ما الذي يريده إردوغان وميركل من بعضهما البعض؟

ما الذي يريده إردوغان وميركل من بعضهما البعض؟
(أ ب)

المرّة الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بزيارة رسمية لألمانيا، كانت في شباط/ فبراير 2014، وحينها، لم تتجاوز قيمة اليورو الواحد ثلاثة أضعاف الليرة التركية، ووصلت نسبة النمو السنوي للناتج المحلي القومي 8.5 في المائة، وحينها، كذلك، بدا أن هناك قابلية للنقاش حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

كان ذلك حين كان إردوغان رئيسا للوزراء، لكنّه، اليوم، وبعد أن فرض دستورا جديدا منحه الإمكانية لتوسيع صلاحياته وإزالة معظم الرقابة على سلطته، أصبح رئيسا للبلاد، وانتهت، بذلك، فرصة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وانخفضت قيمة الليرة الواحدة إلى حد بات فيه اليورو يساوي سبع ليرات، وأمسى الاقتصاد التركي على حافة انهيار قاسٍ.

تأزّمت العلاقات بين تركيا وألمانيا في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة على إردوغان عام 2016، سُجن على إثرها نحو 60 ألف شخص، من بينهم 30 ألمانيًا على الأقل.

ومع ذلك، تحتاج تركيا اليوم لأصدقائها القُدامى واستثماراتهم الجديدة، كما ترغب ألمانيا بإعادة تقوية العلاقات بينهما أيضًا. وربما يكون الترحاب الكبير الذي قدمته ألمانيا للزيارة المرتقبة، التي بدأها إردوغان، أول من أمس، الخميس، دليلًا على أن رغبة ألمانيا في تحسين العلاقات حقيقية تمامًا.

هل هذا يعني أن هناك إعادة ضبط للدبلوماسية الألمانية في الأفق؟

لن ترغب ألمانيا بمشاهدة الاقتصاد التركي وهو يتهاوى، خصوصًا أنها أكبر شريك تجاري للبلد الشرق أوسطي، بالإضافة إلى أنها تأوي نحو 3 مليون مواطن من أصول تركية. كما أن الشركات الألمانية التي تعمل في تركيا ويُقدر عددها بما لا يقل عن 7000 شركة، لن ترضى بذلك، أيضا.

ولدى حكومة المستشارة، أنجيلا ميركل، سبب قوي لئلا تدخل تركيا في حالة انعدام استقرار، لأن هذا قد يعني أن لا تلتزم الأخيرة باتفاقها مع الاتحاد الأوروبي لردع ملايين اللاجئين وصدهم من الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.

وتدعم ألمانيا جهود حليفتها تركيا، لتفادي كارثة إنسانية في محافظة إدلب في شمال غربيّ سورية، حيث يواجه مقاتلو المعارضة والمدنيون، خطر مجزرة قد يرتكبها النظام السوري. وأقنع إردوغان حليف النظام الرئيسي، فلاديمير بوتين، بإقامة منطقة منزوعة السلاح بين قوات النظام والمعارضة.

وتمنح هذه الصفقة تركيا، مزيدًا من الوقت لحث قيادة المعارضة المُسيطرة على غالبية مناطق المحافظة، للتخلي عن سلاحها، أو عزل ومحاربة الجماعات المسلحة التي تنوي القتال ضد النظام حتى آخر رمق.

وخفّت حدة التوتر بين ألمانيا وتركيا، مقارنةً مع العام الماضي، حين اتهم إردوغان مسؤولين ألمان في برلين، بأنهم يتصرفون كالنازيين بعد أن مُنع وزراؤه من إدارة حملات لدعم الرئيس التركي، وجهوها للألمان الأتراك، إلا أن السلطات التركية أطلقت سراح معظم الألمان الذين اعتقلوا منذ محاولة الانقلاب، بما في ذلك صحافيون.

وصبّ إردوغان غضبه، حاليًا، على إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي فرضت رسوما جمركية على واردات تركيا من الصلب والألمنيوم، ردًا على اعتقال قس أميركي، مؤخرًا.

وهلل المسؤولون الأتراك لحكومة ميركل عندما أدانت العقوبات الأميركية على بلادهم، ووردت أنباء بأن عدّة شركات ألمانية مُهتمة بالمشاركة في مشروع حكومي لإصلاح السكك الحديدية القديمة في تركيا، ومن المتوقع أن تبلغ تكلفته مليارات الدولارات.

وسوف يُحضر إردوغان معه إلى ألمانيا، قائمة طلبات طويلة، فيُريد مثلا، أن ترفع ألمانيا حق النقض (فيتو) الذي وضعته على توسيع الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي بحيث يشمل تركيا، وطمأنة المستثمرين الألمان، وإعادة المحادثات حول منح الأتراك حق السفر إلى دول الاتحاد دون الحاجة إلى تأشيرة دخول (فيزا).

وأكثر ما يرغبه إردوغان هو إقناع ميركل بأن تُقدم للاقتصاد التركي المُتهاوي، حبل نجاة ماليًا، يتخطى الحاجة إلى قروض صندوق النقد الدولي. مع ذلك، فهو على قناعة تامة تقريبا، بأن يعود إلى بلاده خالي الوفاض.

أما بالنسبة للشركات الألمانية العاملة في تركيا، فقد كانت مئات منها مُعرضة لخطر الارتباط بـ"الإرهاب" في صيف العام الماضي، ولا تزال سلطة القانون "الرديئة" في تركيا تُشكل عائقا أساسيا أمام عمل هذه الشركات وغيرها.

وتستمر الانتهاكات التي قامت بها السلطات التركية في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016، وتصريحات إردوغان حول "النازية"، في إعاقة استساغة الائتلاف الحكومي الألماني، إعادة المحادثات مع الاتحاد الأوروبي أو دعم الاقتصاد التركي.

ويبدو أن إردوغان بات يلاحظ أن إحراق الجسور أسهل من بنائها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018