مهمة "فيسبوك" الجديدة قد تكون مستحيلة

مهمة "فيسبوك" الجديدة قد تكون مستحيلة

ترجمة خاصة: عرب 48

إذا كان المدير التنفيذي لموقع "فيسبوك"، مارك زوكربيرغ، صادقاً في منشور جديد له حول سحب عنصر الإعلام من "وسائل التواصل الاجتماعي"، فإنه يكون قد سدد ضربةً قاضيةً لفكرة التنظيم الذاتي التقني، بالإضافة لاستعداده لدفع تكلفة باهظة لتطوير رؤيته. ولكن قد تكون عملية إعادة الجني إلى المصباح صعبة جداً حتى بالنسبة لزوكربيرغ، والمشكلات التي ستنتج عن ذلك أكبر بكثير من الحلول المقترحة في كل الأحوال.

جوهر نقد زوكربيرغ لفيسبوك هو أن "الفيديوهات والمحتويات الإعلامية الأخرى قد انفجرت في موقع الفيسبوك خلال السنوات الماضية". حيث كتب: "وبحكم وجود الكثير من المنشورات الإعلامية مقابل المنشورات القادمة من أصدقاءك وعائلاتك، فإن التوازن فيما هو موجود في صفحتك الرئيسية قد انحرف عن الشيء الأكثر الأهمية الذي يمكن أن يفعله فيسبوك، وهو مساعدتنا على التواصل مع بعضنا".

وبشكل غير مفاجئ، كانت عائدات فيسبوك قد "انفجرت في السنوات الماضية". ففي الربع المتسوط من عام 2015، وصلت مبيعات فيسبوك إلى حوالي 4.5 مليار دولار. وكان متوسط العائدات في أول ثلاثة أرباع من عام 2017 أكثر من ضعف ذلك، أي حوالي 9.2 مليار دولار. هذه هي غنائم التفوق على وسائل الإعلام التقليدية في أداء دور مصدر الأخبار للشعب الأمريكي، وهو أكثر جماهير فيسبوك أهمية من ناحية تحقيق الدخل. فبحسب مركز بيو للدراسات، كان في عام 2014 نسبة 64% من البالغين الأمريكيين يستخدمون موقع فيسبوك، وحوالي 30% يتلقون الأخبار منه. وفي أواخر عام 2017، تحركت هذه النتيجة قليلاً لتصل إلى 66% من البالغين الأمريكيين، ولكن ارتفعت حصة أولئك الذين يحصلون على الأخبار من فيسبوك إلى 45%. ومع إغلاق المنصات الإلكترونية على التلفاز كمصدر أمريكي أساسي للأخبار، أصبح موقع فيسبوك أكبر هذه المنصات، من دون أن ينشر أي خبر واحد من تلقاء نفسه.

ظهر فيسبوك منذ عام 2004، ولكن تصدره للسوق الإعلامية يعد ظاهرةً حديثةً جداً. والآن، يبدو أن زوكربيرغ يستعد للتخلي عن ذلك من أجل معايير معينة.

وبحسب منشور صدر مؤخراً عن مدير قسم الأبحاث في موقع فيسبوك، ديفيد غينسبيرغ والباحثة موريا بروك، فإن المدير التنفيذي يكتب أن التفاعل "مع الناس الذين نهتم بهم" هو أفضل لنفسية المستخدمين من "قراءة المقالات ومشاهدة الفيديوهات، حتى لو كانت مسلية أو مفيدة". لذا فإنه يغير موضع التركيز لأفرقة التطوير لمساعدة المستخدمين على إيجاد محتوى ذي صلة للترويج "لتفاعلات اجتماعية أكثر عمقاً". وكنتيجة لذلك، يَعِد المستخدمين بأنهم سيشاهدون "محتوىٍ أقل في الأعمال والعلامات التجارية والإعلام". يحضر زوكربيرغ نفسه لمشاهدة الناس وهم يقضون وقتاً أطول على فيسبوك وزوال "أدوات التواصل" الأخرى. قد تضر الخطوة الأخيرة في العائدات، بحسب زوكربيرغ، ولكن قد تكون مفيدة لجمهور الأعمال على المدى الطويل.

كما كان يحصل في السنوات الأخيرة، بدا أن فيسبوك يقوم بنسخ سنابشات، حيث أعاد تصميم تطبيقه في تشرين الثاني لفصل الأخبار الرسمية والتسلية عن المحتوى الشخصي. قالت شركة سناب، الشركة التي تمتلك خدمة الرسائل سريعة الزوال: "في حين أنها أنشأت ضبابية في الخطوط الفاصلة بين ناشري المحتوى المهني وأصدقاءك الذين يمتلكون تجارب مثيرة على الإنترنت، فقد أنتجت أيضاً بعض الأعراض الجانبية الغريبة (مثل الأخبار الكاذبة) وجعلتنا نشعر وكأننا نريد التمثيل أمام أصدقاءنا بدلاً من التعبير عن أنفسنا فحسب". وذكر المنشور "فصل الاجتماعي عن الإعلامي" باعتباره استراتيجية.

