المصلحة والأسطورة: قصص الحروب الروسية

المصلحة والأسطورة: قصص الحروب الروسية

شهدت السنوات الماضية الكثير من الهلع حول التأثير الروسي على السياسات الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة. فابتداءً من اختراق قاعدة بيانات اللجنة الوطنية الديمقراطية الأميركية خلال الحملة الانتخابية، وحتى الروابط التي تجمع المسؤولين الروس بفريق ترامب، وصل الديمقراطيون إلى قناعة بأن فوز ترامب كان نتيجةً للمكائد الروسية، وذلك بالرغم من عدم وجود دلائل حاسمة على التأثير الروسي في الانتخابات. وبدلًا من مراجعة برامجهم للتعبير عن طموحات الطبقات العاملة اليوم، وجَّه الديمقراطيون أصابعهم على العدو المألوف، وبدلًا من الاستماع لقواعدهم، وضعوا كل ثقتهم بالدوائر الاستخباراتية.

يعتبر لوم روسيا بضاعة رائجة، ويعود ذلك جزئيًا إلى التكرار المستمر للسردية الأميركية عن روسيا (أو عن الاتحاد السوفيتي). فلا زال الخطاب عن الحرب الباردة حيًا في ذاكرة الطبقة السياسية المعمرة، وقد أثبت جيل جديد من الخبراء حرصهم على إحيائها.

إرث الحرب الباردة

عادة ما يشار إلى روسيا ما بعد الحرب، حيث الأقلية الرأسمالية الحاكمة، بـ "السوفييت" أو "الشيوعيين". ففي الشتاء الماضي، وخلال الحملة الانتخابية، غرَّدت إحدى مقدمات البرامج على قناة MSNBC جوي آن ريد: "إنه لأمر صادم بالنسبة لمعظم الأميركيين أن يروا مرشحًا رئاسيًا أميركيًا يروج على العلن إلى روسيا الشيوعية المستبدة". بل يدَّعي الآخرون أنهم شهدوا حولهم نزعات مناصرة روسية. في أيار/ مايو، قال نائب رئيس الاستخبارات القومية جيمس كلابر، لقناة NBC، إن الروس "ينزعون عادة وبطبيعتهم للتحالف والاختراق والاستغلال وما إلى ذلك".

الفكرة أن الروس يختلفون تمامًا عن السياق الغربي الذي نشأ عبر عدة قرون في التاريخ الأوروبي، وحققوا مجدهم عندما صنف النازيون السلافيون (الصقالبة) كأعراق دنيا. من ذكرياته، كتب الجنرال الألماني ف. و. ميلينثين:

أحد ملامح الجندي الروسي هو ازرداءه التام للحياة أو الموت، وهو أمر غير مفهوم بالنسبة للغربي. فلا يتأثر الروسي إطلاقًا عندما يمشي فوق جثث المئات من رفاقه، وهي ذات اللامبالاة التي تظهر عندما يدفنهم، ولا يوجد أي اختلاف عندما يوجِّه موته الخاص. فبالنسبة لهم لا تحمل الحياة قيمة نوعية، فهي شيء يسهل التخلي عنه.

وهذا بالتأكيد بعيد عن ما يروه الروس في أنفسهم. صدر كتابات جديدان – كتاب غريغوري كارليتون بعنوان "روسيا: قصة الحرب"، وكتاب جيرارد تول بعنوان "القرب من الخارج: بوتين والغرب والتنافس على أوكرانيا والقوقاز" – يبحثان في الصورة الذاتية الروسية بالتفصيل، ويقدمان السياقات والاختلافات التي نحتاجها في هذه الأجواء الهستيرية المليئة بالنظريات المؤامراتية.

روسيا وملاحم الحرب والفداء

بالعودة إلى ثمانية قرون مضت، يتتبع كارليتون القصة الملحمية للحرب والفداء، داخل روسيا وجدت نفسها أمام خطر الغزو البربري والإبادة وتمكنت مع ذلك من إنقاذ نفسها وجاراتها. بينما يُظهر تول كيف تتشابه السرديات الروسية الوطنية مع السرديات الأميركية: من ناحية عدوانيتها، وكيف ترى كلا البلدين نفسها كالمخلص المنتظر للحضارة الغربية.

