كردستان وكاتالونيا: الوصول إلى نقطة اللاعودة؟

كردستان وكاتالونيا: الوصول إلى نقطة اللاعودة؟
(تويتر)

(ترجمة: عرب48)

تخطط الحكومة المحلية في كردستان العراق يوم الإثنين، للمضي قُدُمًا باستفتاء حول الاستقلال. وبعد ذلك بستة أيام، تنوي الحكومة المحلية في كتالونيا عقد استفتائها للانفصال عن إسبانيا.

في كلتا الحالتين، ترجو أصوات كثيرة، ألا تحدث عمليات التصويت هذه إطلاقًا. ففي شهر آذار/ مارس، أخبرني رئيس الحكومة المحلية في كاتالونيا، كارلس بوتدمون، أن الكاتالونيين يبحثون عن نفس الفرصة التي يبحث عنها الأسكتلنديون في تحديد مستقبلهم. وفي نيسان/ حزيران، قالت بيان سامي عبد الرحمن، ممثلة أكراد العراق في واشنطن، أن استفتاء بلادها ليس أمرًا إلزاميًا، فهو أمر يتعلق بالفوز بـ "بتسوية مع الحكومة في العراق"، وليس استقلالًا تامًا.

ولكن مع اقتراب عملية التصويت، تزداد حدة التوترات بشكل كبير.

حيث داهمت السلطات الإسبانية مكاتب الحكومة الكتالونية المحلية يوم الأربعاء، واستولت على ملايين من أوراق التصويت واعتقلت 14 مسؤولًا كاتالونيًا كبيرًا. دفعت هذه الخطوة بمجموعة من الاحتجاجات في عدة مدن، بما فيها برشلونة، العاصمة الكاتالونية المجاورة للشاطئ، حيث قام بعض المواطنين بطرق قدورهم وطناجرهم في حالة من الغضب مع حلول الليل. وحتى نادي برشلونة لكرة القدم، المؤسسة الدولية وموضع الفخر الثقافي للكاتالونيين، خاض في هذه الأزمة، وأصدر بيانًا يدافع فيه عن حق الكاتالونيين في تحديد مصيرهم.

وبينما تصر القيادة المحلية على مضي الاستفتاء – وأن التصويت بـ "نعم" سيُتبَعُ مباشرةً بإعلان الاستقلال، ترى الحكومة الإسبانية أن الاستفتاء أمر غير شرعي، وما يستتبعه ذلك من الخطوات التي ستتخذها النخب السياسية الكاتالونية الانفصالية لشق طريقها نحو التصويت. في بداية هذا الشهر، عندما وافق البرلمان الكاتالوتي على قانون يأذن بالاستفتاء، استنكرت مدريد التصويت باعتباره "فظاعة دستورية وديمقراطية"، وتم تعليقه فيما بعد من قِبَل المحكمة الدستورية.

وحذَّر رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي، نظراءه الكاتالونيين يوم الأربعاء قائلًا: "إذا كنتم مهتمين براحة معظم الكاتالونيين، فعليكم أن تتوقفوا عن هذا التصعيد في التطرف والعصيان".

كان المسؤولون الكاتالونيون جريئون. حيث قال بوتدمون في تصريح له: "قامت إسبانيا بحكم الأمر الواقع بتعليق الحكومة الذاتية الكاتالونية وطبَّقت دولة الأمر الواقع تحت قانون الطوارئ".

وقال وزير الشؤون الخارجية الكاتالوني، راؤول روميفا، للصحفيين في مدريد: "ليست القضية الحرجة في كاتالونيا اليوم هي الاستقلال من عدمه"، وأضاف: "ولكنها الديمقراطية في إسبانيا والاتحاد الأوروبي". ولكن أبعد المسؤولون في الاتحاد الأوروبي أنفسهم عن المطاالبات الكاتالونية وقالوا إنّ وجود دولة كاتالونية مستقلة لن يكون أمرًا مضمونًا في الجبهة القارِّية.

وبالتأكيد، ليست كاتالونيا وحدها التي ستخسر الكثير. حيث تحتوي المنطقة 16% من سكان إسبانيا، وذلك بحسب جداول موقع بوليتيكو، وخُمس مخرجاتها الاقتصادية، ورُبع الصادرات الإسبانية، وأكثر من نصف استثماراتها الجديدة في عام 2016. إن إمكانية التخلي عن القوة الاقتصادية الكاتالونية ستكون مخيفة في مدريد كما هو الحال مع الاعتقالات في برشلونة.

