الكون كعقل واعٍ

الكون كعقل واعٍ
Big Think

(ترجمة خاصة: عرب 48)

ما هو الوعي ومن أين ينبعث؟ إنها أسئلة أحرجت كبار العقول في مختلف مجتمعات العالم منذ بداية عصور التخمينات. وبدأ الفيزيائون وعلماء الإدراك وعلماء الأعصاب يتعاملون مع هذا الموضوع بشكل أكبر في هذه الأيام. وثمة بعض النظريات الرائجة حول ذلك، الأولى هي النظرية المادية، وهي الفكرة القائلة بأن الوعي ينبثق من المادة، وفي حالتنا كبشر، فهو ينبثق عن الأعصاب الموجودة داخل الدماغ.

فإذا أخرجت الدماغ من المعادلة فلن يكون ثمة وجود للوعي على الإطلاق. وبحسب التقاليد العلمية، يعد العلماء ماديين راسخين، ولكن هذا أدى لاصدامهم بمحدودية المادية. فإذا ما تأملت الصدع بين النظرية النسبية وميكانيكا الكم، أو مبدأ عدم التحدد عند هايزنبرغ، ستدرك بسرعة حجم التنافر الموجود.

أما النظرية الثانية فهي نظرية ثنائية العقل والجسد، وهي نظرية تتواجد عادةً في الأديان والروحانيات. وهنا يعتبر الوعي منفصلاً عن المادة، فهو يمثل جزءاً لجانبٍ آخر من الفرد، والذي يطلق عليه اسم الروح بحسب التعابير الدينية. ثم يأتي الخيار الثالث والذي بدأ يحظى بأرضية في بعض الدوائر العلمية، وهو نظرية الوعي الشامل، ةضمن هذه الرؤية، فإن الكون بأكمله مسكون بالوعي.

ثمة عدد جيد من العلماء ممن يرتاحون لهذه النظرية، ولكنها ما زالت موضع جدلٍ كبير.وفي الحقيقة، تتشابه نظرية الوعي الشامل كثيراً مع ما يطلق عليه الهندوس والبوذيون بـ البراهمان، وهو الروح الكونية الفائقة التي نشكِّل نحن جزءاً منها. وعلى سبيل المثال، يُعتَبَرُ الوعي بالنسبة للبوذية هو الشيء الوحيد الموجود.

وحول هذا يدور تركيز بوذية الزن المعروفة، "إذا سقطت شجرة في غابة ما ولم يكن هناك أحد قريب ليسمعها، فهل يصدر عنها أي صوت؟" لا بد من أن يستنتج أحدهم بأن كل شيء نتفاعل معه يمر ويتم تفسيره عبر عقولنا، ومن دون ذلك لا يكون هناك وجود للكون على الإطلاق، أو على الأقل لا يكون موجوداً عند غياب وعي يدركه. في بعض أوساط الفيزيائيين، فإن النظرية السائدة تقول بوجود شيء أشبه بـ حقل الوعي الأولي.

في ميكانيكا الكم، لا تمتلك الجسيمات شكلاً ثابتاً وموقعاً محدداً، وذلك إلى حين أن تتم مراقبتها أو قياسها. فهل يُعَدُّ هذا شكلاً من أشكال الوعي الأولي؟ بحسب العالم والفيلسوف المعاصر جون أرتشيبالد ويلر فإن ذلك ممكن. يشتهر ويلر بسكِّه لمصطلح "الثقب الأسود"، وبالنسبة له، فإن كل جزء من المادة يتضمن شيئاً من الوعي، وهو وعي مُستقى من حقل الوعي الأولي ذاك.

يُطلِقُ على نظريته اسم "مبدأ المشاركة الأنثروبي"، والتي تقول بأن المراقب البشري هو مفتاح العملية. وفي هذا السياق يقول ويلر "نحن لسنا مشاركين في مسألة إيجاد الأشياء القريبة والمحيطة وحسب، بل الأشياء البعيدة والقديمة أيضاً". فبالنسبة له – كما هو الحال مع المقولة البوذية – ليس هناك شيءٌ موجود إلا إذا كان هناك وعي يدركه.

يعتبر عالم الأعصاب كريستوف كوش من معهد ألين لعلوم الدماغ داعماً آخر لنظرية الوعي الشامل. يقول كوش بأن النظرية الوحيدة الراهنة لدينا اليوم عن الوعي هي وجود مستوى من الوعي في الذات وفي العالم. فالكائنات الحية البيولوجية تمتلك وعياً لأنه عندما تصل إلى حالة جديدة فإنها تتمكن من تغيير سلوكها لكي تتعامل معه، وذلك بحسب هذا المنظور. ويحاول د. كوش أن يرى ما إذا كان بمقدوره قياس مستوى الوعي الذي تمتلكه الكائنات الحية.

وسيجري بعض التجارب على الحيوانات، فهو يخطط على سبيل المثال أن يقوم بوصل دماغين لفأرين ببعضهما البعض، فهل ستنتقل المعلومات فيما بينهما في النهاية؟ وهل سيصبح وعيها في نقطة ما كنظامٍ مندمج ومتكامل؟ وإذا ما نجحت هذه التجارب، فقد يعمل على وصل دماغين بشريين.

ويعد العالم الفيزيائي سير روجر بينروز داعماً آخر لنظرية الوعي الشامل. حيث قدَّم بينروز في الثمانينات أن الوعي يمثل الحاضر على المستوى الكمومي ويقيم في نقاط الاشتباك العصبي في الدماغ. ويشتهر بربطه للوعي ببعض مستجدات ميكانيكا الكم.

