تحركات الصدر والمشهد العراقي عشية الانتخابات

تحركات الصدر والمشهد العراقي عشية الانتخابات
(أ.ف.ب)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

خلال الأشهر الماضية، كثَّفت الجماعات السياسية العراقية جهودها للتأثير في بغداد خلال تحضيرها للانتخابات البرلمانية للعام المقبل. وعلى نحو يغضب إيران التي دعمت عدداً من هذه الجماعات، بدأ بعض الشيعة العراقيين بالإعلان عن تنحية أنفسهم عن كفيلتهم كي يتحركوا كقوى مستقلة ومتحررة عن وصاية القوى الخارجية، وهو ما يزيد من رصيدهم أمام الناخبين العراقيين.

وما يثير قلق إيران هو أنه، وبعد إخراج تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) من العراق، سيعمل الحوار السياسي حول المشاركة في السلطة الذي سينشأ بين الفصائل السياسية المختلفة في البلاد، بالإضافة للحوار بين الجماعات العرقية والطائفية العراقية، على إخراج إيران من اللعبة، مما سيعرِّض مصالحها طويلة الأمد في السيطرة على المنطقة للخطر. وهناك جدل في طهران حالياً حول ما إذا كان ذلك مجرد فورة سريعة أو ما إذا كان على طهران أن تتعلم كيف تتعايش مع الحس الوطني الشيعي العراقي المتنامي.

قد تتضمن نتيجة هذا الصراع الشيعي الداخلي أثراً على المصالح الإيرانية خارج حدود العراق. فقد كان الحذر الإيراني جلياً عندما ظهر السيد مقتضى الصدر في ٣٠ تموز/ يوليو في السعودية التي تعد الخصم اللدود لإيران. فعلى الأقل، سيؤدي إرخاء السطوة على شيعة العراق إلى إبطاء خطط إيران في توسيع تأثيرها الأيديولوجي على المنطقة.

الصدر في السعودية

كانت إيران تراقب عن كثب كل حركة وخطوة داخل الحياة السياسية لشيعة العراق، وذلك لسبب يخدمهم. فسطوة طهران على الجماعات السياسية العراقية الشيعية يمكن أن يعد أكبر إنجاز على صعيد السياسة الخارجية منذ تأسيس حزب الله، في العام ١٩٨٢.

لهذا كانت زيارة الصدر للسعودية أمراً مفاجئاً جداً بالنسبة لطهران. يُعرف الصدر كزعيم عراقي قومي ممن دخلوا في معارك مستمرة مع الجماعات الشيعية المدعومة من إيران، لهذا تعتبر طهران أنه رجل مستقل.

ومع ذلك، فإن الاحترام الذي قدمه الصدر للسعودية، وهي رأس حربة الجبهة المعارضة لإيران – واستقباله من قِبَل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الرجل الذي يراه الإيرانيون كقائد للحملة ضدهم – قد أدت للكثير من الجدل في طهران حول دوافع ودلالات الزيارة.

كانت آخر زيارة للصدر للسعودية في عام ٢٠٠٦. ثم أمضى بعدها ثلاثة أعوام في المنفى في إيران بحكم سعي الجيش الأميركي لاعتقاله بسبب دوره في التمرد المناهض لأميركا في العراق. فمن جهة كان يعلن عن رفضه للتأثير الإيراني على العراق، ومن جهة أخرى كان يجد ملاذاً آمناً في إيران كلما احتاج لمكان للاختباء. ولكن وحتى هذا اليوم لا يبدو أن هناك من يعرف بين المراقبين للعراق مدى قدرة إيران بالتأثير عليه، في الماضي أم في الحاضر. وبعد عودته للعراق في العام ٢٠١١، حافظ الصدر على موقفه المناهض للولايات المتحدة، ثم وجَّه دعمه لنوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي المدعوم من إيران. لم يكن الصدر صديقاً للرياض في ذلك الوقت، فبين عامي ٢٠١١ و٢٠١٦، هاحم الصدر سياسات السعودية في البحرين واليمن.

