كيف يصبح الخيال حقيقة في مواقع التواصل الاجتماعي

كيف يصبح الخيال حقيقة في مواقع التواصل الاجتماعي
منفذ مجزرة لاس فيغاس، ستيفن بادوك (أ ف ب)

(ترجمة: عرب 48)

بعد ساعات من مجزرة لاس فيغاس، امتلأت الصفحة الرئيسية لترافيس ماكيني على موقع "فيسبوك" بنظريات المؤامرة: فالشرطة كانت تكذب، وكان هناك أكثر من شخص قد أطلق النار من الفندق، وكان العمدة يغطي لمالكي الكازينو كي يحافظ على أعماله.

انتشرت الشائعات السياسية بعد ذلك، حيث قال بعضهم أن القاتل كان معادياً لترامب، وأنه ناشط في "معاداة الفاشية"، بينما ادعى آخرون شيئاً معاكساً، معتبرينه إرهابياً يمينياً. انتشرت كلا السرديتين غير الموثقتين في مجرى الأخبار والصور.

قال ماكيني، ٥٢ عاماً، من مقاطعة سوفولك أن "هذه الأشياء جاءتني من كل مكان في شبكتي التي فيها بين ٣٠٠ و٤٠٠ صديق ومتابِع، وبعضهم كان من دوائره القريبة.

ولكنه كان يعلم أن هناك قاتلٌ واحد، حيث بقي يسمع لمرصد الشرطة في لاس فيغاس عبر برنامج هاتفي. وقال: "ذهبت إلى الإنترنت وحاولت مجابهة هذا الكلام الفارغ".

في الأسابيع القادمة، سيقف مدراء تنفيذيون من "فيسبوك" و"تيوتر" أمام لجان الكونغريس للإجابة عن أسئلة تتعلق باستخدام منصاتهم من قِبَل القراصنة الروس وغيرهم لنشر معلومات تضليلية وتشويه الانتخابات. فخلال حملة ٢٠١٦ الانتخابية، باع موقع الفيسبوك إعلانات بأكثر من ١٠٠٠٠٠ دولار لشركات مرتبطة بالكرملين، كما باع موقع غوغل بأكثر من ٤٥٠٠ دولار لحسابات يُحتمل ارتباطها بالحكومة الروسية.

وضع الوكلاء المرتبطون بالحكومة الروسية عدداً هائلاً من الحسابات الوهمية والمواقع واشتروا مجموعة من الإعلانات على موقعي "غوغل" و"فيسبوك"، ونشروا إدعاءات مشكوك فيها يبدو أنها كانت تهدف لخلق حالة من الانقسام بين الأطياف السياسية، لقد كانت "قرصنة ثقافية" كما عبر أحدُ الخبراء.

ولكن الجوانب النفسية التي توجه منصات مواقع التواصل الاجتماعي – أي الديناميكيات التي تجعلها مصدراً قوياً للتضليل بالدرجة الأولى – مهمة جداً كما يقول الخبراء، خاصة لمن يظن أنه محصن أمام الانخداع وتصديق الأكاذيب. بالرغم من كافة الشكوك حول دوافع وأخلاقيات شركات مواقع التواصل الاجتماعي، فإن تفاعلنا الجماعي عبر التكنولوجيا، والتحيزات النفسية اللاواعية عادةً، هي من يجعلنا عرضة للتفاعل مع الأكاذيب، وقد تم تجاهل هذه الحقيقة كثيراً.

يمثل الشك في "أخبار" الإنترنت مصفاةً قويةً في كثير من الأحيان، ولكن تحيزاتنا الغرزية تمكننا من تمريرها، وذلك بحسب ما وجده الباحثون، خاصة عندما تتمثل بـ"رموز" تتلائم مع واقع الخوارزميات.

في وقت ينتشر فيه التضليل السياسي، ويقع عليه الطلب، "تصبح مواقع مثل فيسبوك وغوغل وتويتر آليات توزيعية، منصات تنشر المعلومات الكاذبة وتساعد في إيجاد جمهورٍ يتقبلها"، وذلك بحسب ما يقوله بريندان نيان، الأستاذ في قسم الحكومة في كلية دارتموث.

