي المكاتب الحقيقية، تتضمن مجلَّدات وأوراق متعددة ومهام مختلفة متاحة في الوقت ذاته.

أُنجِزَت فكرة 'سطح المكتب المجازي' ابتداءً على شكل ألواح (فكر في ذلك: شعار مايكروسوفت ذو الأربع صناديق الملونة كبرامج تصطف إلى جانب بعضها البعض)، ولكن في النُسَخ اللاحقة تم تفضيل نظام متداخل بنوافذ قابلة للتصغير والتكبير.

كانت هذه الإمكانيات غير مألوفة، غير مألوفة بالمرة إلى درجة أن النسخة الأولى من ويندوز تضمنت لعبة حاسوبية يتم اللعب بها باستخدام الفأرة بدلاً من الاعتماد على لوحة المفاتيح كي يعتاد المستخدمون على النقر والاختيار والتنقل بين المهام على الشاشة.

ولكننا اليوم لا نحتاج بالطبع إلى أي توجيهات. فقد ولِدَ جيل الألفية بعد اختراع هذه النوافذ، لذا فإننا لم نعرف حياةً أو عملاً من دونها. كما أصبحت مسألة القيام بمهام متعددة في نفس الوقت والموجودة في التكنولوجيا أمراً متأصِّلاً ضمن مسار عملنا إلى درجة اضطرابنا إذا لم نقم بذلك.

ولكن لا بد من أنك استمعت إلى هذه المشكلة، وهي أن القيام بمهام متعددة في نفس الوقت قد أضعف من وعينا البصري وقسَّم انتباهنا وشتتنا وقلل من رضانا الوظيفي، كما أعاق نمو ذاكرتنا وأضعف قدراتنا الإدراكية وخرَّب من أداءنا.   

عادة ما تُعرض هذه النتائج كتأثيرات جانبية. ولكن المشكلة في تعدد المهام لا تكمن فيما تسببه، بل فيما تغيره من طبيعتنا.

نشرت غرفة تجارة الولايات المتحدة أن تعدد المهام يعيد صياغة أدمغتنا، بحيث تمكِّن 'عملية تعدد المهام من أن تعالج الأمور بنجاح أكثر سرعة'. ومع تكيُّف أدمغتنا مع إدارة المهام، فإننا نخسر 'قدرتنا على التفكير العميق والإبداع'، وذلك بحسب ما كتبه نيكولاس كار في كتابه 'الضحالة' (The Shallows). فبقدر تمكُّننا من القيام بمهام متعددة، بقدر ما تسوء قدرتنا على تقديم الحلول الإبداعية للمشاكل. وكملخَّص للموضوع، يوضِّح كار أن القيام بمهام متعددة 'يجعلنا أميل للاعتماد على الأفكار والحلول السائدة بدلاً من تحديها بأفكار جديدة وأصيلة'.

إن ما يعنيه ذلك على مستوى تطور الدماغ والتقدم التكنولوجي لا يزال غير واضحاً. يقول بول غاردنر ستيفان، وهو عضو في قسم الاتصالات في جامعة فليندرز، أنه يعتقد أننا سنصبح في يومٍ ما معتمدين بالكامل على الإنترنت لحل المشاكل. أو – بشكل أكثر اعتدالاً – ربما سيتمكن الناس من حل مشاكل أسهل وأقل إلحاحاً. ستصبح ميولنا – وربما غرائزنا البيولوجية الجديدة – متوجهة نحو التعامل مع المضايقات الصغيرة التي يمكن حلُّها باستخدام موقع جوجل بدلاً من التحديات الكبيرة والمعقَّدة التي تستهلك الكثير من الوقت.

بكلمات أخرى، وبحسب ما يبين كار، سوف نصبح أشبه بأجهزة الحاسوب، أي منفِّذين للمهام السريعة والفعَّالة. وفي الحقيقة، فإن تعبير 'تعدد المهام' بدأ كتعبير يُستخدم في الحاسوب، وليس تعبيراً بشرياً. ظهر تعبير 'المهام المتعددة' أول مرة في ورقة لشركة IBM في عام ١٩٦٥، مشيراً إلى إمكانية الحاسوب للقيام بمهام متعددة في الوقت عينه.

ثم تم تطبيق التعبير على البشر بعد عدة عقود. وفي مقال لها على مجلة 'ذا نيو أتلانتس'، أشارت كريستين روزين إلى أنه في أواخر التسعينات وبدايات الألفين، 'بدأت الإعلانات بالاحتفال بواقع استخدام التكنولوجيا للقيام بالعديد من الأشياء في نفس الوقت'، وأصبح القيام بمهام متعددة مهارةً مُعتَبرة ضمن السير الذاتية المقدَّمة للوظائف.

واليوم أصبحنا نستخدم عبارات مثل 'الكفاءة' و'الفعالية' و'منهجي' و'منتج' و'سريع' لنَصِفَ ما نريده لأنفسنا، وليس فقط ما نريده من التكنولوجيا. وفي نفس الوقت، أصبحت المهام المتعددة أمراً مفضلاً في بيئة العمل.

عندما عدت مؤخراً إلى كليتي، كلية كولورادو، تناولت العشاء مع جمعية الطلبة الخريجين. وهناك سأل مستشار مهني الخبراء عن كيفية تمكُّنهم من اجتياز الخطة المكثَّفة – وهو برنامج مميز من كلية كولورادو، حيث يأخذ الطلاب حصة واحدة لمدة ثلاثة أسابيع ونصف – للموظفين المحتملين. وأجابوا جميعهم بنفس الإجابة: نحن نقوم بعدة أشياء في الوقت نفسه، ونوازن النشاطات الأكاديمية الإضافية مع الحمل الدراسي المكثف، ونتحمل الوظائف الشاقة، وهكذا.

ولكنني أرى قوة برنامج كلية كولورادو في الناحية المعاكسة تماماً، ففي عالمنا المليء بالآلات متعددة المهام، فإننا نحتاج إلى تدريب الشباب على التركيز على مشكلة واحدة في وقت واحد.

وهذا ليس فقط من أجل أن يبلوا بلاءً حسناً في سوق الوظائف الحديثة (وهو ما سيحدث)؛ وإنما كي نحافظ على تكوينهم الإنساني، والذي يبدو أنه شيءٌ نخسره اليوم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018