المنطق: ما بين المطلق والنسبيّة!

المنطق: ما بين المطلق والنسبيّة!
pixabay

(ترجمة خاصة: عرب 48)

عندما يريد أحدهم توجيه ضربة قاضية للمذهب النسبي خلال جدال ما، فإنه يفعل واحداً من هذين الأمرين: إما أن يقول بأن المذهب النسبي يدحض نفسه بنفسه، أو الإشارة إلى أن بعض الأشياء البسيطة ليست نسبية، بل هي مطلقة، وتعد الرياضيات والمنطق من الأمثلة المفضلة التي يُستدل بها على المحاججة الأخيرة.

فبعض الأشياء ثابتة وغير قابلة للتغيير، وتنطبق على جميع الناس، وهكذا تسير هذه المحاججة. فبعيداً عن الأشياء غير الثابتة – بحسب المذهب النسبي – فإننا ندرك بلا شك بأن 5+5 ستساوي دائماً الرقم 10، وأنه لا يمكن لشيء أن يكون صحيحاً وخاطئاً في نفس الوقت، وهذه أحد المبادئ المؤسسة في المنطق.

ولكن ماذا لو كان المنطق ذاته غير مطلق كما نحب أن نعتقد؟ ماذا لو كان المنطق نسبياً، بالنسبة للتاريخ على الأقل؟

لم يكن المنطق الغربي دائماً كما ما هو عليه اليوم، ومن المرجح أن لا يبقى كما هو في المستقبل.

في هذه المقالة، يعمل أستاذ الفلسفة غراهام بريست برفقة توماس ماكولي فيرجسون – وهما مؤلفا قاموس المنطق الصادر عن دار نشر جامعة أوكسفورد – على رسم المراحل الأساسية الثلاث التي صاغت تطور المنطق الغربي عبر التاريخ، وهذه المراحل هي: المنطق اليوناني القديم، والمنطق القروسطي (من القرون الوسطى)، والمنطق المعاصر.

لم يكن المنطق القديم موحدَّاً، فقد عُرِفَ أرسطو بأنه أبو المنطق، ولكن لم يكن منطقه هو الوحيد الموجود على الساحة آنذاك. فقد مثَّل أرسطو بداية المنطق كتعاليم منظَّمة قائمة بذاتها، ولكن "العبارات المنطقية" – بحسب تسميته – والتي تدور حول العلاقات المنطقية بين العبارات كانت تختلف كثيراً عن منطق الفيلسوف الرواقي خريسيبوس، والتي كانت تدور حول الافتراضات.

بينما تشكلت المرحلة الثانية – بحسب بريست وفيرجسون – في القرون الوسطى، حيث قام مفكرون من أمثال جان بوريدان ووليام الأوكامي بإثراء المنطق القديم. وعمل بوريدان والأوكامي تحديداً على صياغة – من بين أشياء أخرى – عقيدة الفرضيات، أي القدرة على أن تكون عبارة ما "سنداً" لشيء آخر، والتي تُعرف أيضاً بالمفارقات المستحيلة، مثل "كل الفرضيات خاطئة"، وأخيراً، نظريات النتائج المنطقية (مثل "من المستحيل على ما هو خاطئ أن ينبع مما هو صحيح".)

وكما يشير بريست وفيرجسون، فقد ضاعت الكثير من الانجازات المنطقية التي حصلت في القرون الوسطى بعد مجيء عصر النهضة والنزعة الإنسانية، ثم أُعيد اكتشافها في القرن العشرين.

ولهذا السبب كان الفيلسوف إمانويل كانت مخطئاً عندما كتب في مقدمة دروسه عن المنطق أن "المنطق . . . لم يتطور محتواه كثيراً منذ أيام أرسطو ومن المستحيل أن يتطور بحكم طبيعته، وذلك لأنه يتضمن على أنماط مجرة من التفكير".

وجاءت المرحلة الثالثة والأخيرة من تطوير المنطق على يد شخصيات ورياضيين من أمثال فريجه وراسل وغودل. وقد بات يعرف بـ "المنطق الكلاسيكسي"، وذلك بالرغم من وجود القليل من المشتركات بينه وبين المنطق الأرسطي أو الرواقي.

نتعامل اليوم مع المنطق بطريقة مشابهة لمبدأ الفيلسوف كانت، حيث ننظر بطريقة بسيطة لمسألة تطوره والتعرجات القائمة في تاريخه، وكما يقول بريس وفيرجسون:

"عادةً ما يتم تدريس المنطق بطريقة غير تاريخية ودوغمائية نوعاً ما، فهذا هو المنطق، وكل ما عليك فعله هو تعلُّم قواعده. وكأن فيرجه قد جاء بالألواح من جبل سيناء، وكانت النتيجة هي قواعد ثابتة ومطلقة غير قابلة للمسائلة".

ولكن المنطق تطور عبر مدة طويلة من الزمن، ومن المرجح أن يستمر في تطوره. حيث يعمل المنطق غير الكلاسيكي حالياً على تعديل بعض الأفكار الخاطئة في المنطق الكلاسيكي كما باتت الطبيعة المعيارية للمنطق موضع تنازع اليوم. لقد تأثر الذكاء الاصطناعي بالمنطق، ولكن أصبح الذكاء الاصطناعي يؤثر هو الآخر على المنطق أيضاً.

لذا وبالرغم من رغبتنا بالتفكير في بعض الأشياء وكأنها بقيت كما هي عليه ولن تتغير، فيبدو أن المنطق ليس من ضمن هذه الأشياء، فهذا المجال لم يكن كما هو عليه اليوم، لذا لماذا نتوقع أن يظل كما هو؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018