قالت كولين سيفرت، أستاذة علم النفس في جامعة ميتشيغان، أنه في البداية، "يمتلك الناس تصوراً خيِّراً عن الفيسبوك، باعتباره مكاناً لحفظ الأشياء على سبيل المثال، ولكنه يمتلك دوافعه الخاصة في الواقع. فما يقوم به فعلياً هو إبقاء عينيك ملتصقتين بالموقع، أمام الأخبار والمعلومات المختارة التي ستبقيك متابعاً لها".

هذا النوع من الانتقاء يعمل كحاضن خصب للأكاذيب عن طريق دمج استعدادين اجتماعيين ما قبل رقميين هما: تحول الخرافة إلى "رمز"، أو فكرة رائجة؛ والتحيزات الفردية، أي الافتراضات التلقائية اللاواعية التي تشكل المعتقدات.

يقول الخبراء أن العملية الأولى تنشأ بفعل حركة البيانات، وتتحول إلى خورازميات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فانتشار الشائعات الغريبة والمفضوحة لا يعتمد بشكل كلي على التحيز المسبق (بالرغم من كونها أصلاً لها).

حيث يقول د. نيان أن الفكرة الرائجة القائلة بأن هذه الشائعات تكتسب قوتها بسبب أن معظم الناس يعيشون حياتهم الرقمية في بيئات محصورة ومشابهة لهم أو داخل "قواقع فكرية" هي فكرة مبالغ بها.

في ورقة ستُنشَر قريباً، راجع د. نايان وزملاؤه دراسة متصلة لذلك، تتضمن تحليلاً للمواقع الإخبارية وبيانات من شركة نيلسين، واكتشفوا عكس ذلك. فمعظم الناس يسيرون مع ما هو رائج لا بناءً على ما يفترضونه، فهم ليسوا حبيسوا فقاعات تتضمن الإدنفاعات المقبولة بالنسبة لهم.

كما تشير الدراسة أنه لا يُشترط أن يكون الخبر كاذباً كي ينتشر بشكل أسرع. تعمل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي في مستواها الأول مثل الانتقاء التطوري: حيث تبقى معظم الإشاعات الكاذبة في مكانها، ولكن القليل منها والذي يمتلك طفرةً "خرافيةً" جذابة يحظى بجاذبية نفسية، وينتشر بعد ذلك.

ما من معادلة دقيقة لهذه العملية الرقمية. الفكرة في الموضوع، كما يقول الخبراء، أن أغرب الأكاذيب يمكن أن تكتسب شهرةً مبكرة، بغض النظر عن توجهات من نشروها.

قال ماكيني: "من تجربتي أستطيع أن أقول أنه بمجرد انتشار هذه الأشياء، يبدأ الناس بنقل هذه القصص من دون التوقف لقراءتها حتى". وأضاف: "إنهم يشاركون فقط في نقاش من دون التوقف للتفكير ملياً" في المصدر.

قال د. ناهان أن الشبكات الاجتماعية الرقمية "مؤثرة بشكل خطير في تحديد الرموز القابلة للبقاء، والتي عادةً ما تميل إلى أن تكون الإشاعات ونظريات المؤامرة التي يصعب تصحيحها".

أحد أسباب ذلك هو سرعة انتشار المعلومة في العالم الرقمي، حيث قال: "إن الشبكات تسرِّع من معدل جريان المعلومة بحيث تتجاوز قدرة المحققين على تحري مدى صحتها. فالأكاذيب تنتشر بشكل واسع قبل أن يكون بالإمكان تقليصها في الخوارزمية.

إن القدرة على وصف طريقة عمل الفيسبوك والمنصات الأخرى كـ "مسوقين" للأكاذيب، بنفس طريقة عمل سوق الأحذية والمواد التجميلية، لا زالت أمراً مختلفٌ عليه. ففي عام ٢٠١٥، أشعل ثلاثة علماء سلوكيين يعملون في الفيسبوك الجدل حول ورقة منشروة في مجلة علمية بارزة.

يحلل الؤلفون الصفحة الرئيسية على الفيسبوك لحوالي ١٠ مليون مستخدم في الولايات المتحدة ممن ينشرون تصوراتهم السياسية، ويخلصون إلى أن "خيارات الأفراد تلعب دوراً قوياً في الحد من عرض" الأخبار المعاكسة والتعليقات أكثر من الرتب التي تضعها خوارزمية الفيسبوك، وهو ما يشير إلى أن القصص المثيرة يعود انتشارها إلى المستخدمين الأفراد، وتنبني على البيانات التي يقدمونها هم.

