الأمم المتحدة في حالة يأس من ترامب

الأمم المتحدة في حالة يأس من ترامب

(ترجمة خاصة: عرب 48)

هل يمكن لأنطونيو غوتيريس أن يخيف ترامب حتى يأخذ الأمم المتحدة على محمل الجد؟

منذ توليه منصب الأمين العام في كانون الثاني/ يناير، بذل غوتيريس قصارى جهده لبناء علاقاتٍ عملية قوية مع الإدارة الجديدة، وخفف من انتقاداته للأجندة الوطنية الخاصة بالبيت الأبيض إلى أقصى حد. وفي حين قيامه بمرافعة مع واشنطن لمنع الاقتاطاعات الكبيرة لميزانية الأمم المتحدة، كان يعمل بدأب على بناء علاقات وطيدة مع سفيرة الولايات المتحدة نيكي هالي، فخلال شهادتها في الكونغرس الأسبوع الماضي، أشارت هالي بأن غوتيريس قد وافق على إمكانية قيام الولايات المتحدة ببعض الاقتطاعات المخصصة لتمويل عمليات قوات حفظ السلام، وهي رسالة تعبر عن شكوى أعضاء آخرين في الأمم المتحدة ممن ستوكل لهم مهمة تطبيق المتغيرات الجديدة.

ولكن ثمة حدود للصبر من تحفُّظ العاملين المدنيين الدوليين. فخلال الشهر الماضي، كان يحاول غوتيريس أن يوصل رسالة جديدة، وهي أن ترامب يسلِّم العالم للصين.

حاول الأمين العام، وهو الذي سيزور واشنطن أيضاً هذا الأسبوع للمشاورات في كابيتول هل، أن يعبِّر عن ذلك أول مرة في أواخر شهر أيار/ مايو. ففي حديث له عشية قرار الرئيس ترامب للانسحاب من اتفاقية باريس للتغير المناخي، حذَّر من أن قيام الولايات المتحدة بعمل "فراغ جيو استراتيجي" بتخليها عن دورها الدولي، "فأنا أضمن لكم أن هناك من سيحتل هذا الموقع"، وقد كان ذلك إشارةً واضحة على بكين.

استدعى غوتيريس – الذي كان عالم فيزياء ذات مرة – استعارة الفراغ في المؤتمر الصحفي النصف سنوي خلال الأسبوع الماضي، ولكن قام بتوظيفه لصالح أميركا. حيث قال وهو يشير إلى القوى الأخرى الممكنة "لا أعتقد أن هذا أمرٌ جيد بالنسبة للولايات المتحدة"، وأضاف "ولا أعتقد أيضاً أن هذا أمرٌ جيد للعالم".

لقد أشار الكثير من النقاد إلى واقع استفادة الصين من عبث السياسات الخارجية التي يتبعها ترامب. ولكنه أمر صادم أن يتحدث أمين عام للمنظمة بهذه الصراحة حول التحولات الجيو استراتيجية لموازين القوى. فبغض النظر عما يقوله الأعداء المحافظين للأمم المتحدة عن المنظمة، إلا أن المسؤولين الدوليين يكرهون نقد أميركا على العلن، فالولايات المتحدة تبقى هي الممول المسيطر على المنظمة. كانت تتصرف واشنطن بحزم مع الأمناء السابقين الذين انتقدوا سياساتها، كما حصل مع موقف كوفي أنان من وضع العراق.

لذا لن يستعمل غوتيريس ورقة الصين بسذاجة، فهو ليس من ذاك النوع من السياسيين الذين يختارون خوض المعارك غير المهمة. فباعتباره رئيس الوزراء السابق للبرتغال وصاحب خبرة طويلة تمتد لعقود في أعلى المستويات والصفقات السياسية، سيفضل الأمين العام العمل بصمت ومن وراء الستار. فهو يُبدي انسجاماً مع صياغة التنازلات الدبلوماسية الواقعية، فعلى سبيل المثال، تعهَّد غوتيريس بأن يضع مسؤولاً روسياً على حملات مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة، وذلك من أجل ضمان دعم موسكو لفوزه بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.

كما أبدى غوتيريس أملاً بإمكانية تفوقه على إدارة ترامب من خلال أساليب ممثالة، فقد عمل جاهلاً على صياغة روابط شخصية مع هالي، السفيرة التي عينها ترامب. وفي آذار/ مارس، قام غوتيريس بطرد مسؤولة في الأمم المتحدة التي أصدرت تقريراً تتهم فيه إسرائيل باستخدام سياسات "فصل عنصري"، وقد احتفت هالي علانية بهذا الموقف. كما عمل فريقه على البحث عن طرق لتخفيض نفقات المنظمة، مثل تقليل عمليات حفظ السلام، وهو ما مكَّن هالي من إخبار واشنطن بأنها تُجبِر الأمم المتحدة على تحسين أوضاعها. بل قام أيضاً بزيارة محافظ جنوب كارولينا ليقدِّم خطاباً في حفل تخريج إحدى الجامعات وللاجتماع بالسياسيين المحليين ليعبِّر عن تحالفه مع السفير.

