عن الزعامة العالمية: صعود الصين وألمانيا أمام انسحاب الولايات المتحدة

عن الزعامة العالمية: صعود الصين وألمانيا أمام انسحاب الولايات المتحدة
(أ ف ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

لطالما كانت الولايات المتحدة قوة مبادرة في البحث عن التوجهات المشتركة في ما يتعلق بالقضايا الدولية الكبرى الراهنة المُتداولة في قمم مجموعة العشرين، ولكن هذا لم يحدث الآن.

عندما اجتمع زعماء العالم في مدينة هامبورغ يوم الجمعة، تبين أن الصين وألمانيا ستسعيان لانتزاع دور الولايات المتحدة.

حيث أصبح مركزا القوة الصناعية في آسيا وأوروبا متشجعان لعقد تحالف غير رسمي لرفع راية الزعامة التي اتُّهِمَت الولايات المتحدة بالتنازل عنها منذ تنصيب الرئيس دونالد ترامب في بدايات هذا العام، وذلك بحسب ما ورد عن دبلوماسيين ومسؤولين من عدة مجموعات ضمن الأعضاء العشرين.

تبلورت هذه الحالة بعد الاجتماع السنوي الأخير لمجموعة العشرين، والذي عُقِد في أكثر المناطق التجارية ازدحامًا في ألمانيا. وقد تعزز ذلك مع وجود الرئيس الممثل عن الولايات المتحدة والذي يمجد النزعة الحمائية، حيث هجر – ولأول مرة منذ تأسيس المجموعة – عقودًا من الريادة الأميركية في ما يتعلق بالتجارة الحرة.

لقد عزلت الولايات المتحدة نفسها أيضًا في اتفاقية التغير المناخي في قمة أيار/ مايو، التي عقدتها مجموعة الدول السبع في إيطاليا، حيث انقسم البيان الرسمي إلى ستة في مقابل واحد حول هذه القضية. والآن، يجد ترامب نفسه وحيدًا أمام جبهة موحَّدة من حلفاءه الأوروبيين وجيرانه مثل كندا والمكسيك وأعداء سابقين لأميركا من أيام الحرب البارد في مواجهة أهم بندين لهذه القمة.

باعتبارهما المضيفَين السابقَين والحاليين للقمة، كان سيعمل رئيس الصين شي جين بينغ، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، سويةً في كل الأحوال على أجندة مجموعة العشرين. ولكن بعد ثلاثة زيارات إلى ألمانيا من قِبَل رئيسة وزراء الصين لي كيكيانغ، والتي كان آخرها الشهر الماضي، فإن ذلك يؤشر على أن كلا الدولتين تنويان الوصول لمرتبة أعلى والصعود إلى الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، لفترة مؤقتة على الأقل، في ظل رئاسة ترامب.

يقول سفير دولة الأرجنتين (وهي عضو في مجموعة العشرين) دييغو راميرو غولر، في بكين، إن "التقارب الجديد للصين وألمانيا هو أمر حدث بسبب دخولنا في حقبة ترامب"، ويضيف قائلًا: "وحاليًا، إن أهم زعيمين في العالم هما الرئيس شي والمستشارة ميركل".

دبلوماسية الباندا

تعززت العلاقات بين الصين وألمانيا منذ سنوات، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية المشتركة، وغير مقيدة بعوائق التنافس الجيوسياسي الذي كان يكبِّل العلاقات بين بكين وواشنطن منذ فترة طويلة قبل انتخاب ترامب. فألمانية في حاجة للأسواق من أجل عرض آلاياتها الصناعية وسياراتها الفاخرة، كما تحتاجهم الصين بشكل كبير، إلى درجة أنها جلبت شركة "كوكا أي جي" للروبوتات الألمانية إليها.

إن زيارة شي الرسمية الثانية لألمانية ستكون قبل انعقاد القمة. لقد وصل حيوانا الباندا العملاقان الذين أعارتهما الصين إلى حديقة الحيوان في برلين، وهي إشارة تعبر عما يوصف بدبلوماسية الباندا. فقد أعطت الصين حيواني باندا إلى الولايات المتحدة في عام 1972، وذلك بعد أن قام الرئيس ريتشارد نيكسون بزيارته التاريخية الأولى للصين الشيوعية.

قال سفير ألمانيا في بكين، مايكل كلاوش، في مؤتمر صحفي إن "العلاقات بين الصين وألمانيا هي في أحسن أحوالها التاريخية". وأضاف قائلًا إن "التحركات الاقتصادية والسياسية بالنسبة للرؤية الألمانية تتجه نحو الشرق".

ويقول كلاوش إن الولايات المتحدة قد "تركت فراغًا بطريقة ما" في المنطقة عبر هجرها لاتفاقية "الشراكة عبر المحيط الهادئ" للتجارة الحرة المقترحة من 12 دولة، حيث سعت الصفقة لبناء جبهة لتجارة حرة متمركزة حول الولايات المتحدة تُعقَدُ بين الدول المحاذية للمحيط الهادئ من تشيلي وحتى فيتنام، وذلك كبديل للمبادرات الصينية مثل مبادرة "حزام واحد، طريق واحد". ولكن ترامب قام بسحب الولايات المتحدة من خطط الشراكة عبر المحيط الهادئ في غضون أيام من تسلمه للرئاسة.