خلال العشرين سنة الماضية، تصادمت السرديتان الروسية والأميركية بشكل مستمر. وكخبير في الجغرافية السياسية، يسعى تول أن يعيد النقاش حول تعامل روسيا مع جيرانها إلى موقعه المادي. فكما انتهكت الولايات المتحدة توجه "القرب من الخارج" الروسي – إحاطة البلاد التي تشمل مجال تأثير روسيا التقليدي – فإنها أشعلت مخاوف روسية دفينة من فكرة الغزو. يقوم كلا الكتابان بتوضيح الأسباب التي جعلت روسيا غاضبةً من السياسات الأميركية ضد أوكرانيا وجورجيا، حيث تعود هذه الأسباب إلى ما قبل صعود فلاديمير بوتين.

بكثافة سكانية بسيطة ممتدة في أرجاء أوراسيا، ومع القليل من الحدود الدفاعية الطبيعية، كانت روسيا موضعًا لموجات متكررة من الغزو الخارجي. ففي القرن الثالث عشر، غزا المغوليون الإمارات السلافية الشرقية المتناحرة، ولطخت الأرض بالدماء وأخضعت المسيحيين الأرثوذوكس السلافيين لأكثر من 200 سنة. لم يقدم الجيران الأوروبيين لإخوانهم المسيحيين أي مساعدة، واستمرت القصة الروسية، وبقيت الخيانة، فهاجم الفرسان السويديون والتيوتونيون المحافظة السلافية الشمالية الغربية، نوفغورود، والتي كانت من بين المناطق القليلة التي نجت من المغول.

ولكن قدمت هذه الخيانة لروسيا أول أبطالها العسكريين. ففي عام 1240، هزم الأمير ألكساندر نيفسكي السويديين، وفي عام 1242، دفع الفرسان التيتونيين بعيدًا نحو بحيرة بيبوس المتجمدة، وهي معركة خُلِّدت في فيلم سيرجي آينشتاين الكلاسيكي "ألكساندر نيفسكي". وفي عام 1380، هزم البطل الآخر في البانثيون الروسي، الأمير ديميتري دونسكوي، جيش المغول في موقعة كوليكوفو جنوبي موسكو. استمر ثقل المغول جاثمًا على الروس حتى القرن الذي يليه، ولكن لا يوجد للأساطير الروسية أهمية كبيرة بالنسبة للنتائج الفورية. فمهما كان عدد الهزائم إلا أنه يمكن إعادة كتابتها كانتصارات طالما تحقق النصر في النهاية.

في عام 1552، غزا إيفان وتيريبل مدينة قازان، وهي عاصمة تابعة لدولة المغول الإسلامية. يصور تاريخ قازان، وهو ملحمة نثرية كتبت بعد عقد من الحصار، جيش الله وهو يضرب المدينة وسكانها بشراسة إلى درجة جريان النهر بالدماء والجثث لسبعة أيام متواصلة. وكما يشير كارليتون، تعبر هذه القصة، كما هو الحال مع العديد من قصص التي استغلها الجيش الروسي، كيف تحول الاعتداء الروسي إلى تمثيل للعقوبة الإلهية للدفاع عن النفس. كانت قازان – كما تعبر السردية – آخر معقل للكفار الذين كانوا يضطهدون المسيحيين الروس منذ قرون. مثَّل حصار قازان درعًا حاميًا لكل من الإيمان الأرثوذوكسي والأرض الروسية. أفضل دفاع هو الهجوم الجيد.

وبعد 260 سنة، هزمت روسيا جيش نابليون الغازي، التنويري عدو المسيح، وأثبتت أن روسيا هي الوحيدة القادرة على إنقاذ أوروبا من الظلام. وفي عام 1945، حقق الاتحاد السوفيتي أعظم انتصار، وهو تحرير أوروبا من الفاشية عبر تضحية بالذات غير مسبوقة. واعتبرت التكلفة المهولة للحرب – ومعظمها كان نتيجة لعجز أو سادية القيادة السوفيتية. من أحب الوصايا الدينية بالنسبة لروسيا تلك المذكورة في إنجيل يوحنا 15:13، عندما قال المسيح "ما من حب أفضل من أن يضحي الإنسان بنفسه من أجل أصدقائه".