يعد هذا المأزق المتعاظم نتيجة أشهر من المناورات السياسية والتصعيد في المواقف. فنقاد الانفصاليين الكاتالونيين يقولون إنّهم سحقوا خصومهم هناك ليعبدوا الطريق أمام مواجهة ساخنة مع مدريد. بينما يقول نقاد مدريد أن الحكومة الإسبانية هي التي أدت للوصول لهذه الأوضاع عن طريق رفض الانخراط التام مع الإنفصاليين، والذين جاءوا إلى السلطة في الانتخابات المحلية، وحصلوا على تفويض شعبي وكانوا يطالبون مدريد منذ سنوات لأخذ التطلعات القومية المحلية بعين الاعتبار. وينعت كلا الطرفين بعضهما البعض بـ"معاداة الديمقراطية".

كما تزداد التوترات أيضًا أمام الاستفتاء المخطط عقده يوم الإثنين في كردستان العراق. إذ تتعزز عزلة الحكومة الكردستانية المحلية، والتي تحظى بـ"دلال" كبير في الغرب، خلال محاولاتها للاستقلال.

فكما هو الحال مع نظيرتها في مدريد، أمرت المحكمة العليا العراقية يوم الإثنين بتعليق الاستفتاء بعد أن نص البرلمان العراقي على كونه أمرًا مخالفًا للدستور. وهذا أمر متوقع، ولكن لم يحظى الأكراد العراقيين بالكثير من التعاطف من المناطق المجاورة لهم. فقد شددت كل من تركيا وإيران، واللتين تمتلكان أقليات كردية كبيرة الحجم، ضد الاستفتاء خلال الأسابيع الأخيرة. بينما حث المسؤولون الأمريكيون الحكومة الكردية المحلية على إعادة النظر في الأمر، قائلين إنّ الآن ليس هو الوقت الأنسب للتفكير بالاستقلال بينما لم تنتهي الحرب على الدولة الإسلامية بعد. وقدم البيت الأبيض تصريحًا خلال الأسبوع الماضي يصف الاستفتاء بـ "الاستفزازي والمُزعزع للاستقرار".

بينما شدد المسؤولون الأكراد على استمرارية رغبتهم بأن لا يتم النظر للتصويت كشيء مثير للاستفزاز، بل كتأكيد رمزي على إرادة غالبية أكراد العراق. حيث قال نائب رئيس الوزراء السابق في العراق ورئيس الوفد الكردي للتفاوض مع بغداد، روش شاويس، "لن نبدأ أي صدام أو قتال"، وأضاف: "فنحن ملتزمون بطرح حل حواري وسلمي".

ولكن تشير الوقائع على الأرض إلى إمكانية نشوب الصراعات. فقد دخلت محافظة كركوك المتنازع عليها في موجات العنف، وهي محافظة غنية بالنفط وتحتوي على مزيج من الأكراد والعرب والتركمان وهي من المحافظات التي تضمنتها الحكومة الكردية المحلية ضمن الاستفتاء. حيث أمرت الحكومة في بغداد بطرد الحكومة الكردية في كركوك، وثمة مخاوف من الصدامات المستقبلية المحتملة بين الجيش العراقي ومقاتلي "البيشمركة" الأكراد.

أشار الأكاديميان مرجان كابلان ورمزي مرديني إلى أن "هذه الممارسات قد حفَّزت النزعة القومية الكردية. ولكنها أدت في المقابل إلى رفع حالة القلق لدى الزعماء العرب في بغداد". وأضافوا: "ومع تعاظم النظر نحو مخاوف التصويت، يتشبث كلا الطرفين بموقف لا يمكن التنازل عنه، حيث تتجه التحولات نحو سباق خطير، مع عدم وضوح الأدوار ومن سينحرف أولًا".

اقرأ/ي أيضًا | الأمن الدولي يعارض بالإجماع الاستفتاء على استقلال كردستان

قد تبعد كاتالونيا آلاف الأميال عن كركوك – وهي متورطة بسياق سياسي مختلف جدًا – ولكن يبدو أن التحولات ذاتها تعمل هناك أيضًا. وفي حين قد يحتفل الكثير في كلا المنطقتين بحقهم بالتصويت، فلا زال الوقت مبكرًا على التأكيد بأن النتيجة ستكون سعيدة بالنسبة لهم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018