محور استبدادي جديد يتطلب جبهة تقدمية عالمية

محور استبدادي جديد يتطلب جبهة تقدمية عالمية
بيرني ساندرز (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال عضو الحزب الديمقراطي الأميركي، القيادي اليساري بيرني ساندرز، الذي نشره أول من أمس في صحيفة "ذا غارديان" البريطانية:


هناك صراع عالمي يدور الآن ستكون له تبعات هائلة، أحدها على الأقل، هي أنّ مُستقبل كوكب الأرض على المحك، اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا.

وفي وقت تتعاظم فيه الثروات الضخمة وعدم المساواة في الدخل، وأصبح فيه أثرى 1% من سكان العالم يملكون ثروات فاقت التي لدى الـ99% المتبقين، نشهد صعود محورٍ استبدادي جديد.

ورغم أن بعض هذه الأنظمة تختلف عن بعضها في عدّة نواحي، إلا أنها تتشارك في وجوهها الأساسية: معاداة القيم الديمقراطية والنفور من الصحافة الحرّة، والتعصب ضد الأقليات العرقية والدينية، بالإضافة إلى قناعتها بأنه يتوجب على الحكومات العمل من أجل إفادة مصالحها الاقتصادية الأنانية.

ويرتبط هذا النوع من الزعماء بشبكة من أصحاب المليارات المرتبطين بالشأن السياسي، والذين يتعاملون مع العالم كأنه ملعب اقتصادي خاص بهم.

إن الأشخاص الذين يؤمنون بالديمقراطية مثلنا، ويعتقدون أن على الحكومة أن تكون مسؤولة أمام شعبها، يجب أن يدركوا حجم هذا التحدي في حال أرادوا التصدي له بشكل عملي.

ولا حاجة لإيضاح أن ظاهرة دونالد ترامب، وحركات اليمين المتطرف التي تدعمه، ليست حكرا على الولايات المتحدة الأميركيّة، فيُمكننا أن نرى، في جميع أنحاء العالم، في أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وآسيا وفي كل مكان آخر، حركات يقودها ديماغوغيون يستغلون خوف الناس وتعصبهم، والظلم الذي يتعرضون إليه، من أجل الوصول إلى السلطة والبقاء فيها.

لم يبدأ هذا التيار مع صعود ترامب بالتأكيد، لكن ليس هناك أدنى شك بأن الحكام الاستبداديين حول العالم، قد استلهموا من فكرة أن قائد "أقدم وأقوى دولة ديمقراطية في العالم"، يبدو مسرورا بتحطيم قيم الديمقراطية.

من كان يتخيل قبل ثلاث سنوات أن الولايات المتحدة قد تتخذ موقف الحياد في الصراع الدبلوماسي الدائر بين جارتنا الديمقراطية وثاني أكبر حليف اقتصادي لنا، كندا، والدولة التابعة، المملكة العربية السعودية، التي تُصنف مواطناتها النساء على أنهن درجة ثالثة على سلم المواطنة؟

ومن الصعب، أيضًا، تخيّل أن حكومة نتنياهو الإسرائيلية كانت ستنجح في سن "قانون القومية" المؤسس لتصنيف مواطني إسرائيل غير اليهود في المرتبة الثانية، مؤخرًا، لولا أن بنيامين نتنياهو علم بأن ترامب يؤمن له الحماية.

هذه الأمور ليست سرًا في الحقيقة، خصوصًا مع استمرار الولايات المتحدة في الابتعاد أكثر عن حلفائها الديمقراطيين القدماء، فقد أوضح السفير الأميركي في ألمانيا مؤخرًا، أن إدارة ترامب تدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا.

وإضافةً إلى عداء ترامب للمؤسسات الديمقراطية، فرئيسنا صاحب المليارات، غرس مصالحه الاقتصادية الخاصة وتلك الخاصة بأصدقائه في سياسات الحكومة بشكل سافر وغير مسبوق.

لقد قطعت أنظمة استبدادية أخرى أشواطا أكثر في عملية التحول الكليبتوقراطي (نظام حكم اللصوص)، ففي روسيا، من المستحيل أن نُحدد متى ينتهي القرار الحكومي ومتى تبدأ مصالح فلاديمير بوتين ودائرته من الأثرياء. إنهم يعملون كوحدة واحدة.

وبشكل مشابه، فلا يُمكن النقاش حتى عن حقيقة الفصل (بين السلطة والشعب) في السعودية، لأن الموارد الطبيعية المُقدرة قيمتها بتريليونات الدولارات، هي ملك أسرة آل سعود الحاكمة.

وفي هنغاريا، الزعيم السلطوي اليميني المتطرف، فيكتور أوربان، متحالف مع بوتين بشكل واضح. أما في الصين، فدائرة داخلية يقودها الرئيس تشي جي بينغ، صادرت السلطة تدريجيا، وفرضت قيودا شديدة على حرية التعبير والعمل السياسي، في وقت تُثبّت فيه بشكل عنيف، نسخة من الرأسمالية الاستبدادية في الخارج.

علينا أن نعي أن هذه الأنظمة السلطوية تتشارك في جبهة واحدة، وهي متصلة اتصالا وثيقا ببعضها البعض، وتتبادل التكتيكات في ما بينها، وفي حالة اليمين المتطرف الأميركي ونظيره الأوروبي، هؤلاء يُموَلون من المصادر ذاتها. مثالٌ على ذلك، عائلة ميرسير، التي دعمت "كامبريدج أنالاتيكا" سيئة السمعة، فهي تُعتبر من الداعمين الرئيسيين لترامب وإحدى مواقع اليمين المتطرف التي تُدعى "بريتبارت نيوز"، وتعمل في أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل لتمرير أجندة معاداة اللاجئين والمسلمين.