في الحرب العالمية الأولى، ورد هذا المقطع في كتاب صلاة يعود لجنود روسيين. وفي عام 1941، وبعد هجمة ألمانيا مفاجئة على الجبهة السوفيتية الغربية، تلت الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية الوصية وكأنها تعويذة. وفي عام 2004، وضعها البطريق أليكسي الثاني كشعار للقوات المسلحة الروسية. لا تقع قصة الحروب الروسية تحت الخوف من الغزو، بل في الثقة بقوم المقاومة، والاعتماد على الذات، والتضحية الذاتية، بما فيها التضحية من أجل الأرض والصديق".

لم تعر أوروبا أي امتنان إلى سلوكات روسيا الغيرية. ففي الخامس من أيار/ مايو من كل عام، يوم النصر، يشتكي الروس من رفض الغرب بالاعتراف بنصر روسيا بالحرب العالمية الثانية. بينما يهاجمه الأميركان المنتصرون ويصفونهم بالعدوانيين، الذين جاءوا من بلاد لم تضحي أراضيها بقطرة من الدماغ. وهذا معلم آخر مهم في الفكرة القومية الروسية: فروسيا هي دائمًا من ينقذ العالم ولا تحصل على مقابل لذلك. وبدلًا من ذلك، تنتظر هي الخيانة القادمة.

وضع بوتين اعتمادًا قويًا على الحرب باعتبارها تمثل جزءًا مركزيًا من الهوية الروسية التاريخية والمعاصرة، كي تُجاري الاحتفالات الوطنية بالنصر في الحرب العالمية الثانية والمفاخر العسكرية الأخرى. لا زالت دروس أسطورة الحرب الروسية تستخدم في التوجيهات العملية. ففي عام 2003، نشر وزارة الدفاع الروسية عملًا حول التاريخ العسكري، فكانت تعاليم نيفسكي تأمر بالاحتراس من الغرب، وأكد دونسكوي على أهمية الوحدة الوطنية في وجه الغزاة، بينما يعبر حصار إيفان لقازان كيف أن أفضل أسلوب لمواجهة التهديد الأجنبي هو الحرب.

شكَّلت الاستعارات التاريخية الروسية جانبًا جوهريًا من خطاب روسيا حول إلحاق القرم عام 2014 ودعم الإنفصاليين في شرقي أوكرانيا. فتفترض أن القرم هي المكان الذي تحول فيه أمير كيفان، فلاديمير، إلى المسيحية، وبداية انتشار المسيحية في هولندا، وباعتبارها من أسلاف العصور الوسطى للدولة الروسية. وكمنطقة سيطر عليها المغول واستعادتها كاترين العظيمة، كانت القرم موقعًا لمعارك روسية خطيرة خلال العديد من الحروب. وفي عام 2014، روجت الحكومة الروسية والإعلام الرسمي فكرة أن الأوكرانيين "الفاشيين" يخططون لحملة تطهيرية ضد المتحدثين بالروسية في أوكرانيا، والذين كانوا في أمس الحاجة للحماية. وكما هو الحال مع حصار قازان، تم تصوير السلوك الاعتدائي كدفاع عن المواطنين الروس.

الحقبة المعاصرة: عصر بوتين

يتبنى تول في كتابه إطارًا زمنيًا أقصر من الكتاب الآخر، حيث يركز في المقابل على السنوات الـ 17 من حكم بوتين. ولكن مثل كارليتون، يؤكد تول على الجوانب العاطفية والسردية في سياسات روسيا اتجاه جيرانها وخصومها، ويبين كيف أن فكرة الدولة عن نفسها، وجهودها لإظهار هذه الفكرة في العالم الأوسع، يمكن أن تشكل سياستها الخارجية، حتى عندما تتصارع هذه الفكرة الوطنية مع المصالح الاستراتيجية الأوضح. يشير تول إلى السردية الأميركية المتعلقة بدورها في العالم، مشيرًا إلى أن القوتين العظمتين تتبنيان قصتان متشابهتان عن نفسهما، وهو ما يمكن أن يدركوه لو توقفوا قليلًا وأنصتوا إلى أنفسهم.