وفي هذه الأيام، تأكد الإيرانيون من أن الصدر يريد تغيير نفسه ليصبح شخصية تبرز فوق القوى السياسية الشيعية كي يتمكن من البقاء ومواكبة المشهد الشيعي في العراق. وتعتبر رحلته لجدة امتداداً لهذه الجهود. يريد الصدر أن يظهر كبديل بالنسبة للأحزاب الشيعية الأخرى، ويعد تبنيه لتوجهٍ مختلفٍ نحو السعودية نموذجاً على ذلك، وذلك بالرغم من غياب أي دلائل حول إمكانية تطورها مستبقلاً. ومثله مثل الزعماء الآخرين، يحظى الصدر بتعاطف شعبي، حيث كان ولا زال يحظى بدعم من فقراء الشيعة، الذين ينظرون للسعودية كقضية حساسة، وهذا الأمر سيصعِّب على الصدر عملية التقرب من الرياض. ولكن هذا يعتمد على نتيجة التدخل السعودي في البحرين واليمن، حيث لا تحظى الحروب هناك بشرعية من شيعة العراق. وتعتقد طهران أن الصدر يأمل بالحصول على مساعدة السعودية كي تضمن تحصيل الدعم من الجماعات العراقية السنية المدعومة من السعودية أو الشيعة في بغداد المتشككين من طهران، مثل رئيس الوزراء السابق، إياد علاوي.

كان ارتباك إيران من خطة الصدر واضحاً. ففي البداية تفاعلت طهران مع ذلك عن طريق افتراض أن الصدر كان يخادع إيران عن طريق زيارة الرياض، بينما ينسِّق في الواقع للرحلة مع طهران. وبحسب أحد المصادر، كان الصدر يتحرك كوسيط بين السعوديين والإيرانيين.

كان هذا تفسيراً مستبعد، وتهاوى مباشرةً مع عودة الصدر للعراق، حيث كرر مطالبته للحكومة العراقية بحل الميليشيات الشيعية، والتي تعرف باسم قوات الحشد الشعبي. تعتبر هذه نقطة موجعة بالنسبة لطهران، التي تعتبر الجهة المسؤولة عن تنظيم وتسليح وتوظيف الحشد الشعب ليس عبر العراق فحسب بل في أراضي المعركة في سورية في دفاعها عن نظام بشار الأسد.

تحدي الصدر لإيران

ترفض طهران أن تشاهد حل قوات الحشد الشعبي، ويرى الإيرانيون دعوة الصدر كدعوة مدفوعة بعداوته للجماعات السياسية الشيعية التي تقف بجانب الحشد الشعبي، مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي رفض طلب الصدر في الخامس من آب/أغسطس، قائلاً أن "قوات الحشد الشعبي تقع تحت حكم رجال الدين والدولة، فهي تنتمي للعراقيين ولا ينبغي أن يتم حلها". (وحتى قبل زيارة الصدر للرياض، لم يدافع العبادي عن الحشد الشعبي بل تعهد بأنها "ستستمر لسنوات، بالرغم من محاولات بعض الناس لمعارضتها"، وهي نقطة موجهةٌ للصدر).

لمجابهة الصدر، أعلنت إيران عن رواية رسمية تحاجج بأن القوات العسكرية التي تدين بالولاء للصدر لم تشارك بالحرب ضد "داعش". وتصر طهران على أن هذه الحقيقة لوحدها ينبغي أن تجرد حركة الصدر من شرعية الحصول على أي موقف يتعلق بمستقبل الحشد الشعبي، وهي التي كانت على جبهة القتال ضد التنظيم. وبحسب ماهية الخطوة القادمة التي سيختارها الصدر، فمن المرجح أن تستمر إيران في البحث عن طرق تهميش الصدريين في الحوار الوطني الذي سيأتي بعد هزيمة "داعش". وفي حال صعَّد الصدر وشن حملة كاملة ضد حضور إيران في العرق، فلن تبقى طهران في وضعية المشاهد. لقد مثَّل سؤال التأثير الإيراني في الماضي قضية خلافية وأدت لانقسامات داخل الحركة الصدرية، وبالتالي من المرجح أن تحافظ طهران على قدرتها على تقويض فصيل الصدر من الداخل.

