في منتصف حقبة

في منتصف حقبة
(pixabay)

كتبت في عدة مواضع، عن مفارقة معينة. فمن جهة، إذا أخذت لقطة خاطفة للعالم كل 20 سنة تقريباً، سوف تجد كيف يتغير واقع العالم في جوانب مهمة وبشكل درامي بالمقارنة مع اللقطة السابقة. من جهة أخرى، هناك اعتقاد سائد، أنّ في أي نقطة من الزمن سيبقى العالم كما هو في اللحظة الحالية ولمدة طويلة. ليس عند العامة فقط، بل حتى الخبراء والمسؤولون يفشلون في إدراك الطبيعة المؤقتة للواقع الحاضر. وكنتيجة لهذا – وهو ما يجعل الأمر مهماً – على صعيد التحولات الجيوسياسية، هناك ميل لرؤية التحولات باعتبارها أمرٌ عابر، اختلال مؤقت تسببه أحداث مؤسفة، حتى يتم التعمق بها لاحقًا، لذا نحن نميل إلى إبعاد أنفسنا عن واقع التحولات.

في عام 1900، كانت تعيش أوروبا في سلام وازدهار، وسيطرت على العالم، وكان يُعتقد أن هذا واقع أبدي. بحلول العام 1920، مُزقت أوروبا، وأفقرت نفسها في حرب دامية. وكان يُعتقد أن ألمانيا انتهت بعد هزيمتها، لكن بحلول عام 1940، عادت ألمانيا لعمق أوروبا، وكان يُعتقد أنه لا يمكن مقاومة المد الألماني، لكن بحلول عام 1960، تم احتلال وتقسيم ألمانيا، وساد الاعتقاد أن الحرب بين أقوى المحتلين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، هو أمر لا مفر منه. وبحلول عام 1980، كانت هناك حرب، لكن في فيتنام لا في أوروبا، وتمت هزيمة الولايات المتحدة، واصطفت أميركا مع الصين ضد الاتحاد السوفيتي. فقد اعتقد الناس أن الاتحاد السوفيتي عدواً دائماً وخطيراً لكلا الدولتين، وبحلول عام 2000، لم يعد الاتحاد السوفيتي موجوداً. كان يُعتقد أن مصالح جميع البلاد الأساسية تنبع من الحاجة إلى النمو الاقتصادي، وأن الصراع التقليدي بين البلدان قد أصبح أمراً هامشياً.

إن فترة العشرين سنة هي فترة اعتباطية، ولكن من الناحية التاريخية تمثل هذه المرحلة عمر جيل بشري كامل، يتبدل العالم بشكل جذري مع كل جيل، لكن المواعيد تتفاوت. بدأت الحقبة الأخيرة في عام 1991 وانتهت في عام 2008، ومع ذلك هناك الكثير ممن ينتظر حتى الآن عودة عالم عام 1991. والأكثر أهمية من ذلك، لم نبدأ إلا الآن بالشعور بحدة قوة ما بدأ عام 2008.

الحياة بعد الحرب الباردة

استعرض كيف تغير العالم في عام 1991. انهيار الاتحاد السوفيتي، وكان يعتقد أن الدولة العاجزة، روسيا، لم تعد عاملاً مهمًا في التأثير على طبيعة مجريات الأمور في العالم. وقَّعت أوروبا اتفاقية ماستريخت، والتي كان يُعتقد بشكل كبير ومبرر أنها مقدمة لخلق ولايات متحدة في أوروبا. قادت الولايات المتحدة الأميركية ائتلافات واسعة من الدول ضد الاحتلال العراقي للكويت، وهزمت العراق مع وجود القليل من المعارضة. وتبنت الصين النظام الرأسمالي، وبدأت باندفاعة اقتصادية تاريخية، وبدت كأنها قطار لا يتوقف نحو الديمقراطية الليبرالية. واليابان، المعجزة الاقتصادية السابقة التي لا تنتهي، كانت في وسط أزمة اقتصادية تحويلية. ومع نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة هي القوة الدولية الوحيدة، وكان العالم يعيد تشكيل نفسه في صورة أميركية.

العالم يمتلأ بالوعود أن أهوال ومخاطر القرن العشرين قد أصبحت خلفنا. ولفترة وجيزة، بدت هذه الوعود حقيقية، لكن العلامة الأولى التي أظهرت أن العالم لم يعد كما هو، جاءت في عام 2001، عندما هاجمت القاعدة الولايات المتحدة، وهاجمت الولايات المتحدة العالم الإسلامي بأكمله.

استمرت هذه الحقبة لبضعة سنوات قليلة، حتى أن ألغاها حصول حدثان تفصلهما بضعة أسابيع، ففي 8 آب/ أغسطس 2008، دخلت روسيا وجورجيا في حرب ألغت فكرة غرق روسيا في الانعدامية ووجودها على الهوامش، أو حتى أن قدرتها القتالية قد أصبحت بالية جدًا. ثم في 15 أيلول/ سبتمبر 2008، انهار بنك "ليمان بروذرز"، وهو ما أتلف فكرة عدم قابلية الاقتصاد الدولي للهبوط. فخلال مدة خمسة أسابيع فقط، بدأت تتغير الافتراضات الأساسية للحقبة.