فمع الحماس البروتستانتي، سعى جورج بوش مع نهاية فترة حكمه الثانية إلى توسيع حلف الناتو شرقًا وجنوبًا نحو الاتحاد السوفيتي السابق. قوبلت آماله بمقاومة مفهومة، خاصة من كوندريسا زايز وربيرت غيتس وأنجيلا ميركل. وأوضحت روسيا منذ مدة طويلة أن عرض عضوية لجورجيا وأوكرانيا في حلف الناتو سيعني تجاوزًا لـ"الخطوط الحمراء"، ولكن هذا لم يوقف حلف الناتو عن إعلان موافقته في 3 نيسان/ أبريل 2008 على أن الدولتان "ستصبحان داخل حلف الناتو".

وكان إعلان بوخارس حدثًا مغضبًا لروسيا، باعتبارها دولة تمتلك خوفًا كبيرًا من أن يتم حصارها وغزوها واحتلالها من قِبَل أعدائها المختلفين، ومن بينهم ألمانيا والسويد وفرنسا وتركيا. ومن بعيد، كانت الولايات المتحدة تواجه حدود روسيا الضعيفة، وتزحف للبلاد التي كانت مشتبكةً جدًا مع الاقتصاد والثقافة والتاريخ الروسي.

المصالح الأميركية المستترة

ما هي مكاسب أمريكا من كل ذلك؟ فجورجيا وأوكرانيا تقعان خارج المصالح الإستراتيجية الأميركية. يحاجج تول أن الانخراط الأميركي في هذه الأزمات لا يمكن أن يفسَّر إلا عبر الفكرة الأميركية المتعلقة بمهمة أميركا في العالم وعن شبكة العلاقات الشخصية الأوسع. ففي حالة جورجيا تحديدًا، يقدم تفسيرًا مقنعًا حول كيفية تصاعد الأزمة هناك. مع قيام وزير خارجية الاتحاد السوفيتي، في أواخر الثمانينات، إدوارد شيفردنادزه، بتطوير العلاقات مع وزير الخارجية جيمس بيكر، والمستشار الألماني هيلموت خول، الذي شعر أن شيفردنادزه قد ساعد في تسهيل الوصول إلى نهاية سلمية للحرب الباردة وإعادة توحيد ألمانيا.

وعندما أصبح شيفردنادزه المتحدث البرلماني لجورجيا في عام 1992، ثم رئيسها في عام 1995، كانت أميركا وألمانيا سعيدتان بتقديم المساعدات المالية والدعم السياسي لدولته الوليدة. وخلال ذلك، اختاروا أن يتجاهلوا العنف القعمي للانفصاليين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، حيث اندلعت الحروب الأهلية في بداية التسعينات.

وأمام الخسارة المحتملة لكلا المنطقتين ودخولها ضمن مساحة التأثير الروسي، طور شيفردنادزه ما دعاه تول "إعلانات جورجيا التسويقية للمجتمع الدولي"، وموجَّهة تحديدًا للولايات المتحدة. لم يكن من الصعب إدراك مفاتيح الولايات المتحدة. أظهرت جورجيا نفسها، وهي البلاد الصغيرة الجميلة ذات الأطعمة اللذيذة والثقافة المسيحية الأثرية، مثل "داوود" عشاق الحرية بالنسبة لـ"جالوت" روسيا. قَرَن شيفردنادزه هذه المناشدة مع الجهود النشيطة للتأكيد على أهمية جورجيا الإستراتيجية بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة، باعتبارها بوابة لنفط وسط آسيا والغاز الطبيعي. ونجح هذا الإعلان، فبحلول عام 2011، كانت جورجيا ثالث أكبر مستفيد من المساعدات الأميركية، وهو ما ضاع معظمه بسبب الفساد.

زاد الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق من الأهمية الإستراتيجية لجورجيا، وأعطاها وزنًا سياسيًا جديدًا. قدمت أميركا لجورجيا تدريبات عسكرية وأسلحة لمساعدتها على فرض سيطرتها على الأراضي المتنازع عليها، بما فيها منطقة كانت تتمنى روسيا أن تضربها كجزء من حربها على الشيشان. وبالنسبة لشيفردنادزه، فإن التركيز على الحرب قدَّم تشتيتًا عن فشله في إصلاح جورجيا وتحويلها إلى ليبرالية ديمقراطية. وسجل جورجيا في "تحالف الراغبين" في العراق، وحصل على المزيد من رضا أميركا.