ويقدم شيلدون أديلسون، أحد أكبر المتبرعين للحزب الجمهوري، أموالا سخية للقضايا المرتبطة باليمين المتطرف في الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء، من أجل الترويج للأجندة المُشتركة في البلدين، والتي تتمثل بالتعصب ومعاداة اللبرالية.

مع ذلك، فلا يُمكننا مواجهة الاستبداد اليميني بشكل ناجع مُستندين إلى أدوات "الوضع الراهن"، الذي فشل على مدار العقود الأخيرة.

وفي واقعنا اليوم، في الولايات المتحدة وأماكن كثيرة في العالم، يعمل الناس لساعات أطول مقابل أجور راكدة، ويخشون من أن يحظى أطفالهم بمستوى معيشي أقل مما لديهم في المستقبل.

وتكمن مهمتنا في النضال من أجل مستقبل تعمل فيه التكنولوجيا والمبادرات الإبداعية المختلفة لمصلحة كل الناس، وليس لجزء قليل منهم، فلا يُمكننا أن نقبل بأن يمتلك 1% من سكان العالم نصف ثرواته، في الوقت الذي تبلغ فيه ثروة 70% من القوى العاملة في العالم، نحو 2.7% من الثروة العالمية.

يتوجب على حكومات العالم أن تتضافر مع بعضها من أجل إنهاء عبثية الأغنياء والشركات متعددة الجنسيات، التي تُكدس أكثر من 21 تريليون دولار في حسابات بنكية خارجية لتجنب دفع حصتها العادلة من الضرائب، ومن ثم أن تفرض الحكومات المعنية بهم (الأثرياء)، سياسات صارمة.

لا يُمكن أن نقبل استمرار حصول صناعة الوقود على أرباح هائلة فيما تتسبب الغازات السامة المُنبعثة من الصناعة بتدمير الكوكب المخصّص لأبنائنا وأحفادنا.

لا يُمكن أن نقبلَ بسيطرة حفنة من عمالقة الإعلام متعدد الجنسيات، التي يمتلكها عدد صغير من أصحاب المليارات، على التدفق المعلوماتي في العالم.

لا يُمكن قبول أن تدفع السياسات الاقتصادية التي تنتفع منها الشركات العالمية الكبرى، بالطبقة الكادحة في أنحاء العالم، نحو منافسة على موارد القاع، فيما يتم إفراغ الأفراد من وجهات نظرهم في ما يتعلق بالشؤون العامة.

لا يُمكن أن نقبل بعد مرور عقود على انتهاء الحرب الباردة، أن تستمر دول العالم بإنفاق أكثر من تريليون دولار على أسلحة الدمار الشامل، فيما يموت ملايين الأطفال جرّاء تعرضهم لأمراض قابلة للعلاج بسهولة.

من أجل مكافحة تعاظم قوة محور الاستبداد العالمي بشكل ناجع، نحتاج إلى حركة تقدمية عالمية تحشد الناس وراء رؤية الازدهار والأمن والكرامة التي يتشاركها جميع الناس، والتي من شأنها أن تتصدى لعدم العدالة الذي يسود في العالم، ليس في معايير توزيع الثروة فقط، بل في السلطة السياسية، أيضًا.

إن حركة كهذه يجب أن تكون جاهزة للتفكير بإبداعية وجرأة حول شكل العالم الذي نُريد العيش فيه. وفيما يصمم المحور الاستبدادي العالمي على تمزيق النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، الذي يراه عائقا أمام سيطرته على القوة والثروة، لا يُمكن أن نكتفي بالدفاع عن المنظومة السائدة اليوم فحسب.

يجب أن ننظر، وبصدق، إلى العوامل التي أدت إلى فشل المنظومة في تلبية وعودها، وكيفية استغلال الاستبداد لإخفاقات المنظومة في سعيه لبناء قاعدة داعمة لأجنداته. علينا أن ننتهز الفرصة لإعادة صياغة نظام عالمي تقدمي حقيقي يستند إلى التضامن/التكافل الإنساني، نظام يعترف بأن كل البشر على هذه الكرة الأرضية يتشاركون الحس الإنساني ذاته، وأننا جميعًا نريد أن يترعرع أطفالنا في بيئة صحية وأن يحظوا بتعليم جيّد ووظائف محترمة، وأن يشربوا مياها نظيفة ويتنفسوا هواء نقيا، وأن يعيشوا بسلام.

مهمتنا هي الوصول إلى الأشخاص الذين يؤمنون بنفس القيم في كل زاوية بالعالم، والذين يناضلون من أجل عالم أفضل.

في وقت تتفجر فيه الثروة والتكنولوجيا، لدينا القدرة على توفير حياة كريمة لجميع البشر. تكمن مهمتنا في بناء إنسانيتنا المشتركة وعمل المستحيل لمناهضة جميع القوى، سواء كانت السلطة غير الخاضعة للمساءلة أو قوّة الشركات غير الخاضعة للمحاسبة، التي تحاول تفرقتنا وحثنا على معاداة بعضنا البعض. نحن نعلم أن هذه القوى تعمل بطريقة عابرة للحدود، وعلينا أن نفعل الشيء ذاته.