فراغ ترامب

يتجلى فراغ ترامب بشكل أكبر في قضية التغير المناخي، وذلك بعد إعلانه الشهر الماضي سحب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس لعام 2015، الهادفة لإبطاء الاحتباس الحراري. وقد تم توقيع الاتفاقية من أكثر من 19 دولة، بما فيها دول مجموعة العشرين.

صادقت الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر مصدرين للتلوث، على اتفاقية التغيرر المناخي، وذلك خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. وقد جاء شركاء آخرون بمجرد اتفاق هاتين الدولتين القويتين على الإطار الذي يريدونه للحد من الإنبعاثات الضارة، حيث لم يفضلوا النظام الذي سنَّه الاتحاد الأوروبي القائم على الحصص.

ولكن تلاشت هذه الصيغة من مفاوضات التغير المناخي مع انتخاب ترامب. والتقت مجموعة طليعية جديدة تتألف من كندا والصين والاتحاد الأوروبي لأول مرة في شهر أيار/ مايو. كما التقت مجموعة عمل صينية ألمانية ثنائية للتباحث حول اتفاقية التغير المناخي في برلين الأسبوع الماضي، حيث أكد كلا الطرفين التزامهما المشترك لتبني توجه "طموح" في تحقيق أهداف اتفاقية باريس، والدفع بهذا التوجه الجماعي في قمة هامبورغ.

قالت ممثلة ميركل الأساسية في اتفاقية التغير المناخي في مجموعة العشرين، خلال حديثها في مؤتمر في برلين، يوم الجمعة الماضي، إن "هناك اعترافًا واضحًا من زعمائنا بالحاجة لقيادة ألمانية صينية". وأضافت قائلةً: "تعد كلتا الدولتين مصدِّرين أساسيين فيما يتعلق بالجوانب التكنولوجية في مجابهة التغير المناخي، وأنا أرى فيهما تحالفًا قويًا".

ثمة حدود حقيقية تحيط بمسار التحالف الألماني الصيني، وهو يعكس الإحباطات التي تراها ميركل – مثل ترامب – كشكلٍ غير متوازن من العلاقات التجارية. حيث باعت ألمانيا ما يقدَّر بأكثر من 85 مليار دولار من البضائع للصين خلال العام الماضي، كما كانت أكبر مستثمر أوروبي في المملكة الوسطى (الصين). ولكن يبدو أنه من الممكن أن تكون هذه الأرقام أكبر بكثير في حال لم تفرض الصين مجموعة من العوائق غير الموجودة في أوروبا.

ففي عام 2016، ارتفع معدل الاستثمارات الصينية المباشرة في الاتحاد الأوروبي إلى 77% خلال العام الماضي، حيث ازدادت عن نسبة 30% التي كانت سائدة في الأعوام السابقة، وذلك بحسب دراسة أجرتها مجموعة روديام ومعهد ميركاتور للدراسات الصينية. وكانت شركة "كوكا" وشركة "إنيرجي فروم ويست" (EEW) من بين الأهداف الرئيسية لاستعادة الموارد.

في المقابل، هبطت الاستثمارات الأوروبية في الصين للسنة الرابعة على التوالي، وذلك بسبب وجود العوائق على الصناعات، كالتأمين، ومتطلبات الشراكة المجحفة، وحالة القلق من قانون حماية الإنترنت الجديد، والتي تؤدي إلى نتائج ضارة بحكم خوف المستثمرين الأجانب.

تفضل الصين في نفس الوقت الاتكاء على ألمانيا بدلًا من الاتحاد الأوروبي، نظرًا للخلافات الأوسع مع المجموعة، التي استمرت في معارضة منح وضعية اقتصاد السوق للصين في منظمة التجاربة العالمية.

تعي ميركل مخاطر تمكين الصين، والمتمثلة في احتمالية إبعاد ألمانيا عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيخلق بالتأكيد شراكة غير متساوية بين بلاد تمتلك أنظمة سياسية مختلفة والقليل من القيم المشتركة. في مقابلة في هذا العدد الأسبوعي من مجلة الأعمال الألمانية "ويرتشفستواخه"، دعمت ميركل نداءات الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، لحكومات دول الاتحاد الأوروبي، الداعية لتميكن زيادة حجم المشتريات الأجنبية المتعلقة بالشركات الكبرى.

وقالت للمجلة: "إذا ما أرادت دولٌ مثل الصين أن تشتري – ببساطة – أشياء تم بناءها من خلال العديد من المساعدات، فينغبي أن نرد على ذلك"، مشيرةً إلى تلك الشركات التكنولوجية التي تهتم بها الصين مثل شركات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

وقالت أيضًا: "من وجهة نظر بكين، فإن أوروبا مجرَّد شبه جزيرة آسيوية، ولكننا – وبكل بساطة – نرى الأمور بشكل مختلف".


اسم الكاتب: مارك تشامبيون، بيتر مارتين، ريان باركين

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018