تم انتخاب رئيس جورجيا الجديد ميخائيل ساكاشفيلي مع بداية "ثورة الزهور" في البلاد عام 2003. أخذ ساكاشفيلي تعليمه من جامعة جورج واشنطن وكولومبيا، وتلقى دعمه من المعهد الجمهوري الدولي، وهي مؤسسة شبه حكومية تتبنى هدف "نشر الحرية في أرجاء العالم". خلال مناسبة للمعهد الجمهوري الدولي في عام 1995، كسب ساكاشفيلي احترام رئيس المجموعة جون ماكين. كان السياسيون الأميركيون أمثال ماكين يحبون مشهد ثورة الزهور، والتي يتزعمها شباب نشيط تخرجوا من برامج التبادل الأميركية. كان ساكاشفيلي، صاحب اللغة الإنجليزية الطليقة، "رجلنا"، مطيحًا بالمسؤولين السوفييت المعمرين.

كانت القدرة على التقرب من القيم الأميركية ضمن أقوى إمكانيات جورجيا. فخلال اجتماعه مع جورج بوش، فاز ساكاشفيلي بقلب الرئيس الأميركي، بعدما اقتبس آخر شعارات للرئيس. وقال للصحفيين: "إني متأثر جدًا بهذا الزعيم، ومبهر برؤيته وشجاعته". لذا عندما نفذت خزينة جورجيا، قامت الحكومة الأميركية بدفع المعاشات والرواتب الحكومية.

بالرغم من الصورة الإصلاحية لساكاشفيلي، استكمل الرئيس الجديد نشاط شيفردنادزه لكسب دعم أميركا عبر خطاب حماسي حول "القيم الديمقراطية" بينما كان يسير في سياسات محلية لم تكن منسجمة مع مبادئ الديمقراطية. وظف ساكاشفيلي سلطته التنفيذية المتوسعة لتطبيق برنامج قوي مكافح للفساد، ولكنه تصدر في العديد من الاعتداءات ضد حقوق الإنسان، بما فيها الحملة سيئة السمعة التي كان يتم فيها اقتلاع أي مواطن من الشارع، ليُجرى عليه فحص لتعاطي المخدرات (ولم يكن دقيقًا أيضًا). واستمر، في نفس الوقت، بالعمل لإثبات ولاءه للولايات المتحدة، فقدم الدعم العسكري لعمليات الناتو في أفغانستان، ووظف المزيد من القوات الجورجية في العراق. صنف بوش جورجيا كقصة ناجحة لـ"أجند الحرية" التي كان يتبناها، ولكنه حذر ساكاشفيلي بشكل شخصي من أن الولايات المتحدة لن تنقذ جورجيا في حال دخلت بمعركة مع روسيا على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

شن ساكاشفيلي حربًا ضد روسيا على منطقة أوسيتيا الجنوبية في عام 2008. وبخطوة مباغتة، حشدت روسيا قواتها وانتشرت على أرض المعركة. طلبت جورجيا الدعم من الولايات المتحدة. وأخبر ساكاشفيلي واشنطن أن "الأمر ليس متعلقًا بجورجيا فقط. إنه يدور حول القيم الإنسانية الأساسية، حول القيم الأميركية التي لطالما آمنا بها". وحذَّر سياسي روسي قائلًا: "إذا لم يتمكن العالم من إيقاف روسيا هنا، فستتمكن الدبابات والمظليين الروس من الوصول إلى جميع العواصم الأوروبية".

ولكن المصالح الإستراتيجية العميقة في المنطقة تجاوزت رغبة أميركا بالخوض في صراع بعيد آخر على مصالح جيوسياسية غير واضحة. وفي النهاية، لم تكن تنوي الولايات المتحدة قتال روسيا من أجل أوسيتيا الجنوبية، بغض النظر عن المقابل الهش الذي سيقدمه ساكاشفيلي.

