هناك أكثر من طريقة لـ"ضرب" المُشغِّل

هناك أكثر من طريقة لـ"ضرب" المُشغِّل
(Pixabay)

 

في ما يلي ترجمةٌ خاصة بـ"عرب 48"

خلال الشهر الماضي، ابتكر سائقو الباصات العمومية في مدينة أوكاياما اليابانية، طريقة احتجاجية جديدة في العمل؛ لم يُضربوا ولم يتوقفوا عن قيادة باصاتهم فجأة في وسط النهار، بل استمروا في عملهم كالمعتاد، مع اختلاف بسيط. أجرى السائقون خدعة بسيطة، إذ أنهم غطوا صناديق جمع الأجرة الموجودة أمامهم، ورفضوا أن يتلقوا أجرة من الراكبين، مُقدمين بذلك رحلات مجانية (من تلقاء نفسهم) لجميع الركاب.

وفي الولايات المتحدة، وخلال الربيع الأخير، قدّم معلمو المدارس في الولايات الجنوبية، نموذجًا أظهروا من خلاله أهميّة الاحتجاج والإضراب التقليدي، وقاموا بإثبات نجاعة العمل الوحدوي للعمال، واتخاذهم لخطوات احتجاجية جماعية للمطالبة بالاحترام أو بحقوق لم يكن بالإمكان تحصيلها من قبل بشكل فردي، ولا شك أنه في حال أرادت الحركة العمالية الأميركية أن تعكس الهزائم التي تعاني منها باستمرار، فإنه من الضروري أن تُعيد إنتاج الإضراب الأخير والاعتماد على تكتيكاته في نضالاتها القادمة.

مع ذلك، ولأسباب كثيرة، إضراب عمال في مكانِ عملٍ ما لفترة طويلة، قد لا يكون ممكنًا، وقد يضطرون للبحث عن أساليب أخرى للاحتجاج، بسبب ظروف العمل التي تفرضها بيئات تنظيمية قاسية أو لصعوبة قوانين العمل و"عدائيتها"، فتتحول هذه الأساليب في بعض الأحيان، إلى طرق احتجاج هزيلة جدًا مقارنة بالإضرابات الواسعة، لكنها تخدم العمال في بعض مطالبهم.

خلال الأشهر الأخيرة، عرقلت مجموعات متنوعة من الحركات العمالية، سير الأمور في أماكن عملها، بأساليب إبداعية، بداية بسائقي باصات أوكاياما، وانتهاء بالصحافيين في لندن، جميعها سلكت طُرقًا ملتوية وغير اعتيادية في النضال من أجل تحسين شروط عملها.

رحلتك على حساب الشركة

عانى سائقو أوكاياما، بشكل أساسي، من انعدام أمان/ضمان العمل. وعندما رفضت شركتهم "ريويبي" بسبب المنافسة المتصاعدة مع الشركات الأخرى، منح الموظفين مزيدًا من ضمانات الاستقرار، أجرى العمال خطتهم الذكية وجابوا الشوارع وجمعوا الركاب كالمعتاد لكنهم غطوا صناديق جمع الأجرة ببطانيات، ولم تكن خطوة اليابانيين الأولى من نوعها، فهناك تاريخ طويل من إضرابات "الأجرة" في أنظمة النقل المحلية هناك، مع العلم أن غالبيتها بدأت بمبادرة من الركاب.

وفي أستراليا لوحدها، أجرى سائقو وسائل النقل المحلية، عدّة إضرابات "أجرة" في صيف 2017، وكان أولها في العاصمة سيدني، حيث أعلن السائقون عن "يوم الركوب المجاني"، ردًا على قرارات حكومية تتعلق بخصخصة القطاع. وتلاها إضراب مماثل في مدينة بريبين، طالب فيه العمال زيادة أمن الباصات، ورواتب أفضل.

استخدم سائقو سيارات وباصات وقطارات النقل العام حول العالم، "إضراب الأجرة"، تمهيدًا للإضراب التقليدي، أو لتجنبه في الكثير من الحالات التي كانت فيه الإضرابات التقليدية ممنوعة بحسب القانون. وبالتأكيد، استطاع هذا "التكتيك"، تعطيل قدرة عمل المنظومة، بالإضافة إلى جذب اهتمام الجمهور وتأييده، إذ مكّن السائقين من تقديم خدمة مجانية للعامة بشكل مفاجئ، الأمر الذي تلقوه برحابةِ صدرٍ واسعة.

وبدأت بعض "إضرابات الأجرة" يمبادرة الركاب أنفسهم، الأمر الذي عزّز من فكرة تضامنه مع السائقين أكثر من الخطوات الأخرى. نظّم تحالف مجتمعي في مدينة غراند رابيدز في ولاية ميشيغان الأميركية، مجموعات من الركاب لدخول الباصات ورفض دفع الأجرة (بشكل جماعي)، تضامنًا مع عمال النقل الذين ناضلوا من أجل الحفاظ على معاشات تقاعده، ومحاربة ارتفاع أسعار التذاكر، ووزع الركاب منشورات كُتب عليها "لأن إضراب نقابة سائقي الباصات غير قانوني في ولاية ميشيغان (...) أنا أفعل أكثر ما يُمكنني فعله كراكب، عبر اندماجي في إضراب الأجرة هذا".