لم تعد روسيا قوة عظمى، لكنها بقيت قوة إقليمية بلا شك. فهي لا تزال تمتلك مساحة تأثير على حدودها، وأنها ستقوم بحماية مصالحها بالقوة العسكرية وأن الإمبراطورية التي بناها القياصرة، لن تدخل إلى سبات بسهولة.

وانكشفت مواضع الضعف الأساسية في الاتحاد الأوروبي، فهي لم تكن دولة-أمة بل مجرد اتفاقية التحقت بها دول ذات سيادة تم انتخاب زعماءها على يد مواطنيها، والذين كان ولاءهم لناخبيهم وليس لبروكسل. كان الاتحاد الأوروبي أداة مصممة بشكل ممتاز للنهوض الاقتصادي الناجح، لكنها لم تتكيف مع الاختلال الاقتصادي لأن "الألم الاقتصادي" لم يوزع نفسه بشكل متساوي على الرقعة الجغرافية للاتحاد. ازداد سعي كل دولة نحو مصالحها الخاصة ووجدت أن الاتحاد الأوروبي بات يشكل عائقًا أمامها، عوضًا عن كونه مصدر مساعدة. لقد مثل عام 2008 نقطة تحول لأوروبا.

وجدت الصين في عام 2008 أن الاقتصاد المبني على الصادرات لم يكن في يديها بل في أيدي زبائنها. إن الركود الاقتصادي الذي جاء بعد ذلك، حول الصين من محرك قوي يضخ البضائع للزبائن المتلهفة، إلى دولة تجتهد لإخماد نيران الأزمات المالية، طامحة إلى طرق لانهائية والتوجه نحو الذكاء الصناعي، في خضم تحول إلى دكتاتورية من شأنها أن تحدد معالمها للحقبة التالية. واستخدمت اليابان، بدلاً من أن تنحدر نحو كارثة، تضامنها الاجتماعي لتكييف أزمتها نحو تقبل فكرة أن تقليل عدد السكان وتحقيق نمو مستقر هو الذي يؤدي إلى رفع الدخل الفردي.

واكتشفت الولايات المتحدة أن التحكم بالعالم كانت وصفة للتعثر والفشل. فلم تنتهي الحرب ضد "الجهادية"، ولم يتقبل الروس موقعهم ضمن النظام الدولي، ولم تعد الصين مشكلة اقتصادية بقدر كونها مشكلة عسكرية، وتحول الأوروبيون إلى الامتصاص الذاتي والإقليمية، كما هو متوقع من وضعهم. أدركت الولايات المتحدة أنها لم تكن مستعدة على الصعيد المؤسسي أو حتى النفسي لإدارة السلطة التي اكتسبتها، ولم تتمكن من وضع مندوب عنها.

حقبة جديدة

لم يشابه العالم في عام 2008، أي بعد حوالي 17 سنة من بداية الحقبة السابقة، أي شيء من توقعات معظم الناس. فلفترة طويلة – واليوم بالنسبة للبعض، كان هناك توقع بأن عالم ما بعد الحرب الباردة (إن جاز وصف الوضع العالمي الذي بدأ في عام 1991) كان هو الطبيعي، لكن من السذاجة افتراض أننا لا زلنا هناك وأننا سنعود إليه. لكن الحقب تأتي وتنتهي، وعالم 2008 سيحل مكانه ما سيحدث في الأعوام التالية لـ 2020.

بعد مرور 10 سنوات على هذه الحقبة، اتضحت معالمها، إن وقت الاختلال الاقتصادي، الذي يتسم ببطء النمو وسوء توزيع الثروة، أدت إلى توترات سياسية إقليمية وشرخ دولي عميق. ستركز الدول على مشاكلها الخاصة، وستخلق هذه المشاكل مشاكل أخرى في الخارج. إنه عالم أفضل ما يوصف به هو المحدودية والتوتر والغضب. هناك أشياء أسواء يمكن أن تحدث، لكن ذلك يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة نضوج الولايات المتحدة لتحقيق دورها كالدولة الوحيدة الأقوى في العالم. من المرجع أن بروز الولايات المتحدة من أزماتها الداخلية سيكون الملمح الأبرز للحقبة القادمة.

عشرون سنة لا تعني شيئاً في التاريخ، لكنها تعني كل شيء بالنسبة لحياتنا، لذا فإن ميلنا لإقناع أنفسنا بدوام الحقبة الحاضرة هو أمر مفهوم. لكن التاريخ لم ينتهي في عام 1991، ولم ينتهي في عام 2008. ومع أن نتائج هذه الحقبة غير معروفة إن كانت إيجابية أم سلبية، المؤكد أنها سوف تمر.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018