ماكرون والاتحاد الأوروبي وتعزيز قوة فرنسا

ماكرون والاتحاد الأوروبي وتعزيز قوة فرنسا

(ترجمة خاصة: عرب 48)

تعمل فلورنس ليهيرسي كممرضة، ولكن من المرجَّح أن تبدأ يوم الإثنين في مهنة جديدة كنائبة برلمانية في إقليم كالفادوس شمالي فرنسا. ويعمل جان ماري فيفي كرجل إطفاء، وسيلتحق بها أيضاً من الدائرة الانتخابية في دو سيفر غربي البلاد. ما زال كلاهما مبتدئين سياسياً، وينتمي كلاهما إلى حركة 'الجمهورية إلى الأمام!' التي يتزعمها إمانويل ماكرون، والذي نجح في الشهر الماضي في أول انتخابات له، ليكون في موقع السيطرة في قصر الإليزيه. فمرحباً بالثورة.

قدَّم ماكرون إجابةً جديدة للاستياء الشعبي الذي اجتاح الدول الديمقراطية الغربية. فقد وعد بسياسات جديدة تردم الفجوة القائمة بين اليسار واليمين، كما يريد أن يستعيد الحيوية والثقة لفرنسا وللاتحاد الأوروبي أيضاً بمساعدة ألمانيا. ويراقب السياسيون في الخارج ماكرون عن كثب، وذلك بالرغم من حالة الضجيج التي تسود بلادهم. من أجل إنجاح ثورته، يحتاج ماكرون لتحصيل أفكار جيدة وجود القدرة على تطبيقها، فهل حقق ذلك؟

ثائر من نوع مختلف

إن ماكورن هو الرجل المناسب في الوقت المناسب، والناخبون الذي تعبوا من النخب السياسية الرثة يريدون اليوم شخصاً جديداً. وبالرغم من مجيئه من داخل المؤسسة – باعتباره خريج كلية نخبوية، وكمصرفي سابق ووزير اقتصاد سابق في حكومة سلفه فرانسوا هولاند – إلا أن ماكرون لم يكن يوماً رجلاً حزبياً. فقد أسس حركة 'إلى الأمام!' لتشكِّل قطيعة مع الماضي، فنصف مرشحيها هم سياسيون جدد، ونصفهم من النساء، كما شنت الحركة حملتها ضد الفساد. كانت الأعمار السائدة في المجلس السابق تتراوح بين 60 و 70، بينما يقدَّر متسوط المبتدئين في حركة 'إلى الأمام!' بـ 43 عاماً.

وفي حين ينقسم الشعبويون بين اليمين واليسار، تقف ثورة ماكرون في الوسط. فهو يستعير السياسات بلا تعصب، فيأخذ من اليمين الرغبة بتحرير الأسواق والأعمال وخلق فرص العمل والرفاهية، ويجلب من اليسار القناعة بوجود دور للحكومة في الصياغة والتوجيه والحماية. وفي معركة الانفتاح والانغلاق، فإن ماكرون منفتح بشكل كامل اتجاه التجارة والهجرة. وبحسب التعابير الفرنسية، فإن ماكرون ليبرالي اقتصادياً.

والأمر المهم أيضاً هو كونه سياسي متفائل. فقد عانت فرنسا منذ عقود من الاعتقاد البائس بأن السياسة تُقحمنا بالصراحات ولا تخلق حلولاً حقيقية، والتي برزت في منهج الإصلاح التخريبي: لماذا تتنازل عن ما لديك اليوم لما هو أسوأ غداً؟ وفي الدول الأوروبية الأخرى، بدت الديمقراطية كعملية تبادل ممل يُطلب فيه من الناخبين أن يؤيدوا سياسييين بلا وعود في مقابل عمل تخفيضات على الفائدة وبناء بعض الخدمات العامة الرثَّة.

وبطريقة ما تمكن ماكرون من إقناع الفرنسيين بأن التقدم ما زال ممكناً. فقد رد على سخرية الشعبويين بأن تحرير الأسواق ما هي إلا تنازل أمام المصرفيين والعولميين، وذلك عن طريق تجديد الشعور بالوطنية، سواءً أكان ذلك من خلال كف يد دونالد ترامب أو استعادة فخامة منصب الرئاسة. وفي مقابل التحذيرات من المهاجرين والمنافسة الأجنبية، أكد ماكرون أن كلا الأمرين سينشِّط فرنسا، ولن يضعفها. وبالنسبة للمتشككين بأوروبا الذين لاموا بروكسل على امتصاص حياة الشعب، أكد هو على أن الاتحاد الأوروبي يعزز قوة فرنسا.