"الصحافيون لا يخرجون لاستراحات للطعام"

صوَّت 130 عضوا من طاقم مكتب "الجزيرة إينجلش"، في نيسان/أبريل الماضي، على الامتناع عن العمل ليوم واحد في التاسع من أيار/ مايو الماضي، وبعد نجاحهم فيه، تعهّد موظفو القناة بإجراء خطوات احتجاجية أخرى. وحتى قبول الإدارة بالتفاوض مع الموظفين، أكمل المحررون والمراسلون والمنتجون عملهم كالمعتاد، لكنهم قاموا بالأعمال التي اشترطت عليها عقودهم فقط، دون الإجابة على رسائل البريد الإلكتروني في ساعات متأخرة من اللية، أو مقابلة المصادر في ساعات خارج نطاق العمل، أو التنازل عن الاستراحات بسبب ضيق الوقت وضغط العمل.

استُخدم التكتيك "اعمل من أجل أن تسيطر"، في الكثير من الاحتجاجات العمالية حول العالم، لكن من النادر تطبيقه في عالم الصحافة. وقال أحد أعضاء نقابة العمال في "الجزيرة إنجليش" إن "الصحافيين لا يخرجون لاستراحات للطعام". وكان لطاقم موظفي "الجزيرة"، أمثلة مشابهة ليقتدوا بها، إذ أن عمال وكالة "رويترز" المنخرطين في نقابة الصحافيين الشهيرة "نيوز غيلد"، نجحوا بإجراء هذه الخطة في نهاية العام الماضي، في نيويورك وواشنطن، عبر تسجيل الخروج من الوردية فور انتهائها. وفي حالة طاقم "الجزيرة إنجليش"، استطاع الموظفون جلب الإدارة إلى طاولة التفاوض.

إن استخدام هذه الطريقة الاحتجاجية بالنظر إلى التوجيهات التي ينص عليها العقد بين المُشغّل والموظف، وتطبيق بنودها بدّقة تامّة دون أمور إضافية، قد يُمكِّن العمال من خلق أمر واقع في مكان العمل يكون بمثابة "بيان" دائم، واستخدام "اعمل من أجل أن تسيطر" في أماكن العمل مثل المصانع، قد يُبرهن كمّ الإجراءات الوقائية (المانعة للحوادث) التي تتغاضى عنها إدارة مصنع ما في سبيل ضمان إنتاج كميّات أكبر. وفي بيئة مكتبية، يُمكن استخدام التكتيك في مقاومة ثقافة العمل القائمة على توقع المشغل (المفهوم ضمنًا) بأن يكون العمال على تأهب تام خلال نطاق الوردية وبعد انتهائها، مع الأخذ بعين الاعتبار، أنه يحق لجميع العمال والموظفين أخذ استراحات.

وبهذا المعنى، تُصبح كلتا الطريقتان، "اعمل من أجل أن تسيطر" و "إضراب الأجرة"، ليستا مجّرد خطتين "بديلتين" للإضراب، بل تأكيدا على سيطرة العمال على سير العمالة برمّتها، وتشديدا على إتقان العمل لعملهم، وعلى المجهود الذي يبذلونه في ذلك (غير المُقدّر من أرباب العمل في أحيان كثيرة).

تحتوي أماكن العمل، على الكثير من مساهمات العمّال "المخفية" التي يقومون بها بشكل روتيني، ومنها على سبيل المثال، شراء أدوات للعمل من حساب العامل الخاص، أو جلب أدواته الخاصة للعمل، أو حتى عدم الإبلاغ عن إصابات عمل حتى يغضب المدراء. وكل هذا يصب في مصلحة سير العمل الناجع. وبإيقاف العمال لهذه التصرفات التطوعية غير المقدرة أصلًا، يقومون بتصريح مبدأي على "قيمتهم" العمالية وحقوقهم.

لا أحد يشعر أن صحته على ما يرام

لن يواجه العامل مشكلة كبيرة من مُشغّلهِ، في حال عدم قدومه للعمل واتصاله بمكان عمله وادعائه المرض خلال أحد أيام العمل، لكن عندما يتصل نصف العمال ويبلغون عن ذلك بشكل جماعي، فهذا يستطيع أن يوقف عمل المؤسسة بأكملها. وفي شهر أيار/مايو الماضي فقط، اتصل المئات من عمال المشافي في برموندي، كما عمال قطاع الشحن في جمايكا، وأبلغوا أرباب عملهم أنهم يشعرون بالمرض. مما ضر الشركات التي يعملون بها بشكل كبير بالإضافة إلى وضع قضايا العمال في المقدمة أمام الرأي العام.

استُخدم تكتيك الغياب عن العمل بحجج مرضية، كبديل إبداعي في الإضراب غير الرسمي، في الحالات التي مُنع فيها الإضراب العام "قانونيًا".

من الضروري الأخذ بعين الاعتبار أن الاحتجاج المنظم للعمال، يجب أن يراعي الحالات المختلفة، ويجب أن يستند دائمًا على خطوات تكتيكية، لأن النقابات قد تكون عُرضة للعقوبات القانونية والملاحقة القضائية، مع ذلك، لا تنحاز السلطات دائمًا لأرباب العمل. وفي جميع الأساليب هذه، استطاع العمال عبر مقاومتهم، جذب اهتمام الرأي العام تجاه ظروف عملهم غير المحتملة، بالإضافة لنجاحهم في إبطاء نجاعة عمل شركاتهم أو مشغليهم وتعريضهم لأذى مادي. ولم تتوقف نجاحاتهم عند ذلك، فقد تمكنوا أيضًا في حالات شتى من "الانتصار" الجزئي على المشغلين وإخضاعهم للشروط التي طالبوا بتحسينها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018