من المؤكد أن دعوة الصدر للسلطات العراقية "لتحقيق السيطرة الكاملة على كافة القوات المسلحة" – وهو ما أسعد كل من المضيفين السعوديين والمسؤولين الأميركيين – تقف في مواجهة مباشرة لموقع طهران، والتي تعتَبِرُ سيطرتها على قوات الحشد الشعبي كطريقة للبقاء كقوة أساسية في بغداد وفي المنطقة، بحكم أن استخدام نموذج قوات الحشد الشعبي بالنسبة لطهران يندرج من حقيقة مساعدتها للأسد في الحفاظ على السلطة عبر التجنيد والتوظيف السريع للمقاتلين في سورية. فقد كان الحشد السريع لقوات الحشد الشعبي في عام ٢٠١٤ ضد "داعش" في العراق تجربة ناجحة إلى درجة قيام بعض ألوية الحشد الشعبي فيما بعد بإيفاد المقاتلين الذين كانوا تحت السيطرة الإيرانية نحو سورية للقتال إلى جانب القوات الموالية للنظام.

والأكثر أهمية من كل ذلك، يشكل نموذج الحشد الشعبي في العديد من النواحي صورة انعكاسية عن الحرس الثوري في جمهورية إيران الإسلامية، بحكم كونها من بنات أفكار كل من الحرس الثوري والجنرال قاسم سليماني، رئيس أهم جناح للحملات العسكرية في الحرس الثوري: قوات القدس. يعتبر الحرس الثوري في إيران دولة داخل الدولة، حكومة موازية تتحرك بناءً على مصالحها التنظيمية السياسية والاقتصادية الضيقة. فهو يحظى بسلطة كبيرة في إيران قادرة على أن تنذر بخلع رئيس منتخب، كما حصل مع محمد خاتمي، الذي كان في السلطة بين عامي ١٩٩٧ و٢٠٠٥، أو أن ترسل عدة تحذيرات، كما حصل مع الرئيس حسن روحاني في عدة مرات.

لا ترتبط قيادة الحشد الشعبي في العراق بنظيرتها في الحرس الثوري الإيراني وحسب، بل سيمثل حل نموذج الحشد الشعبي في العراق، كما يحاجج الصدر، انتكاسةً واضحة لنمط عمليات الحرس الثوري في توسيع تأثيرها في المنطقة، أي عبر قوات الحشد الشعبي بدلاً من الحكومة المركزية، سواءً في بغداد أو دمشق. وفي حال تمكنت العراق من حل الحشد الشعبي، فستتمكن من الحط صورة الحرس الثوري القاهرة، وهو ما سيعمل في البلاد على تحصيل الدعم من الشعب الإيراني.

يدرك الصدر بالتأكيد أن هجمته على الحشد الشعبي تمثل تحدياً صريحاً للحرس الثوري، وهو ما لن يُترك بلا أي رد. ستبقى الأسباب التي تقف وراء قراره للسير في هذا الطريق مبرِّراً لنشوء التكهنات بلا شك، وذلك بحكم علاقته المعقدة مع الدولة الإيرانية. ولكن ثمة شيئا واضحا بالتأكيد، وهو أن طهران بدأت تتراجح بعد خطوة الصدر الأخيرة.

وبالتأكيد سيكون مسار فصل طهران عن الجماعات الشيعية العراقية صعباً جداً بحكم طبيعة العلاقات التي تربط كلا الطرفين، والتي تعود لعقود من الزمان. وفي حال بدأت عملية الانحلال، فإنها ستأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تؤدي لنتائج حقيقية. ومع ذلك، يبقى مصدر القلق من طهران متعلقاً بما إذا كان من الممكن أن يدير الصدر ظهره، كي تتمكن من ذلك الجماعات الشيعية الأخرى في بغداد أيضاً.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018