لا يصل د. بينروز إلى إدِّعاء إيمانه بنظرية الوعي الشامل. فبالنسبة له، "تنتج قوانين الفيزياء أنظمةً معقَّدة وتؤدي هذه الأنظمة المعقَّدة لنشوء الوعي، والذي ينتج بدوره الرياضيات، وهو ما يمكنه من تشفيرها فيما بعد بطريقة موجزة وملهمة من تلك القوانين الفيزيائية الأساسية التي بدأ منها.

يقول عالم الفيزياء الخبير غريغوري ماتلوف من كلية مدينة نيويورك للتكنولوجيا أنه يمتلك بعض الأدلة الأولية التي تُظهِر، على الأقل، عدم استحالة نظرية الوعي الشامل. وهذه بداية جيدة، حيث أخبر ماتلوف محطة إن بي سي نيوز أن "كل ذلك محض تكهنات، ولكنه شيءٌ يمكن أن نتأكد من صحته أو خطأه".

وأشار عالم الفيزياء النظرية برنارد هايش في عام ٢٠٠٦ إلى أن الوعي يَنتُجُ ويتنقَّل عبر فراغ كمومي أو فضاء فارغ. فأي نظام يمتلك تعقيداً كافياً وينتج مستوىً محدداً من الطاقة فسيكون إمكانه أن يولِّد ويبث الوعي. واشترك د. مالتوف مع عالم فزياء ألماني غير تقليدي وقدم تجربة قابلة للمراقبة من أجل ذلك.

وما شاهدوه كان هو انقطاع باريناغو، والذي يعبِّر عن أن النجوم الأبرد، مثل الشمس، تدور حول مركز مجرة درب التبانة على نحو أسرع من النجوم الأسخن. يعزو بعض العلماء ذلك للتفاعلات مع الغيوم الغازية، ولكن يتبنى ماتلوف منظوراً مختلفاً، وفصَّل ذلك في ورقة نشرت مؤخراً في مجلة استكشافات وبحوث الوعي.

فعلى عكس النجوم الأسخن، فقد يعود سبب سرعة دوران النجوم الأبرد إلى "تولُّد نفاثٍ أحادي الاتجاه". فمثل هذه النجوم تولِّد نفاثاً في وقت مبكر من لحظة وجودها، ويقول ماتلوف أن ذلك قد يكون مثالاً على الوعي الذي يحرك النجوم بنفسها من أجل الحصول على المزيد من السرعة.

تشير البيانات التجريبية إلى وجود أنماط معينة أينما شوهد انقطاع باريناغو. فإذا كان الأمر يتعلق بالتفاعل مع الغيوم الغازية، كما في تلك النظرية، فإن كل غيبة تتضمن على تكوين كيميائي مختلف، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تحرُّك النجوم بطريقة مختلفة، ولكن لماذا إذاً تتحرك جميع النجوم بذات الطريقة؟

بالرغم من عدم وجود الكثير من التفاصيل حول هذه المسألة، إلا أن الاكتشافات التي قدمها مسبار غايا الفضائي الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبي، والذي يهدف لرسم خريطة للنجوم، قد يقدم مزيداً من المعلومات لدعم أو إضعاف هذا المنظور. ومن جهة أخرى، يقول د. ماتلوف أن وجود حقل الوعي الأولي قد يشكِّل بديلاً عن افتراض المادة المظلمة.

تشكِّل المادة المظلمة حوالي ٩٥٪ من الكون، وذلك بالرغم من عدم إيجاد العلماء لأي شيءٍ منها. لذا، ومن أجل تدعيم الحجة، إذا كان الوعي هو خاصية تبرز على المستوى دون الجسيمي عند احتشاد الجسيمات، فكيف تلتحم هذه الأجزاء الضئيلة من الوعي مع بعضها البعض؟

يقدِّم عالم الأعصاب والطبيب النفسي غيوليو تونوني من جامعة ويسكونسين ماديسون منظوراً جديداً في التعامل مع نظرية الوعي الشامل، وهي نظرية التكامل المعلوماتي. في هذه النظرية، يعتبر الوعي تمظهراً لشيء مادي حقيقي في مكان ما من الكون، وكل ما في الأمر أننا لم نجده بعد، وقد يعمل هذا الجسم السماوي على إشعاع الوعي كما تقوم الشمس بإشعاع الضوء والحرارة.

وقد طرح د. تونوني مقياساً لقياس مدى شيئية (من شيء) الوعي، ويُقاس بوحدة الفاي. حيث يعبِّر عن درجة التحكم التي يمتلكها الكائن على نفسه وعلى الأشياء المحيطة به. تفصل هذه النظرية الذكاء عن الوعي، في الوقت الذي يفترض فيه بعض الناس أنهما أمرٌ واحد.

خذ الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال. فقد تمكن منذ هذه اللحظة من التفوق على البشر في جميع المهام، ولكنه لا يمتلك إرادة خاصةً به. ولكن إذا وُجِدَ جهاز حاسوب متقدم قادر على إحداث التغيير في العالم من دون الالتزام بأوامر المبرمج فإن ذلك قد يقود لنشوء الوعي. يعتقد الكثير من علماء المستقبليات من راي كورزويل وإلون موسك باقتراب هذا اليوم، ربما في العقد القادم أو الذي بعده، وأنه علينا أن نتحضر لذلك.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018