إبرة القاتلين في كومة الصور... كيف حددت بريطانيا مستهدفي سكريبال؟

إبرة القاتلين في كومة الصور... كيف حددت بريطانيا مستهدفي سكريبال؟
القاتلان وفق الشرطة البريطانيّة (ذا غارديان)

عندما بدأ محققو الشرطة البريطانية التحقيق في ملابسات محاولة الاغتيال باستخدام السم، الذي تعرض له الجاسوس الروسي السابق، سيرغي سكريبال، وابنته، في آذار/مارس الماضي، لم يكن بحوزتهم الكثير من الأدلة لفك رموز الجريمة، لكن الأمر الذي كان بحوزتهم بوفرة، هو "أكوام" هائلة من الصور التي التقطتها كاميرات الأمن، التي شرعوا بالبحث من خلال ما التقطه عدساتها، عن قاتل.

تُعتبر بريطانيا من أكثر دول العالم مراقبة، لدرجة أن التقديرات تُشير إلى أن لكل 11 مواطنا كاميرا ترصد تحركاتهم. وتمتلك السلطات أيضا، تكنولوجيا متطورة جدا تستطيع تحديد المجرمين بصريًا، بالإضافة إلى برمجيات على درجة عالية من الحساسية والدقة باستطاعتها البحث في مطار كامل عن وشم معيّن أو حتى خاتم إصبع وردي. وتصحب هذه التكنولوجيا كلها، طاقة بشرية مميزة، وهي عبارة عن فريق من الموهوبين الذين يُطلق عليهم اسم "المُميِّزون الخارقون".

وأعلنت السلطات البريطانية، يوم الأربعاء الماضي، توجيه تهمة محاولة قتل سكريبال، لضابطين في أجهزة الاستخبارات الروسية في القضية التي أدت إلى شرخ عميق بين روسيا والغرب.

وأفصح المحققون عن الأدلة المرتبطة بالجريمة، والتي تشمل، أيضًا، صور كاميرات أمنية أظهرت المسار الذي اتخذه الرجلان منذ أن حطت طائرة الركاب الروسية، التي جاءوا على متنها وحتى موقع الجريمة ومن ثم عودتهما إلى موسكو، لاحقًا.

وأصدر المحققون، أيضًا، صورا لزجاجة العطر الأنيقة التي استُخدمت لحمل وإخفاء غاز الأعصاب العسكري المعروف باسم "نافوتشوك"، ووصولها إلى المدينة الإنجليزية الهادئة التي كانت مسرح الجريمة، سالزبري. وأظهرت الكاميرات التحركات التي قام بها الروسيان على مدار الأيام التي سبقت الرابع من آذار/مارس حينما وقعت الجريمة.

وقال الضابط الذي تقاعد منذ عام 2010 من مقر الاتصالات الحكومية في وكالة الاستخبارات الإلكترونية البريطانية، جون بايليس، إن "الاختباء في هذا البلد، أمرٌشبه مستحيل"، مضيفًا أن هذا الأمر أصبح أصعب "مع البرامج الجديدة التي أصبحت بحوزتهم، حيث يُمكنهم تحديد الشخص بناء على طريقته في المشي أو الخاتم الذي يضعه أو حتى ساعة اليد".

سيكون التحقيق في قضية تسميم سكريبل، المعروف باسم "عملية ودانا"، بمثابة اختبار رفيع المستوى لتقنية التحقيق التي تُعتبر بريطانيا الرائدة فيها، وهي تجميع أكوام كبيرة من البيانات البصرية والبحث فيها.

وأعلن أعلى مسؤول في "شرطة مكافحة الإرهاب" البريطانية، نيل باسو، عن تفاصيل القضية يوم الأربعاء الماضي، في خطوة كسر فيها حاجز الصمت الذي استمر لمدّة أشهر من عملية التحقيق، وصادر أجهزة الصحافيين الإلكترونية إلى حين إعلان رئيسة الوزراء، تريزا ماي، عن إصدار مذكرتي توقيف بحق الروسيين، ألكسندار بيتروف وروسلان بوشيروف، بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده باسو بساعتين. وقالت ماي إن الرجلين هما ضابطان في جهاز المخابرات العسكرية الروسية.

ورفض مسؤولون روس نتائج التحقيق مدّعين في بيان للوزارة الخارجية "أننا نرفض هذه التلميحات بشكل قاطع" مع التأكيد على أن "الزملاء البريطانيين والأميركيين" لم يتكبّدوا عناء "تقديم أي دليل، فقد أعلنوا عن قائمة ببعض ’العملاء الروس’ من أجل تبرير مطاردة لندن ومطاردة الساحرات في واشنطن"، بحسب ما قالته المتحدثة باسم الوزارة، ماريا زاخاروفا .