لا تكفي الأفكار الجيدة، فينبغي على ماكرون أيضاً أن يكسر عادة الـ 30 عاماً التي أعاقت إصلاح فرنسا بسبب اليسار المتشدد. فالنجاح مرهونُ بتقدم سريع وملحوظ في مجالين إثنين، وهما البطالة والعلاقات مع ألمانيا.

تصل معدلات البطالة في فرنسا ضِعفَ معدلاتها في ألمانيا، وتصل لأكثر من 20% عند من هم دون الـ 25 عاماً. وترفض الشركات خلق وظائف دائمة بسبب التكاليف الاجتماعية العالية وبسبب عدم الحاجة وبحكم تكلفة وصعوبة الإقالة من العمل. يريد ماكرون تقليل ضرائب التوظيف وأن يجعل عملية المساومة على بيئة عملٍ أكثر مرونة. إن النجاح في سوق العمل سيساعده على التفوق على ألمانيا التي فقدت إيمانها بقدرة فرنسا على الاستمرار. وسيعمل على السيطرة على الانفاق العام في فرنسا وعلى المسؤولين العسكريين. ينبغي على ألمانيا – المتحفظة في العادة – أن تعطي الفرصة لماكرون، فهو أفضل وربما آخر فرصة لتشكيل قوة دافعة لأوروبا لدعم تأسيس العملة الموحَّدة.

إن الانتصار الساحق لحركة 'إلى الأمام' يجعل من نجاح هذا البرنامج أمراً ممكناً. لقد كان ماكرون محظوظاً، فقد تضرر خصمه الأساسي فرانسوا فيون كثيراً بسبب شُبَه الفساد. سيحظى فوز حركة 'إلى الأمام!' بالإطراء بنظام التصويت ذو المرحلتين. وإن وجود اقتصاد قوي للاتحاد الأوروبي سيخلق وظائف جديدة (وإذا لم يرد المخاطرة على ذلك، فسيحتاج لأن يتساهل مع تخفيضات الميزانية). ومع وجود رئيسة وزراء بريطانية سيئة الحظ تيريزا ماي، فإن تحقيق السيطرة الكاملة على المجلس سيدعِّم حظه الجيد.

ولكن ستنتقل المقاومة إلى الشوارع، فقد بدأ النظام القديم بالتحذير من أن الانتخابات ستترك ماكرون قوياً بشكل خطير، ولأن معدل المشاركة كان أقل من 50% فقد حُرم من الحصول على التفويض. كما توعَّدت الاتحادات النضالية اليسارية المتشددة بمواجهة الإصلاحات التي تبناها في سوق العمل.

لا بد من مواجهتهم. إن الرئيس الفرنسي قوي بالتأكيد، ولكن في السنوات الأخيرة تمثلت المشكلة في ضعف قصر الإليزيه لا في هيمنته. وكان معدل المشاركة الانتخابات ضعيفاً، ولكنه كان كذلك منذ عدة سنوات ولم تكن هذه المعدلات بأقل مما حصل في أميركا أو كندا. وهذا ليس مجرد تفويض، بل هو انتخاب المواطنين العاديين مثل ليهيرسي وفيفي ليندفعوا بقوة.

رجل النهضة

قد تفشل الكثير من التوقعات، فقد تجاوزت توقعات ماكرون أعلى المستويات. وبالرغم من امتلاك حركة 'إلى الأمام!' لسياسيين متمرسين قادرين على الحفاظ على النظام، إلا أنهم يمكن أن يكونوا فوضويين ومجرد هاوين. ستكون هناك إضرابات ومسيرات، ومع البدأ بالتطبيق، سيحتاج الشارع الفرنسي لتكرار توضيح فوائد الإصلاحات للدولة.

إن المخاطر واضحة، ولكن الأمر الواضح أيضاً هو الثورة التي حققها ماكرون. وآمال فرنسا وأوروبا وتيار الوسط في كل مكان تعتمد عليه.

ملف خاص | هبة القدس والأقصى