ولكن هناك العديد من المشاكل مع هذه الفكرة الرائجة المفاجئة في صعود ردة الفعل العنيفة ضد وسائل التواصل الاجتماعي. أكبرها تلك الحاصلة مع نموذج الأعمال الوحيد الذي عمل حتى الآن على إدرار الدخل على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي المنشورات الإعلانية.

نحن معتادون على رؤية الإعلانات عند قراءة أو مشاهدة الأخبار أو عند التفاعل مع محتوى إنتاجي إعلاني. وهذا أمر لا يرغب الناس بقبوله: فهي تأخذ المال لنشر محتوى سهل، وتدفع الإعلانات الفاتورة. في السنوات الأخيرة، انتشر الإذعان في شبكات التواصل الاجتماعي ولكنهم فعلوا أفضل ما في وسعهم على أن لا يدفعوا لمنتجات الآخرين. ولكن هل يريد الناس رؤية الإعلانات عند التفاعل مع الأصدقاء والعائلة، خاصة الإعلانات الموجهة لسحب المعلومات من مثل هذه التفاعلات؟

فيسبوك الآن، أو سيصبح عما قريب، في موقف يستقبل فيه رسائل الشكر على محاولات تحويل التواصل الشخصي إلى مصدر دخل عبر تفعيل الإعلانات في برنامج الرسائل الخاص في فيسبوك.

في تموز/ يوليو 2017، لم يكن زوكربيرغ سعيداً من مجرى التجربة. وموضع الصعوبة واضح: فمعظم أفكار الناس عن الخصوصية تتضمن فكرة إبعاد الأطراف الأخرى عن عمليات التواصل بين "الأصدقاء والعائلة". سيواجه كل من فيسبوك وسنابشات وقتاً صعباً في بيع محاولات لتكسير هذه المقاومة الغريزية باعتبارها استراتيجية حيوية بالنسبة للمستثمرين والمعلنين. وكان التحول إلى الإعلام مع أدوات التوزيع المتفوقة واستهداف الفرص عملية بيع سهلة.

حتى لو أصبحت فكرة جني المال من تفاعلات المستخدمين الشخصية عبر الإعلانات أمراً مقبولاً في العالم، فإن تخفيض عنصر الإعلام في وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون أمراً أكثر صعوبة من عودة موقع فيسبوك لنقطة البداية (حتى سنابشات). تتضمن التعليقات على منشورات زوكربيرغ رجاءً من الكثيرين للحفاظ على الأمور كما هي عليه. وضع العديد من المستخدمين تجربتهم مع فيسبوك بالتركيز على تقديم محتوى معني، وسيطلقون مقاومة كبير لإضعاف هذا التوجه.

وكيف يمكن لأحدهم أن يحذف هذا العدد الهائل من الشخصيات الذين يستخدمون فيسبوك للعلاقات العامة من أن يصمموا "صفحات" مخصصة للتسويق؟ في أوكرانيا، كمثال من أحد الدول، تفاعل عشرات السياسيين مع الناخبين المحتملين باستخدام حسابات شخصية. وهم يمتلكون عشرات الآلاف من "الأصدقاء" الذين يضعون إعجابات ويشاركون محتواهم بشكل نشط، بغض النظر عما ينشرونه من الوسائل الإعلامية. يفتخر الصحفيون في كل مكان من إظهار عملهم لـ"أصدقاء" لم يلتقوا بهم. هل يمكن أن يفعل فيسبوك شيئاً حيال ذلك؟ لقد ادعوا لسنوات أنه كان يحاول، ولكن يعرف أي مستخدم لموقع فيسبوك أن المحاولات بائت بالفشل.

إذا كان فيسبوك يريد حقاً أن ينسحب إلى قوقعة "الأصدقاء والعائلة" – والتي ستكون في كل الأحوال محتلة من برامج المراسلة، وبعضها مملوك من فيسبوك نفسه – فقد يستفيد من دفعة قوية من المنظمين. إن إجبار المنصة على الدفع للمحتوى الإخباري التي تشارك فيها، بالطريقة التي تدفعها الآن لناشري الموسيقى لحقوقهم، قد تجبر الشبكة على التفكير ملياً حول كيفية الانتقام من هذا المحتوى. إن فرض المسؤوليات القانونية لفيسبوك للمحتوى التشهيري – ولتتبع المستخدمين الذين ينشرونها – قد تعجِّل من خروج زوكربيرغ من قطاع الإعلام وتعزيز إعادة كتابة الخوارزميات الأساسية، بالإضافة إلى تحسين هوية المستخدمين.

حتى مع غياب مثل هذه التنظيمات، من الجميل أن زوكربيرغ قد بات يقترب من ترك الأخبار لأصحابها. وقد يؤدي ذلك إلى إرجاع بعض فرص الأرباح التي سلبها فيسبوك منهم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018