كيف تعمل الاحتجاجات؟

كيف تعمل الاحتجاجات؟
ميدان التحرير، 2011 (visualhunt)

(ترجمة خاصة: عرب 48)

هل الاحتجاجات والحركات الاجتماعية مجديةٌ حقًا؟ وهل تُحدث أي تغيير؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. فعلى سبيل المثال، لا يمكن الجزم بوجود علاقة بين التوجهات الأخيرة نحو اليمين في الحياة السياسية الأميركية، وبين جهود حركة الشاي، وإلى أي درجة تعبر عن التحولات الداخلية مثل ازدياد الاعتداءات العنصرية والمواقف السلبية من العولمة. في بعض الأحيان يكون دور الحركة أقل من دور الروافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمنح الوجود للحراك الاجماعي.

عندما يكشف علماء الاجتماع عن وجود أثر للحراكات الاجتماعية، فإننا نميل للتركيز على المسارات الثلاثة الأساسية التي تحظى عبرها الحراكات بالقوة والتأثير وهي: الثقافة والإزعاج والتنظيم. إن كل مسار له تأثير محدود إذا ما جاء وحده، ولكن الحراكات التي تمكنت من دمج هذه العناصر الثلاث، استطاعت إحداث تأثير راسخ، مثل حركة الحقوق المدنية في الخمسينات والستينات.

الثقافة

عادةً ما يقال إن الحراكات توظف قوة "الثقافة" عندما تشكل الرأي العام واللغة والسلوك اليومي. أحد جوانب ما تفعله الحراكات الاجتماعية هي بناء الأفكار الجديدة التي تتحدى الواقع الراهن. بعض هذه الأفكار يبقى في مكانه، ولكن يصبح بعضها الآخر جزءًا من حياة أناس لم يشاركوا حتى في الحراك.

لم يكن الناس يتحدثون عن "نسبة 99%" كتعبير لتشخيص قضية اللامساواة الاقتصادية، قبل أن تحولها حركة "احتلوا" إلى مقولة شعبية رائجة. وتغير الحوار بعد ذلك، فكما أشار عالما الاجتماع سارة غابي ونيل كارين، في مقالة لهما في عام 2016، فقد ازداد النقاش حول اللامساواة في الصحف الورقية البارزة ثلاثة أضعاف، في الفترة التي جاءت بعد حركة "احتلوا".

ولكن القوة الثقافية ليست كل شيء، فمن الصعب تغيير توجهات الناس حيال القضايا الجدلية. فالحراكات تواجه مخاطر "الوعظ الممل". كما يمكن أن يستجيب أولئك المعارضين لأهداف الحركة أو المعادين لقاعدتها الشعبية من خلال تعميق معارضتهم واعتداءاتهم. يمكنك أن ترى ذلك في الحالة الاستقطابية بين أنصار احتجاجات النشيد الوطني القومية في الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية. وبالإضافة إلى ذلك، قد تتمكن القوة الثقافية من تغيير الرأي أو النقاش العام الدائر حول قضية ما، دون أن تحوله إلى نوع من التغيرات المؤسسية الدائمة، كما حصل مع حركة "احتلوا".

الإزعاج

تمتلك الحراكات قوة "إزعاجية" عندما يجعلون مسألة دعم الوضع الراهن أمرًا مكلفًا بالنسبة للناس. استخدم الطلاب في حركة الحقوق المدنية الاعتصامات لزيادة التكلفة اليومية الناتجة عن أداء الأعمال التجارية إلى أن أذعن ملاك الأعمال لمطالبهم. وفي دراسة أعدت في عام 2015، وجدتُّ أنا وعالم الاجتماع مايكل بيغس، أن الاعتصامات يمكن أن تحث ملاك الأعمال في المدن المجاورة حتى على إزالة الفصل العنصري، لأنهم يخشون من تكلفة مواجهة الاعتصامات المستقبلية. يكمن أن تعبِّر القوة "الإزعاجية" عن عمق التزام المشاركين بقضية معينة وقدرة الحركة على الصمود أمام القمع.

العقبة التي تقف أمام القوة الإزعاجية هي أنها عادةً ما تثير هجمات مضادة عليها. فأول ما تقوم به النخب والسلطات التي تواجه هذا النوع من الاعتصامات هو محاولة إنهاؤها. قد يستجيب البعض لطلبات المعتصمين، وقد يقوم البعض الآخر بقمعها، وقد يقوم آخرون بكلا الأمرين. فبعد أسبوع من خضوع جيري جونز، مالك فريق دالاس كاوبوي، فيما بدا كتضامن مع لاعبين يطالبون بالالتفات للظلم العنصري، قام في الأسبوع الذي يليه بالتهديد بإقالة أي لاعب يستمر بالمطالبات.

التنظيم

وأخيرًا، تبني الحراكات قوتها عبر التنظيم. فالتنظيمات القوية تمكِّن من تحقيق المشاركة المستمرة التي تدعم أجندة الاعتصام على المدى الطويل. في السنوات الماضية، قدمت حركة حزب الشاي مثالًا حول كيفية استخدام القوة التنظيمية من قِبَل الحركات للمساعدة في تحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي. حيث قامت العالمتان السياسيتان ثيدا سكوكبول وفينيسا ويليامسون، بتحليل كيف أسست حركة حزب الشاي التنظيمات المحلية، بالاستناد إلى القوة الإزعاجية للاحتجاجات الأولى للحركة في عام 2009، ودعمت المرشحين الذين يشاركون مُثُل الحركات وساهموا في تغيير الحزب الجمهوري.

ولكن تواجه القوة التنظيمية تحدياتها الخاصة، بما فيها صعوبة الحفاظ على المشاركة الفعالة. فإطلاق الاحتجاجات الموسمية وتحصيل التمويل شيء، وتطوير القيادات وبناء الجماهير الانتخابية شيءٌ آخر. فبالرغم من الموارد القوية ومئات المؤسسات، لم تتمكن الحركة البيئية على سبيل المثال من بناء هذا النوع من المشاركة الفعالة لمواجهة التحديات البيئية التي نواجهها. يعكس هذا الفشل الميل الأكبر الموجود لدى الجماعات التي ترتبط بداعميها عبر طلبات التمويل.

كيف يمكن للحركة أن تدمج القوة الثقافية والإزعاجية والتنظيمية؟ في بعض الحالات، يمكن تحقيق ذلك عبر تقسيم الأدوار. فعلى سبيل المثال، في حركة الحقوق المدنية، قام الزعماء البارزون بربط لغة الحقوق، ورموز وطقوس كنائس السود، والتوجه الغاندي بالعصيان المدني؛ كما أشعل الطلاب الناشطون حالة الإزعاج عبر الاحتجاجات الفعلية؛ وقامت الجمعية الوطنية لتقدم الملونين، عبر مئات التنظيمات والقيادات المحلية في أرجاء البلاد، بتحدي القوى الداعمة للواقع المحيط في مجتمعاتهم وعبر المحاكم.

خلال السنوات الماضية، نزل الناس للشوارع وسعوا لبناء أو تنشيط مؤسسات لمقاومة رئاسة ترامب والدفع بتغيرات اجتماعية أوسع. فللاستفادة من طاقة وإلحاح الحركة، يبنغي على الزعماء والنشطاء أن يسعوا لبناء حركة قادرة على توليد مصادر جديدة من القوى الثقافية والإزعاجية والتنظيمية.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018