يُعدُّ غوتيريس الأمين العام الأنسب من وجهة نظر الولايات المتحدة وفي العديد من النواحي. إن سلفه بان كي مون من كوريا الجنوبية يكاد يكون شخصاً ذليلاً في ولاءه لواشنطن، وهو ما يقوِّض مصداقيته أمام البلاد الأخرى. لكن يمتلك غوتيريس في المقابل قاعدة سياسية أوسع بكثير، كما يحظى بعلاقات شخصية مع زعماء في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا أيضاً. وكان ذات مرة رئيساً للأممية الاشتراكية، وهو ما يجعل من الصعب تصويره كألعوبة في يد الجمهوريين. ولكن تفضيله للدبلوماسية المتسترة وشعوره الشديد بالحاجة للحفاظ على قوة الأمم المتحدة يعني أنه يتجنب المشاحنات المفتوحة مع الولايات المتحدة قدر الإمكان.

ولكن لن يتمكن مثل هذا السياسي الدبلوماسي المراوغ حتى من الاستمرار في عراك الإدارة إلى الأبد، فتوجُّه ترامب العدواني نحو الأمم المتحدة بشكل عام، ونحو اتفاقية باريس تحديداً، يضمن ذلك. ولكن بحسب ما ينبغي أن يكون واعياً به الآن، فإنه حتى لو سعى لبناء علاقاتٍ قويةٍ مع هالي، فإن ذلم لن يحميه ولن يحمي الأمم المتحدة من نزوات وهيجان الرئيس. كان يتطلع غوتيريس لصياغة تحالفات في أماكن أخرى ليدعِّم الأمم المتحدة، وذلك في حال فشل جهوده في توطيد علاقاته مع الولايات المتحدة، فقد التقى بإمانويل ماكرون بعد أيام من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، كما كرَّس بعضاً من وقته ليدعِّم العلاقات مع الداعمين التقليديين للأمم المتحدة في الاتحاد الأوروبي.

ولكن ستكون العلاقة مع الصين هي أبرز علاقات الأمين العام خارج الولايات المتحدة، فبعد انتخاب ترامب، كانت هناك موجةٌ من الاهتمام بالصين داخل وحول الأمم المتحدة، خاصة مع بروز شائعات من مسؤولين دوليين على مجيء الوقت الذي ينبغي على بكين أن تتولى دوراً قيادياً أكبر. وفي الحقيقة، فإن ما تهتم به الصين هو تلك الجوانب التي تخدم مصلحتها في نظام الأمم المتحدة.

لقد كان المسؤولون الصينيون شركاء في الدفاع عن اتفاقية باريس، والتي ساعد الرئيس شي جين بينغ على هندستها مع إدارة أوباما، ولكنه يبقى متحفظاً على المنجزات الغربية كالرقابة على حقوق الإنسان. ومع ذلك، بذل غوتيريس جهداً ملحوظاً في التودد للصين، حيث زار بكين في شهر أيار/ مايو لمؤتمر المبادرة التجارية "حزام واحد، طريق واحد" واحتفى أيضاً بمبادرات "فوز-فوز" التنموية.

ولكن لا يعني هذا أن غوتيريس يخطط لتسهيل عملية استيلاء صينية على الأمم المتحدة. فهو يلمِّح حالياً لاحتمالية قيام بكين بملأ الفراغ الجيو استراتيجي بدل أميركا كمحاولة للتملق للولايات المتحدة لكي تؤدي دورها المطلوب. ومن غير المرجح أن يحصل على تواصل مباشر مع ترامب – التقى كلاهما مرة واحدةً بشكل شخصي – ولكنه يمتلك بعض المنافذ لنخب بارزة من الجمهوريين في الكونغرس عبر هالي. وعن طريق التلميح حول مستقبل قوة الولايات المتحدة، يقوم الأمين العام بإثارة الشعور بالقلق الجيو سياسي لواشنطن، ولا ينطلق الأمر من دوافع إنسانية وحسب.

سيأمل غوتيريس على المدى القريب بإقناع الكونغريس للتراجع عن بعض الاقتطاعات الشديدة للنفقات الأمريكية التي تم طرحها في ميزانية الإدارة لعام ٢٠١٨. ولكن في حال لم يقم ترامب بطمأنة الأمم المتحدة على المدى البعيد، قد يجد الأمين العام أنه يتوجب عليه السير بحسب تحذيراته الأخيرة، ليقوم بعدها بتقديم مقترحات حقيقية لبكين. وفي وقت تتراكم فيه الحروب والأزمات الإنسانية حول الأمم المتحدة – تقول المنظمة بأنها تحتاج لـ ٨ مليار دولار لتتعامل فقط مع الانهيارات التي لحقت بالصراع في جنوب السودان – لن يتمكن غوتيريس من المحافظة على تغزله بالولايات المتحدة لفترة طويلة، وسيحتاج للالتفات لتلك القوى التي تنوي تقديم مساعدات مالية وسياسية حقيقية، وإذا ما كانت تنوي الصين أن تعزز من مساعداتها، ستسير الأمم المتحدة بكل بساطة نحو المال.

وإذا ما اقترب غوتيريس من الصين، سيدَّعي ترامب بلا شك بأن هذا يثبت امتلاك الأمم المتحدة لأجندة معادية لأميركا. ولكن ينبغي للإدارة أن تنصت لما يقوله الأمين العام، فهو يريد الحفاظ على قوة أميركا ضمن الأمم المتحدة. ولكن إذا لم يحدث ذلك، سيضطر غوتيريس للسير على الخطة البديلة ويتوجه نحو بكين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018