هاجم النقاد الخارجيون هذه الدراسة باعتبار أنها مُعدَّة لخدمة أصحابها، بينما قال باحثون آخرون أن التحليل كان دقيقاً وخالياً من التحيزات المسبقة.

لا تترسخ الدينماكيات الأخرى التي تعمل لصالح انتشار الأكاذيب في البرمجية ذاتها بل في البشر، أي في التحيزات الإدراكية داخل دماغ الإنسان.

من منظور نفسي بحت، تعد التحيزات الفردية بنفس مستوى أهمية الخيارات والتصنيفات عندما يتعلق الأمر بالأخبار الكاذبة والخدع الروسية، مثل الخبر الكاذب عن وجود رجال مسلمين في ميتشيغان يجمعون المال الخيري لدعم تعدد الزوجات.

في البداية، يتطلب فهم ما تقوله الأخبار الصحفية أو التعقيبات إيقافاً مؤقتاً للإنكار. فعلى الصعيد الذهني، ينبغي على القارئ أن يقبل بشكل مؤقت "الوقائع" المكتوبة باعتبارها حقائق محتملة. يحدث هذا الربط الإدراكي بشكل تلقائي، مثل التهم الجنسية لكلينتون، وترامب والنازية، وجمعية الرجال المسلمين.

ويتطلب رفض الإدعاءات الكاذبة أن يدركها المرء ذهنياً بوضوح ابتداءً، ليغزز روابط لا واعية هي أقوى فعلياً مما يفترضه الناس.

عبر الزمن، وبالنسبة لكثير من الناس، عادةً ما كانت الروابط الابتدائية الكاذبة هي التي تبقى بقوة، لا التراجعات أو التصحيحات: "هل كان أوباما مسلماً؟ يبدو أنني أتذكر ذلك . . . ".

في تحليل جديد للتحيزات التي تساعد على نشر الأكاذيب، قامت د. سيفيرت مع مؤلفين مشاركين بتشخيص هذه الفكرة وغيرها من العمليات الإدراكية التلقائية التي يمكن أن تدعم المعلومات الخاطئة.

العامل الآخر هو التكرار، فبمجرد مشاهدة عنوانٍ ما لمرات متعددة ضمن نشرة أخبار يجعله يبدو أكثر مصداقية قبل أن يتم قراءته بتروٍ، حتى لو كانت مادةً كاذبة تناقلها الأصدقاء كنكتة.

وكما يعلم رجال المبيعات، يميل الناس لتقدير المعلومات والأحكام الصادرة عن الأصدقاء الجيدين مقابل كافة المصادر الأخرى. إنه ميل نفسي ذو نتائج مهمة اليوم مع واقع أن حوالي ثلثي الأمريكيين يحصلون على بعض الأخبار من مواقع التواصل الاجتماعي.

قالت د. سيفيرت: "تؤثر تحالفاتك الاجتماعية على طريقة تقييمك للمعلومات، فنحن نبالغ في تقدير المعلومات القادمة من الأشخاص الذين نعرفهم".

وتقول د. سيفيرت أيضاً أن الطبيعة العفوية والاجتماعية البارعة في ضغط زر الإعجاب والمشاركة في المعاملات الرقمية تمكِّن هذه التحيزات من العمل من دون أن يتم اختبارها.

إن التوقف عن التنقيب وتحديد المصدر الصحيح للقصة الكاذبة قد يكون أمراً صعباً، حتى أمام الشخص الشكاك، وهو أمرٌ صعب ذهنياً. تعد الميول الأيديولوجية وخيارات المشاهدة عوامل واعية ومتوائمة مع التيار لا تعمل إلا بعد جريان التحيزات الإدراكية، والتي يتم تحريضها بالخوارزميات والطبيعة الاجتماعية للتفاعلات الرقمية.

قال ماكيني: "إذا لم يكن لدي دليل واضح حول كذب هذه النظريات" بعد عملية البحث، "لكنت قد أخذتها على محمل الجد".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018