وشدد بايليس على أن الكثير من الأشخاص سوف يتخلون عن ملاحقة الروسيين، لأنه ما من فائدة مرجوة من ذلك، حيث قال "إنهما وصلا روسيا، لن نتمكن من إعادتهما إلى هنا. لكن بمجرد الوصول إلى هذه النقطة، فإن هذا يعني أنهما لن يتمكنا من مغادرة روسيا"، في إشارة إلى أن السلطات الروسية لن تسلمهما أو تعترف بما فعلا.

وأسهب بايليس "هناك بعض الراحة في الوصول إلى الحقيقة، لكي نتمكن من إقناع العالم الغربي بأن الروس هم من فعلوا ذلك (الجريمة)".

في يوم الهجوم، عُثر على سكريبال وابنته يوليا غائبين عن الوعي على أحد المقاعد على ضفة نهر آفون. وبدأ المحققون، في الأيام التي تلت ذلك، بجمع ما مدّته 11 ألف ساعة من أشرطة الفيديو المصادرة من الموانئ ومحطات القطار ونوافذ المتاجر ولوحات القيادة الخاصة بالسيارات والطرق المحيطة بمنزل سكريبال. وقبل أن يعثر المحققون على الإبرة، قالوا إنهم بحاجة إلى بناء كومة القش الخاصة بهم.

واستخدم الباحثون في سعيهم إلى الحقيقة، أهم "ممتلكات" مقر الشرطة البريطانية في لندن، "وحدة المُميِزين الخارقين"، والذي يتم اختيار الضباط للعمل بها، بناءً على قدراتهم الخارقة على تذكر الوجوه، أي عكس "عمى تمييز الوجوه".

ووصف مؤسس الوحدة، ميك نيفيل، عناصره لصحيفة "سكاي نيوز" البريطانية الأسبوع الماضي بأنهم "لا يركّزون على التفاصيل الواضحة كالشيب أو الشارب أو النظارات، إنهم ينظرون إلى العيون والفم والأذنين، فهي تفاصيل لا تتغير. يستطيعون تحديد وجها ما، بعد نظرة خاطفة لأحد أجزائه".

وادعى مختصون أنه في الحالات المماثلة للتحقيق في قضية سكريبال، والتي تتميز بأنها بدأت بجمع كميّة مهولة من المعلومات قد تُشير إلى عدد كبير من المشتبهين المحتملين، يعمل المُميِزون الخارقون على تمييز الأشخاص الذين تبدو حركتهم مريبة. ويكمن دور عناصر الشرطة المحلية في مساعدة هؤلاء عبر استخراج "المجرمين" المسجلين أصلا في المنظومة، كتجار المخدرات الصغار التي تبدو حركتهم مريبة، أيضًا.

وتمّت مقارنة النتائج التي قدمتها الوحدة مع تفاصيل جوازات السفر الروسية التي غادرت البلاد بعد مدّة قصيرة من الهجوم، ما أدّى إلى تقليص أعداد المشتبه بهم إلى أرقام يُمكن إدارتها بسهولة أكبر. ومن ثم بدأت الشرطة بالتحقيق بطرق أخرى، كرسم خرائط لتحركات الهواتف النقالة واستخدام البطاقات المصرفية.

وشبه بايليس عملية التحقيق بالقمع الذي يُستخدم لصب السوائل (كالزيت مثلا)، "حيث أن الجزء العلوي من القمع يحتوي على الكمية الأكبر من السائل، الذي تضيق مساحته (وكميته) مع الوقت حتى يخرج من المجرى الضيّق في أسفل القمع".

ولحسن حظ المحققين، فإن الطقس في تلك الفترة وتحديدا في نهاية الأسبوع التي تلت الهجوم، كان مُثلجا، إذ تساقطت الثلوج بكثافة عالية ما قلل من عدد الناس في الشوارع.

واستطاع المحققون الحصول على معلومات في غاية الأهمية بعد شهرين من تسميم سكريبال وابنته، حيث وصل عناصر الشرطة إلى أحد الفنادق في شرق لندن، في المكان الذي قضى المشتبه بهما ليلتين فيه قبل الهجوم. بعد أن أخذوا عينات مختبرية من الغرفة وجدوا بعضها ملوثًا بغاز الأعصاب الذي استخدم في العملية.

استهجن بعض جيران سكريبال، عقب الإعلان عن اتهام الروسيين يوم الأربعاء الماضي، عدم إبلاغهم عن احتمال وجود غاز أعصاب في المنطقة بعد عثور الشرطة على مخلفاته في أيار/مايو الماضي. وقالت إحدى الساكنات في الحيّ "بالطبع لا نشعر بالأمان، يُمكننا أن نحتاط بوجه ما نعلم وجوده فقط".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018