وبعدما خسر حزبه للأصوات في عام 2012، حوَّل ساكاشفيلي انتباهه نحو أوكرانيا، وهي أحد أبرز مناطق الصراع على الأراضي خارج روسيا. في عام 2014، وبعد احتجاجات حاشدة في كييف، توِّجت بقتال على رئيس أوكرانيا آنذاك فيكتور يانوكوفيتش، نشبت الحرب بين زعماء البلاد الجديدة والميليشيات الإنفصالية. ومع الدعم الخفي الذي قدمته روسيا للانفصاليين، ساعد ساكاشفيلي رئيس أوكرانيا الجديد بيترو بوروشينكو، ورئيس الوزراء، أرسيني ياتسينيوك، للضغط للحصول على المساعدات الأميركية. "إنها حرب بين الماضي والمستقبل"، هكذا قال يانوكوفيتش، مثل ما قال ساكاشفيلي قبله، "بين الظلام والنور، بين الحرية والدكتاتورية". تشكل الصراع وكأنه جبهة أساسية لصراع أكبر بين الشرق والغرب، المدنيين الأوروبيين وجحافل المغول. وتقول المحاججة أن الصراع الأوكراني كان مجرد بداية للخطة الروسية لاستعادة كل دولة كانت ضمن التكتل السوفيتي السابق.

ولكن كانت الخطة أقل نجاحًا اليوم. ففي عام 2008، كان يحاول ماكين توظيف الحرب في جورجيا ضد الديمقراطيين خلال حملته الانتخابية، واصفًا ضعف استجابة باراك أوباما للأزمة كأمر "يسير خلافًا لحلفائنا الديمقراطيين ويعود لصالح موسكو". قاطع أوباما عطلته ليقرأ بيانًا يدين فيه الاعتداءات الروسية، ولم يكن متساهلًا مع روسيا. ولكن بحلول عام 2014، اعترف أوباما أن أوكرانيا مثل جورجيا كانت مهمة جدًا بالنسبة للمصالح القومية الروسية ولكنها ليست مهمة بالنسبة للولايات المتحدة. لم تجري المهمات الخلاصية الأميركية في العراق وأفغانستان بطريقة جيدة، وكان أوباما صغيرًا جدًا على أن يرعى منطق الحرب الباردة. أشار أوباما إلى أن الاعتداءات الروسية على أوكرانيا لم تكن علامةً على القوة، بل دلالة على ضعفها، وفشلًا في قوتها الناعمة. كان هناك صخب من كلا الحزبين يدعوان لتسليح أوكرانيا وتصعيد الصراع، ولكن قاوم أوباما هذه الدعاوي.

ثم جاء دونالد ترامب، والذي تبني شعار أميركا أولًا وانتقد التدخلات الأميركية وحلف الناتو. ولا يعد تراجعه السريع عن خطابه الانعزالي مثالًا آخر على مزاجيته وفراغه فحسب، بل يظهر تعمق التدخلات العسكرية في النظام السياسي والاقتصادي الأميركي، وفي تصور أميركا عن دورها في العالم. فكثير من أولئك الذين عبروا عن غضبهم من خطابات ترامب ومعاداته للهجرة لم يكونوا منزعجين عندما أطلق صاروخ تومهاوك على سورية وألقى "أم القنابل" في أفغانستان. وقد فرح الكثير من فكرة قيام الولايات المتحدة بوضع حد للدعم الروسي البربري للأسد.

إن عمل مقارنة بين سرديات روسيا وأميركا عن الحرب تبين كيف يمكن للدول أن تضيع بسهولة داخل أساطيرها القومية. فنحن نُدين النفاق الذي تقدمه صورة روسيا الذاتية عن نفسها كمحاربة إنسانية وذلك بالرغم من تظاهرنا بأن ضرب العراق وليبيا وسورية كان من أجل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. ونحن نسخر من تخوفات روسيا من الاعتداءات الأجنبية حتى عندما نصاب بالهلع من إمكانية تدخل روسيا بالانتخابات الرئاسية الأميركية. ونقيض أيدينا بحجم الجيش الروسي، وننسى حجم جهازنا العسكري. إن فهم الصورة الذاتية لروسيا ليس هو الطريقة الوحيدة لفهم سلوك روسيا، بل يمكن أن يفضح أكبر الأوهام التي تصنعها الولايات المتحدة عن نفسها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018